كان المطر يغسل الشارع في هذه الليلة. حين دخل المتجر، لم يكن يحمل سوى نيةٍ قذرة ورغبةٍ قديمة في إطلاق النار؛ إن لم يكن هناك حلٌ حقًا.

«أتيتك لأبيع لك بعض أسلحتي، ليس لديك الحق في الرفض أو سأقتلك هنا وآخذ المال».

ضحك ميلر وهو ينظر إلى صحيفته: «إذاً لماذا لا تقتلني الآن وتأخذ المال وسيمكنك الاحتفاظ بأسلحتك؟».

تنهد كاين: «إنها مجرد أسلحةٍ قديمةٍ ليس لها قيمة؛ ستكون مجرد عائقٍ لي إن استخدمتها، إضافةً إلى أنني أحتاج المال، كما أنني لا أريد جلب شبهات إن تمكنت من تفاديها».

وقف ميلر وأخرج مفتاحًا صغيرًا من جيبه، فتح بابًا جانبيًا ودخله. بقي كاين يشاهده حتى قرر اتباعه.

تنهد وقال: «يمكنك مناداتي ميلر».

بقيا يمشيان في طريقٍ مظلمٍ تتخلله أشعة الضوء الأزرق إلى أن استقرّ ميلر أمام بابٍ كبيرٍ وعبره، واتبعه كاين من خلف.

«أريد أن أرحب بك في مكاني المفضّل، حيث أجمع هنا شتى ومختلف أنواع الأسلحة القديمة التي تم تهشيمها».

تفحص كاين المكان بنظراتٍ سريعة دون أن يحرك رأسه، إلى حين وقعت عيناه على سلاحٍ كان أمامه مباشرةً.

تقدّم بخطواتٍ بطيئة وتوقف أمام السلاح وبدأ يلمسه ببطء ويتفحصه.

«أخبرني من أين حصلت على هذا السلاح».

«أنت تقصد سلاح سكاريوس، إنه سلاحٌ جيد حقًا لكن…».

قاطعه كاين بزمجرةٍ: «أخبرتك أن تحدثني من أين حصلت عليه لا أن تحدثني عن مميزاته».

سكت ميلر مع تغيّر في تعابيره، حتى تكلم بهدوء: «لا أريد إفساد مزاجي الآن، هذا سلاح يحمل معه ذكريات مزعجة حقًا».

عبس كاين وهو ينظر إلى ميلر ، تسلّلت برودةٌ غريبة إلى جلده.

أخرج كاين أسلحته القديمة كلها التي كانت عبارة عن مسدساتٍ مهترئةٍ وخناجر صدئة.

«هذا كل ما أملكه من أسلحة قديمة كنت أستعملها منذ حوالي عشر سنوات أو ربما أكثر، سأبيعها كلها لك».

كان ينظر ميلر إلى ما أمامه بملامح جامدة، كأن كل قطعة خردة تُلقى عبارة عن إهانةٍ صغيرةٍ جديدة. ابتسم لكي لا يُرى كم هو ساخطٌ من الداخل.

«حقيقةً إنها مجرد أسلحة بلا فائدة، لا أعلم كيف كنت تستعملها».

حدق كاين نحوه بجمودٍ إلى أن تقدّم ومسك قميصه حتى كاد يقطعه.

«تعابيرك هذه وكلامك الأخير على ما يدلان».

«أرجوك، لا يمكنني أن أعطيك مالًا لأجل شيءٍ لا يستحق، لدي زوجة وأبناء وإيجار».

ارتجف صوته، لا من البرد، بل من كاين.

قبض كاين على يده حتى ابيضّّت مفاصله.

«أخبرتك منذ البداية أنه ليس لديك الحق في الرفض».

دفع كاين ميلر بعنفٍ جاف، ثبت نظره عليه لحظة، ثم رفع يده. التقت أصابعه في خطٍ واحد، ولوّح بها بخفةٍ حادّة. انفصل الرأس عن الجسد بصمتٍ تام، وسقط كأن الهواء نفسه لفظه.

أمسك رأس ميلر، أخرج ولاعةً كبيرة الحجم وأدخلها في وسط فمه.

خرج من الغرفة تاركًا وراءه أسلحته وجثة ، عبر ممرٍ مظلمٍ بسرعةٍ حتى وصل إلى المتجر، فتش بعيونه عن صندوق محاسبة وفتحه.

وجد المال منظمًا بعناية كبيرة. بدأ يأخذ الكثير من الأموال حتى توقف لحظة.

«لماذا لا آخذها كلها دفعةً واحدة؟ في النهاية هو ميت الآن».

بدأ كاين بتنفيذ كلامه وجمع الأموال كلها، ووضعها في علبٍ صغيرة. ما إن انتهى من كل الأموال حتى خرج من المتجر محاولةً عدم لفت الانتباه.

ابتعد عن المتجر بخطواتٍ كثيرة، لكن كاين ما زال يرى المتجر حتى من بعيد. بدأ يرى الكثير من المارة يتجولون اليوم—شبابًا وشيوخًا ونساء.

ذهب إلى مجموعةٍ من شبابٍ جالسين معًا.

ابتسم كاين: «مرحبًا يا رفاق، أنتم تستمتعون حقًا بوقتكم. أردت أن أخبركم أن هناك رجلًا يحتاج مساعدة في متجره، إنه وحيد حقًا».

نهض أحد الشباب من المجموعة: «يمكننا مساعدته طبعًا، لن تكون هناك مشكلة، أين هو المتجر؟».

شرع كاين بتوجيههم إلى مكان المتجر بأسلوبٍ مهذبٍ ومؤدَّب.

سأله أحد الشباب: «وأنت ألست ذاهبًا معنا؟».

«حقيقةً أنا ذاهب لإحضار معداتٍ حتى أساعده، سوف نلتقي بعد بضع دقائق».

افترقت مجموعة الشبان عن كاين بعد حديثٍ قصيرٍ عن أسلوبه المهذب وطباعه الهادئة. ما إن أدار لهم ظهره حتى ارتسمت على وجهه ابتسامة متوحشة ومريضة.

وصلت المجموعة إلى المتجر ودخلوا، فلم يجدوا أي شخص هناك إلى أن تحدث أحدهم: «ربما غياب صاحب المتجر يعني أنه في مكانٍ ما وسيعود لاحقًا، ومع ذلك لا أرى شيئًا يمكننا فعله لمساعدته الآن».

لمح أحدهم ممرًا مظلمًا تتخلله أضواء زرقاء: «مهلاً، ما ذاك المعبر؟ هل ندخله؟».

وبخه أحد رفاقه: «يا رجل، لا تدخل إلى أماكنٍ ليس لديك الحق في دخولها».

فور ما انتهوا من الحديث بدأوا يشعرون بحرارة تزداد تدريجيًا حتى بدأ العرق يتصبب منهم.

تبادلوا نظراتِ الشكّ والحيرة محاولين فهم الوضع.

«ما هذه الحرارة الغريبة بحق الخالق؟»

بدأ المتجر بالاحتراق مباشرةً دون سابق إنذار. شهقَت المجموعة خوفًا وارتباكًا من هذا المشهد إلى أن ابتدأوا بالصراخ والركض.

كان النيران تخرج وتزداد هيجانا من ممر مظلم .

لمحوا أن باب الخروج محجوبٌ بالنيران من شدتها. اتسعت اعينهم بصمتٍ، كأنهما ترفضان تصديق ما تريان.

أصبحت وجوههم كلها فارغة.

بدأت الناس تتجمّعٍ وأحاط بالمتجر رجال إطفاءٍ محاولين إخماد النار بكل قوتهم. وسط هذا التجمع وقف كاين في الوسط وهو يضحك بصوتٍ منخفض.

خرج من الحشد الغفير متجهًا إلى منزله وهو يحمل العلب.

دخل كاين المنزل وتوجه مباشرةً إلى سريره ليضع العلب فوقه، بدأ بفتحها وانتشر المال على السرير حتى كاد يغطيه كله.

«هذا المال سيكفيني لمدةٍ كبيرةٍ حقًا، كل شيء يسير لصالحِي. لا أحتاج أن أعمل عند ذلك الكهل الحقير او ان اخدم تلك المنظمات القذرة ».

أخذ جهاز التحكم وشغّل التلفاز ليجد الأخبار والقنوات تتحدث عن احتراق المتجر ومجموعة الشبان تلك.

«رجال الشرطة—هم حفنة من الحمقى حقًا، أو ربما أنا أفضل منهم وأشد ذكاءً وحيلةً منهم».

تنهد كاين ونظر نحو التلفاز مطولًا: «لا أظن أن إشعال متجر بولاعة شيءٌ صعب بعد كل شيء. من الجيد امتلاكي لولاعاتٍ من هذا النوع».

«ولا يمكنني نسيان دور أولئك الشبان الحمقى، فبسببهم ستنخفض عليّ الشبهات كثيرًا».

ضحك بصوتٍ عالٍ بينما يشاهد في التلفاز فوضىً وحرائق.

سمع كاين صوت طرق الباب فنهض وفتحه ليجد رجلاً عجوزًا يمشي بعصا. نظر له باستغراب.

«مرحبًا أيها الجد، هل تحتاج خدمةً ما؟»

«جيرانك الذين بقربك يتعرضون للاختطاف والاعتداء الآن».

اقترب كاين من العجوز: «أي جيران تتحدث عنهم بالتحديد؟»

عبس العجوز: «إنهم عائلة كولينز».

انطلق كاين كالرصاصة نحو منزلهم، لم يستغرق الوصول وقتًا طويلًا حتى دخل عبر نافذة المنزل.

وجد نفسه في غرفة استقبالٍ تتجمع فيها عائلة كولينز، لا أثر لاختطافٍ أو اعتداء. حدّق بهم بصدمةٍ، محاولًا فهم ما يحدث.

صرخت ابنة كولينز بغضب:

«أيها الأحمق اللعين! لماذا اقتحمت منزلنا بهذه الطريقة؟! هل تنوي اختطافنا؟!»

تقدّم الأب بخطواتٍ ثابتة، وأمسك بابنته قائلًا بهدوء:

«تمهّلي، لا تتسرّعي هكذا. قد يكون له سبب لما فعل، أليس كذلك؟»

تجمّد كاين في مكانه، تحدّق عيناه إليهم دون أن ينطق بكلمة. ثم استدار فجأة، وانطلق عائدًا إلى منزله.

تسللت رائحة الدخان أولًا، خفيفةً كتحذيرٍ مبهم، قبل أن يبتلع اللهيب كل شيء.

توقف كاين أمام منزله المشتعل، يحدّق بصمتٍ في ألسنة النار التي تلتهمه.

في تلك اللحظة، بدا كأنه جسدٌ بلا روح.

تجمّع الجيران، بعضهم يصيح، وبعضهم اتصل برجال الإطفاء.

أما كاين، فنزع نظارته ببطءٍ وبدأ يبتعد عن المنزل المشتعل، بينما همس ببرود:

«عليّ أن أنضم إلى منظمة ما… لا خيار آخر.»

أخرج هاتفه الصغير وقرّبه إلى أذنه:

«مرحبًا أيها المدير، أريد منك خدمة.»

جاءه الصوت من الطرف الآخر بنبرةٍ غاضبة:

«لم أعد مديرك، فما الذي تريده الآن؟»

قال كاين بصوتٍ خافتٍ لكنه حاد:

«أريد الانضمام إلى منظمة اغتيال.»

شهق المدير بدهشة:

«هل فقدت عقلك؟ ألم تكن تكره المنظمات وتحتقر العمل معها؟ ما الذي غيّرك؟»

أجاب كاين ببرودٍ ثقيل:

«أحيانًا نفعل أشياء نكرهها… حتى نحصل على ما نحب.

ثم إنني فقدت أغلى شيءٍ عندي.»

صمت المدير قليلًا، ثم قال:

«يمكنك الذهاب إلى منظمة إنفيموس. أخبرهم أن ويلسون هو من أرسلك، وسيضمونك إلى صفوفهم.»

أنهى كاين المكالمة وأسقط الهاتف من يده.

ارتجفت شفتاه، حاول كبح صوته، لكن الغضب كان أعمق من أن يُحبس.

صرخ صرخةً واحدة طويلة، فشقّ السكون، اننفجرت النوافذ و ارتجت المباني من حوله.

تجمّع بعض الرجال في الجهة المقابلة، وجوههم متيبسة من الرعب.

اقترب منهم كاين ببطء، وقال بجمودٍ قاتم:

«هل تعرفون أين تتواجد منظمة إنفيموس؟»

2025/10/27 · 20 مشاهدة · 1233 كلمة
نادي الروايات - 2026