«توقف ايها المغتال الحقير لن تهرب منا للأبد. »
«للأسف، الشرطة مجرد حفنة من حمقى».
بدأ كاين بالقفز بين العمارات مبتعدًا عن الميناء، حيث كانت تطارده الشرطة منذ المساء، والآن قد ابتلع الليل المدينة بالفعل.
كانت هذه المرة الأولى التي تطارده فيها الشرطة مباشرة، فلم يعلم كيف وصلوا إليه.
«لاأفهم حقا لماذا كانت تلاحقني الشرطة رغم انني لم افعل شيئا ، كما انها المرة الأولى التي يطاردونني وجها لوجه ، لا أظن سبب هو المدير ».
منذ احتراق منزله وهو يتجول في الشوارع حتى إنه لم يحظ ببعض النوم. كانت رغبة الانتقام تسري في عروقه؛ فهو يريد قتل من أحرق بيته.
سأل بعضًا من جيرانه، لكنهم نفوا رؤيتهم لأي شخص أحرق بيته، وهذا ما زاد من غضبه.
واصل كاين سيره بعد أن استقرّ على الأرض، عابراً الشارع بخطوات باردة لا تحمل وجهة محددة. كان غارقًا في أفكاره حين اصطدم بجسدٍ قادمٍ من الاتجاه المعاكس، فارتدّ قليلًا إلى الخلف.
حدق في الرجل بعينين ضيقتين، قبض على يده واستعدّ لركله دون تردد، لكن شيئًا في ملامحه أوقفه.
تجمّد مكانه، ثم اتسعت عيناه ببطء.
«أنت...»
كان الرجل أمامه زميله في العمل، بملامح الدهشة ذاتها. ساد صمت قصير بينهما، اختلط فيه الغضب بالمفاجأة، قبل أن يشيح كاين بوجهه ويمضي، تاركًا الآخر يتنفس بارتياح خافت.
لكن الزميل لم يتركه يمضي؛ لحق به بخطوات سريعة وهو ينادي: «كاين! انتظر لحظة!»
توقف كاين للحظة فقط، ثم واصل سيره دون أن يلتفت. «قلت لك انتظر!» صاح الرجل، وأمسك بذراعه.
التفت كاين بعنف، وعيناه تقدحان شررًا.
«أليس من الأفضل أن تبحث عن عمل لك يا فاست بدلًا من التجول هنا و مناداتي للتوقف»
«نفس الأمر ينطبق عليك، أليس كذلك؟»
بدأ الاثنان في المشي بدون وجهة محددة، وكان فاست ينظر إلى كاين بريبة واستغراب؛ لم يتوقع أن يصادفه بعد إيقاف عملهم.
تحدث فاست بصوت مخنوق: «أنت تعلم سبب إيقاف العمل، أليس كذلك؟»
صرخ كاين: «إنهم رجال الشرطة الأوغاد؛ أصبحت دورياتهم مكثفة جدًا مع إمساكهم لمنظمات اغتيال، مما جعل لديهم معلومات كثيرة عن عالمنا».
«ففي النهاية مديرنا كان مجرد صعلوك جبان، لقد طلبت منه أن يسجلني في منظمة لكنني بعدها رفضت؛ لن أكون عبدًا لتلك المنظمات ».
تنهد فاست مطوّلًا: «لا تتحدث بالعاطفة؛ فالمدير يمتلك عائلة تحتاجه أكثر مما يحتاجها هو، لكن نحن لا نمتلك أي شيء، كما أنه لو استمر العمل لجلبوا معلومات عنا وتم سجننا لذا يمكنك القول انه أنقذنا حقا».
توقف كاين حتى ركَل عمود الكهرباء بقوة، ثم نظر إلى فاست بعبوس: «كنا نمتلك عملاً لكن الآن لا نمتلك شيئًا حقًا».
" والشرطة كانت تلاحقني منذ المساء كما أنهم نادونني بالمغتال ، الأ تظن أنه هناك شي غريب حقا يحدث بعد توقيف عملنا ".
ابتسم فاست ابتسامة عريضة: «ما رأيك أن نذهب للتجول في أماكن تملك طاقة إيجابية؟ هل يجعل هذا حديثنا أفضل؟»
وصل الاثنان إلى ساحة رئيسية كانت تعج بالناس وضحكات الأطفال والعائلات.
تذمر كاين: «هذه أماكن لا ننتمي لها ولا نفهمها».
«وأعتقد أن ذلك المدير العجوز قُبِض عليه متلبسًا، فوشى بنا جميعًا ليُنقذ نفسه هذا التفسير الوحيد لهذه الأحداث الغريبة مؤخرا .».
ضحك فاست: «ربما فنحن لسنا من نوعية هؤلاء الناس ولا تتهم المدير بدون دليل ثابت ، وأيضًا هل ستبقى بدون عمل أم أنك تبحث عن وظيفة جديدة؟»
تنهد كاين متعبًا: «لا أعلم؛ ففي البداية رفضت عملًا عند أشخاص آخرين غير المدير، بعدها طلبت منه تسجيلي في منظمة ولكن الآن انسحبت. أنا في حيرة من أمري».
«لا أظن أن هناك منظمة سترحب بك؛ ففي النهاية أنت ملاحق من قبل الجميع».
رد كاين بتفاجؤ: «هاه؟ ما الذي تتحدث عنه من الملاحق الذي تتحدث عنه؟»
بدأ فاست يضحك، حتى بدأت ضحكته تزداد تدريجيًا إلى حد انفجر فيه صوته عالياً: «أوه، عذرًا، أنت لا تعرف؛ فبعد كل شيء احترق منزلك».
التفت فاست لكاين بتعبير غريب: «الشرطة تلاحقك لأنك قتلت ساعي البريد، ولم يكن رجلاً عادياً، بل موظف دولة يحمل أسرارًا مهمة. قتله جعلك المتهم الأول بسرقة المعلومات واحتفاظك بها لنفسك».
شعر كاين برجفة تسري في جسده كله: «ومن أين لك بهذه المعلومات؟ وهل تمت سرقت معلومات من الأساس؟»
أخرج فاست إصبعه ووضعه على فم كاين: « كل هذا لا يهم ، فأنت لست ملاحقًا من قبل الشرطة فحسب؛ بل المغتالون يبحثون عنك لقتلك واسترجاع ما أخذته منهم».
«ماذا أخذت حتى يسترجعونه؟»
«أشعلت النار في محل الأسلحة، ووسط ذلك اللهب كانت مجموعة الشبان. ذلك المحل كان مصدر أسلحة خطيرة تُشترى بها القتلة ويخبّئون فيها كثيرًا من أسلحتهم. الآن منظمات ومغتالون يسعون إليك، يريدون استرجاع أسلحتهم — ويريدونك ميتًا».
كاين صرخ: «لكنني لم آخذ أي سلاح — لم ألمس شيئًا في المحل».
فاست ابتسم بحذر: «هم يظنون ذلك، وحين يكتشفون الحقيقة سيقتلونك انتقامًا منك».
أحسّ كاين بنيران الغضب تتسرب إلى أطرافه؛ تجعل كل حركة منه هشة لكنها قاتلة، وكأن العالم كله أصبح خصمه.
افترق عن زميله.
سأله فاست ليجيب كاين ببرود : «لن أبتعد كثيرًا؛ عليّ المشي قليلًا لأهدأ نفسي أو سأقتل أحدهم».
توجه في منعطف يساري، بينما تجمّد فاست مكانه حتى سقط وهو يشهق بشدة ممسكًا صدره.
أمضى كاين الكثير من الوقت وهو يتجول، حتى وصل إلى منطقة تغطيها بنايات عالية؛ لمَحَ اضواء زرقاء وحمراء تتحرك بسرعة كبيرة.
«الأضواء الزرقاء والحمراء... إنها جميلة حقًا في وقت كهذا».
ما أن أكمل كلامه حتى حاصرته الشرطة من كل الاتجاهات.
«ما الذي يحدث بحق خالق الجحيم الآن؟ وكيف ظهرت الشرطة هكذا؟ مهلاً، هل كانوا وراء هذه بنايات؟»
خرج رئيس الشرطة، الذي كان ذو شعرٍ أبيض وتجاعيد على خدوده، وتقدّم واستقر أمام قواته.
«أهلاً أيها المغتال الصغير، مر وقت طويل على آخر لقاء بيننا؛ أظن أنك لم تتغير كثيرًا».
بدأت يد كاين ترتجف تدريجيًا إلى أن وصلت إلى درجة غير طبيعية؛ لاحظ رئيس الشرطة هذا.
اندفع كاين مخترقًا صدر الرئيس بيده؛ تجمّدت وحدات كلها من هذا المنظر.
تفجرت دوافع القتل بداخله، فامتلأ المكان بصمت جليدي يقتل كل شعور.
أخذ مسدسًا من رئيس الشرطة وشرع بإطلاق النار ليقتل ثلاثة شرطيين دفعة واحدة؛ ركضت البقية نحو كاين لقتله.
قذف مسدسه ليخترق صدور ثلاثة شرطيين دفعة واحدة، بينما البقية ثبتوا بلا حركة، كأنهم أصبحوا أشكالًا حجرية، ولم يأخذ الوقت ثوان حتى شرع كاين بقتلهم.
لم يستغرق الأمر وقتًا طويلاً حتى هرب من تبقّى حيًا بينهم.
بالرغم من الشعور الثقيل على قلبه، ابتسم كاين بمرارة: «لا أظن أن انضمام إلى منظمة فكرة سيئة؛ كل ما عليّ فعله هو القيام بما أكرهه».
وحتى مع الدماء التي تغطي جسده ومزاجه، وإن كان المشي صعبًا في حالته هذه، تجاهل كاين كل هذه المشاعر ووصل إلى مقر منظمة إنفيموس التي سينضم إليها.
صعد السلالم ولونها كاين بدماء ضحاياه؛ أمسك مقبض باب وفتحه بعنف. الظلال ملأت القاعة منذ لحظة فتح الباب الحديدي المتهالك.
في الوسط، صفوف من الأجساد الممدودة على الأرض الباردة، وجوه لا تعرف الابتسام.
تقدّم أحدهم نحو كاين وأمسكه من قميصه وصرخ: «ماذا يفعل شخص مثلك هنا بحق خالق الجحيم؟ هل أتيت لنقتلك نحن بدلًا من الشرطة؟»
بقي كاين ساكتًا ولم ينطق بكلمة واحدة طوال الوقت، مما أثار غضب من حوله.
ثم، ظهر هو — رئيس المنظمة — واقفًا في خلفية الغرفة، ظلّه طويل يمتد خلفه كذاكرة مظلمة. ارتجل ببطء نحو الحضور، صوت حذائه يتكسّر فوق البلاط القديم. نظراته كانت قاتمة، وعبَرته ابتسامة خفيفة، وهما مختبئان بين الزوايا. الغرفة جمّدت الأنفاس.
«يبدو أنك أتيت حقًا يا تلميذ ويلسون؛ كنت أنتظرك منذ أن أخبرني أنك ستأتي، لكن تأخرت حقًا. هل تظن أن فرصة العمل هذه مفتوحة في أي وقت تريده؟»
قطب كاين حاجبيه وقال غاضبًا: «حدثت بعض أمور غريبة في الساعات الأخيرة، لكن يمكنك طردي لو أردت؛ فأنا مستهدف من الجميع، أليس كذلك؟»
لونت ابتسامة عريضة على وجه الرئيس: «لا مشكلة، يمكنك الانضمام رغم كل هذا، لكنك ستبدأ مهمتك الأولى الآن».
نظر كاين نحو الرئيس مطوّلًا حتى تحدث بهدوء: «مهمتك بسيطة، وتقتصر على قتل من يطاردونك؛ ألن يسهل هذا الأمر علينا؟»
ضغط كاين على أسنانه حتى تشققت إحداها: «ما الذي تهذي به أيها الرئيس الحقير؟ لو أردت فعل ذلك لفعلته منذ أن بدأ كل هذا».
«حسنًا، يمكننا إذاً تغيير مهمتك الأولى لو لم تساعدك».
رفع نظر كاين ببطء، بين شكّ ويقين يرفض أن يتكوّن؛ فكر في نفسه.
«مهلاً، هل غير قراره بهذه السهولة حقًا؟»