"إذن… ما هي أمنيتك الأخيرة يا سيدي؟"

قالها نيزر بنبرة آلية محفوظة، النبرة نفسها التي استخدمها آلاف المرات من قبل. لا اهتمام، لا فضول، فقط انتظار انتهاء المهمة.

جلس أمامه رجل قصير ممتلئ، أنفه أعوج وعيناه تتحركان بتوتر كأنهما تبحثان عن شيء غير موجود. فرك الرجل يديه وقال بحماس طفولي:"فكرت كثيرًا… أريد أن أجد كنزًا قديمًا."

تنهد نيزر من الداخل.

'كنز. مجددًا.'

ابتسم الابتسامة المهنية الباردة التي دربها على مدار نصف قرن:"مبروك. تحققت أمنيتك."

اتسعت عينا الرجل.

"حقًا؟!"

"قبل نهاية اليوم ستجد كنزك."

قفز الرجل من كرسيه.

"لكن كيف؟ أين؟ هل—"

لكن نيزر كان قد اختفى بالفعل، تاركاً وراءه صدى السؤال معلقاً في الهواء.

***

بعد ثانيتين فقط، وعلى بعد آلاف الطبقات من الواقع، اخترق نيزر السماء كوميض فضي، متجاوزًا العالم المرئي، ثم غير المرئي، حتى تمزق الفضاء أمامه كستارة قديمة.

دخل عالم الجان.

من الأعلى، بدا المكان كجثة حضارة عظيمة لفظت أنفاسها؛ مدن نصف مدمرة، أبراج مائلة تحت سماء مشققة، وآثار طاقة محترقة لا تزال عالقة في الأفق منذ قرون. كانت تلك ندوب الحرب الأخيرة.. حرب لوسيفر.

الحرب التي خسر فيها الجان كل شيء، حتى كرامتهم.

"لكن لا يهم الآن". هبط نيزر ببطء، واضعاً يديه في جيبيه، بنظرة مستقيمة لا تلتفت للوراء "العميل رقم ألف… انتهى."

تنهد بعمق وهو يرفع رأسه نحو الأفق حيث تلمع بوابة ضخمة من الضوء الأزرق: "الآن.. أنا حر. لقد انتهى عقدي أخيراً. جزيرة ريري.. أيها المتقاعدون الكسالى، أنا قادم إليكم".

خمسون سنة من العمل المتواصل كانت كافية. أخيراً سيحصل على تقاعده؛ لا بشر، لا أمنيات غبية، لا دراما عاطفية. فقط هدوء أبدي.. جنة حقيقية!

ظهر مكتب الأمنيات أمامه؛ بناء هائل يجمع في تصميمه بين هيبة المحكمة وكآبة المصانع. الجان يروحون ويغدون، يحملون ملفات العملاء بوجوه شاحبة؛ بعضهم متعب، وبعضهم احترق شغفه منذ أمد، وقليل منهم ما زال يتصنع الحماس.

منذ سقوط لوسيفر وهذا المكان يعمل كآلة لا تتوقف. فقد خسر الجان مصدر طاقتهم القديم في الحرب، فأبرموا اتفاقاً مهيناً مع "حرس الكون": يحققون أمنيات البشر، ويحصدون في المقابل الطاقة المنبعثة من لحظات الأمل واليأس والرغبة. طاقة خام تُدعى أفغان/afgan.

البشر يظنون أن الأمنيات هدايا. لكن كل أمنية هي في الحقيقة عملية حصاد دقيقة.

ولا يسمح للبشر اكتشاف هذه الحقيقة.

***

دخل نيزر الممر المؤدي إلى المكتب رقم 17. توقف لحظة أمام الباب وتأمله بنظرة وداع:

'لن أرى هذا المكان مجدداً'.

فتح الباب، فرفع بعض الموظفين رؤوسهم نحوه.

"نيزر!".

"سمعنا أنك أنهيت العميل الألف!".

"أخيراً ستغادرنا أيها العجوز!".

"أحسدك حقاً، ستنضم إلى فالكو ورين في ريري".

لوّح لهم بيده بلامبالاة، وهو يحدث نفسه

: 'ولن أضطر لرؤية هؤلاء الحمقى مرة أخرى'.

وصل إلى مكتب الاستقبال، حيث استقبلته "ليلي" بابتسامة رتيبة: "تهانينا أيها الموظف AD1734".

'

ولا هذه الشمطاء كذلك'

، فكر نيزر وهو يراقبها وهي تسحب ملفه وتسلمه ظرفاً ذهبيًا مختوماً: "وثيقة التقاعد".

في تلك اللحظة، شعر نيزر وكأن الزمن قد توقف. مد يده ببطء.. 'أخيراً'. لا عمل، لا عقود، لا أوامر، ولا بشر.. فقط الحرية.

مئة وثلاث وثلاثون سنة هو عمره، قضى خمسين منها في الكدح. "لا أزال شاباً، العمر طويل وينتظرني الكثير من.."

كادت أصابعه تلمس الظرف حين اخترق مسامعه صوت لم يكن يتمنى سماعه أبداً في هذه اللحظة بالذات.

"مهلاً".

استدار متجهما بعدما أرجعت ليلي الظرف لحوزتها.

اقترب رجل طويل ببشرة زرقاء لامعة وعينين حمراوين تلمعان بخبث، بخطوات هادئة كأنه يتنزه في حديقته الخاصة.

إنه هاڤر؛ مدير المكتب 17، الملقب بـ "عشرة آلاف أمنية".

التقط هاڤر الوثيقة من يد ليلي وتحدث بصوت رخيم: "موظفي العزيز..".

أغمض نيزر عينيه محاولاً كبح جماح غضبه: "ماذا تريد الآن؟".

"لاشيئ كبير، فقط مهمة مهمة أخيرة" ولوح بملف في يده.

"تباً.. لا!".

"نيزر—".

"قلت لا. العقد واضح. ألف عميل. أنا حر." مدّ يده نحو الوثيقة.

سحبها هاڤر بعيدًا بحركة خفيفة، كأنه يلعب لعبة قديمة يعرف نتيجتها:"والدك لن يكون سعيدًا."

توقف نيزر وانهارت دفاعاته:"…ماذا؟"

- "المهمة جاءت بتكليف منه مباشرة".

أشاح نيزر بنظره عن هاڤر وحدق في السقف بمرارة، كأنه يحاول رؤية شخص غير مرئي. والده.. الذي لم يسأل عنه طوال خمسين عاماً، هل تذكر فجأة أن له ابناً؟

ضغط نيزر على أسنانه، ثم خطف الملف من يد هاڤر بحركة عنيفة أعلنت غضبه المكتوم: "بعد أن أنهيها.. لا أريد رؤية وجهك مجدداً".

ابتسم هاڤر ببرود: "مفهوم".

"ولا وجه أي مخلوق في هذا المبنى الكئيب!".

"مفهوم أيضاً".

"ولا—".

"نيزر.. اذهب فحسب".

غادر نيزر دون أن يكمل كلماته، يمشى في الممرات بخطوات متسارعة تكاد تحرق الأرض تحت قدميه.

'مليون جني في هذا العالم.. لماذا أنا بحق الجحيم؟'.

***

فتح الملف وهو يمشي، فتعثرت خطواته فجأة وتسمّر في مكانه. كانت هناك صورة لطفلة صغيرة تبتسم بوهن داخل غرفة مستشفى، ترتدي بيجامة مخططة تبدو كبيرة على جسدها الهزيل، وتتمسك بكتاب قصص.

الاسم: لين

العمر: 10 سنوات.

الحالة: سرطان متقدم — مرحلة نهائية.

المدة المتبقية المقدرة: شهر واحد.

نوع العقد: أمنيات غير محدودة — لمدة شهر كامل.

اتسعت عينا نيزر بذهول وصدمة: "ماذا؟! أمنيات غير محدودة؟!".

لم يسمع نيزر بهذا النوع من العقود في حياته قط. فالعقود المعتادة لا تتجاوز ثلاث أمنيات، وفي حالات نادرة تصل لخمس، وتُنفذ فوراً. أما هذا.. فهذا جنون محض.

وما جعل القشعريرة تسري في جسده هو السطر الأخير في الملف: "تحذير: مراقبة ملائكية محتملة".

أغلق الملف بقوة، ونظر إلى الممر الخالي أمامه ثم زفر بمرارة: "مهمة استثنائية.. هه؟".

رفع نظره نحو عالم البشر وتنهد بأسى: "لماذا أشعر أن تقاعدي قد انتهى قبل أن يبدأ؟".

2026/03/18 · 12 مشاهدة · 836 كلمة
ANZAR NIG NWAN
نادي الروايات - 2026