في تلك الأجواء الشتوية الثقيلة، حيث كان الضباب يزحف كدخان كثيف يخنق الأضواء الخافتة للمقر، وقف مدير منظمة "انفيموس"، لم يكن هناك أي موسيقى تصويرية، فقط صمت يزن كالحجر.

كان كاين يرتدي ملابسه السوداء المعتادة، كأنه جزء من الظل، لكن توتره كان واضحاً في قبضته المرتخية قليلاً.

نظر المدير إليه، وكانت عيناه الباردتان تخترقان الغموض. "بإمكانك التراجع أيضًا، كاين. دائماً ما يوجد بديل لعملائنا الذين لا يرغبون في تلطيخ أيديهم بالدم... وأرجو أن تناديني رايسن من الآن فصاعداً."

شدّ كاين قبضته بالكامل هذه المرة، محولاً المفصل إلى عظم أبيض. "أخبرني عن المهمة التي سترسلني إليها، ووضح لي كيف تحول ترددك فجأة إلى عرض مفتوح للاستقالة."

ابتسم رايسن ابتسامة هادئة، لا تصل إلى عينيه. تحرك ببطء شديد، وصل إلى خلف كاين ومدّ يديه بشكل مسرحي واسع، وكأنه يحتضن المكان كله. "نحن نسعى لأن يشعر عملاؤنا بالحرية، كاين. حرية الاختيار، وحرية التصرف. أنت قيمة لا نرغب في خسارتها، لكن لن ينهار المكان إن لم تنضم إلينا، فنحن كنا نعمل قبل مجيئك بسنوات كثيرة."

سحب رايسن من جيب سترته الداخلية قطعة قماش مشمعة داكنة بدت قديمة، وفتحها بعناية على الأرضية الخرسانية الباردة. لم تكن ورقة، بل خريطة صغيرة مرسومة بدقة متناهية على الجلد، لم يرَ كاين مثلها في أي من ملفات "انفيموس". رفع رايسن قلماً أحمر برأس دقيق وبدأ يرسم خطوطاً متعرجة ومتقطعة، تتداخل مع خطوط متصلة تشير إلى تضاريس غريبة. كانت الخريطة أشبه بطلاسم قديمة.

ركع كاين دون أمر، وجذب الخريطة نحوه حتى كاد أن يشم رائحة الجلد القديم والأحبار. تابع الخطوط الحمراء، ثم رفع نظره إلى رايسن بعينين ضيقتين. "هذه... ليست خريطة ملاحية. ما الذي يجب أن أراه هنا؟" تمتم بضيق.

ضحك رايسن ضحكة قصيرة وباهتة. "يبدو الأمر معقداً، أليس كذلك؟ ستحتاج إلى هذه." دفع ورقة أخرى بيضاء نحو الخريطة. كانت فارغة تماماً باستثناء شريط أسود سميك يمر بشكل عرضي عبر المنتصف. "ماذا أفعل بخريطة لا أفهمها، وورقة بيضاء بلا معلومات؟" تساءل كاين بحدة.

تراجع رايسن خطوة، تاركاً الضوء يسقط على وجهه ليبرز حافة قاسية في فكه. "هذا لا يهم الآن، يا كاين. تلك الخريطة ليست لك لتفهمها، إنها فقط لتضمن أنك ستكون في المكان الصحيح، في اللحظة المناسبة... عندما تبدأ بالتدمير."

تغيرت نبرة صوت رايسن فجأة لتصبح منخفضة وثابتة، تكسر هدوء المكان. "مهمتك الجديدة هي محو منطقة أثرية قديمة عن الوجود. أريد منك أن تمسحها من سجلات التاريخ. لا أريد تراباً يتبقى، ولا حجراً يعود لآلاف السنين. أريد منك محوها كأنها لم تكن."

على وجه كاين، بدأت تظهر ملامح وحشية لم يراها رايسن من قبل. لم تكن ابتسامة، بل استعداد هادئ وقاتم للفعل. كانت تلك المهمة التي لا تحتاج إلى أي خريطة أو أي تخطيط، بل تتطلب فقط الإرادة المطلقة للمحو. "تدمير مطلق."

"نوعي المفضل من المهام." همس كاين، وعيناه لا تزالان مثبتتين على الخطوط الغامضة المرسومة على الجلد، وكأنه يرى بالفعل الحريق الذي سيجعلها بلا معنى.

ركب في سيارة النقل الخاصة بالمنظمة وبدأ طريقه لتنفيذ المهمة. في تلك اللحظة الفاصلة بين وصوله إلى موقع الهدف فكر في نفسه: "هل أرسلني ليختبر قوتي أم ليتخلص مني؟ فأنا ملاحق من الجميع بعد كل شيء."

تنهد كاين بعمق وامتد على كرسيه. "هذا لا يهم الآن، كل ما علي التفكير به هو تدمير ذلك المكان."

في لحظات تفكيره، في وسط مقر المنظمة، نظر رايسن نحو عملائه بمكر شديد: "أوه، نسيت أن أخبره، هذا لا يهم الآن، أليس كذلك؟"

استقرت السيارة ليهبط كاين ليجد نفسه أمام موقع، الواجهة لم تكن تلك الآثار الحجرية القديمة، بل صالة ألعاب. دخل إليها مسرعاً ليتجول فيها بضع دقائق إلى أن وجد معبراً شديد الظلام لدرجة مخيفة.

اجتاز المعبر بخطوات سريعة ليحد كاين عن مشيه بعد أن وجد نفسه في منطقة الآثار الحجرية القديمة.

أمامه مباشرة، على عمود حجري قديم، يجلس سياف مرتكزاً على سيفه، مرتدياً قناع حشرة ذهبية، شديد القبح.

لم يهتم كاين لأمره إطلاقاً، تقدم بهدوء حتى اعاقه حجر كبير، فقام بسحقه. رأى الدماء تنفجر من رقبته، أصابه السياف بجرح عميق فلم يدرك له وقتاً للاستيعاب.

تراجع كاين إلى الخلف بسرعة، تصلب السياف كأنه تمثال حجري، بينما انفجرت العروق في عيونه، والغضب يلتهم كل تفكيره. "ما بال هذا السياف الغريب يهاجمني هكذا، وما هذا القناع القبيح على وجهه؟"

أخرج خنجره ومسدسه ليصرخ عالياً: "أيها السياف الحشرة، كيف تجرؤ على جرحي هكذا؟"

انقضّ كبرقٍ خاطف، لا يترك مجالاً للرد. تصادم خنجره مع السيف، ليصدرا صريراً مزعجاً. أطلق كاين رصاصة على وجه السياف، لكنها ارتدت على القناع.

صفعه السياف بغمده، ليفقد توازنه بشكل كبير، استغل السياف الموقف وثبت كاين على الأرض بغرس السيف في قدمه.

نظر كاين إلى المقنع بنظرات سخرية، ليتكلم بتهكم: "أنت بارع حقاً، أيتها الحشرة اللعينة، لكن هل تساءلت يوماً من الأقوى، السياف أم المغتال؟"

كان مثبتاً بالسيف عند قدمه، لكنه لم يظل ساكنًا. رفع قدمه بسرعة لتتجاوز المقبض، دوى صوت تقطع اللحم، وتدفقت الدماء بغزارة، ثم ارتقى في السماء متشقلباً في قوس كامل.

ارتجف السياف في مكانه من جنون خصمه في حركته الأخيرة، في هذه اللحظات أرسل كاين لكمة في قناع السياف مخترقة أعمدة حجرية ضخمة.

نهض الأخير، كتفاه يرتفعان تدريجياً، ساقاه تحاولان الاستقرار، والدم يخرج من قناعه.

حلق كاين في الهواء خلف عدوه ليسقط عليه بركلة جعلت الهواء يصفر من حوله، ليصدها السياف بغمده.

رجع كاين إلى الخلف تاركاً مسافة كبيرة بينه وبين خصمه. "لا أظنه بارعاً إلى تلك الدرجة، لا يتحتم علي قتله الآن، يمكنني إنجاز مهمتي ثم إنهاء أمره."

فتح سترته ليمددها على نطاق واسع، عدة قنابل متفجرة في سترته كان عددها يفوق العشرين.

أخرج اثنتين ليرميهما في السماء، لكن ذلك لم يحدث، حلقت يد كاين في السماء لتحلق معها قطرات الدماء.

بالنسبة للقنابل، فقط قطعها السياف مع يد كاين، تيبس الأخير مكانه وهو يرى يده التي كان سيفجر بها القنابل تطير الآن.

نزع كاين سترته ليرميها في السماء محاولاً تفجير المكان كله بما فيه هو.

إذ بي السياف يقطع السترة، تقطعت القنابل كأنها لم تكن. لم يهتم كاين لكل هذا فاندفع نحوه مطلقاً ثلاثة رصاصات في آن واحد، ليصدها السياف بوجهه السيف. أخرج كاين خنجره.

اصطدم الخنجر مع السيف مرة أخرى، تقاطعا مرات عديدة إذ كانت الغلبة للسيف.

رغم كل هذا، غرس كاين الخنجر في معدة السياف، ركله على عنقه ليقذفه بعيداً.

وقف السياف وهو في حالة يرثى لها، لكن ليس أكثر من كاين.

نظر الاثنان إلى بعضهما البعض نظرات إرهاق وتحدي، لكن هذا اللقاء البصري لم يدم طويلاً.

دوت أصوات عالية مزعجة وإنذارات قرب موقع القتال، بلع كاين ريقه: "هل لحقوني حتى هنا بحق خالق الجحيم؟"

قفز قفزة عالية جعلته يرى المدينة من الأعلى، ليتشبث بأقرب الجدار، انسحب كاين من القتال بعد سماعه لهذه الأصوات.

بينما بقي السياف ينظر في آثار الدمار متجاهلاً الخنجر الذي بقي في بطنه.

2025/11/12 · 16 مشاهدة · 1038 كلمة
نادي الروايات - 2026