كانت مدينة أركاد لا تنام.

حتى في أكثر الليالي هدوءًا، كان هناك دائمًا شيء يتحرك داخل ظلالها…

شيء لا يراه الناس، لكنهم يشعرون به.

الرياح الباردة كانت تعبر الشوارع الحجرية الضيقة، بينما وقفت القلعة القديمة في أعلى المدينة كوحشٍ صامت يراقب الجميع.

أما الليلة…

فكانت مختلفة.

السماء مغطاة بغيوم سوداء كثيفة، والهواء يحمل رائحة مطرٍ لم يسقط بعد.

وقف آزارث فوق أحد الأسطح العالية، ينظر إلى المدينة بصمت.

عيناه كانتا فارغتين، وكأن التعب أصبح جزءًا منه.

منذ سنوات وهو يشعر أن شيئًا ما خطأ في هذا العالم.

شيء لا يستطيع أحد رؤيته سواه.

تنهد بهدوء، ثم أغلق عينيه.

لكن…

في تلك اللحظة، سمع الصوت مجددًا.

همسة بعيدة خرجت من الظلام نفسه.

“كم ستستمر في الهرب؟”

فتح عينيه بسرعة.

لا أحد.

فقط الرياح… والظلال الطويلة الممتدة بين المباني.

ضغط على رأسه بانزعاج.

“ليس مجددًا…”

منذ أسابيع، بدأت تلك الأصوات تظهر كلما بقي وحده.

أحيانًا يسمع همسات.

أحيانًا يرى ظلالًا تتحرك بطريقة غير طبيعية.

وكان يخشى شيئًا واحدًا فقط…

أن يكون قد بدأ يفقد عقله.

في الجهة الأخرى من المدينة، دوّى انفجار هائل.

اهتزت الأرض تحت قدميه.

رفع آزارث رأسه بسرعة.

عمود أسود من الضوء ارتفع نحو السماء من جهة القلعة القديمة.

لكن الغريب…

أن الناس في الشوارع لم يتوقفوا.

لم يصرخ أحد.

لم يهرب أحد.

كأنهم… لم يروا شيئًا.

همس آزارث بصدمة:

“ماذا يحدث…؟”

ثم سمع الصوت مرة أخرى.

لكن هذه المرة كان أوضح.

أعمق.

وأقرب.

“تعال إليّ.”

قبل أن يدرك ما يفعله، كانت قدماه تتحرك وحدها.

ركض عبر الأزقة الضيقة، بينما يزداد الضوء الأسود قوة مع كل ثانية.

الهواء أصبح أثقل.

والبرد ازداد بشكل مرعب.

حتى الأصوات اختفت تدريجيًا…

لا بشر.

لا رياح.

لا شيء.

وكأن المدينة نفسها ماتت.

وصل أخيرًا إلى بوابة القلعة.

كانت ضخمة، مغطاة بنقوش قديمة تشبه الأعين.

وبمجرد أن لمسها…

اهتز العالم.

ظهر ضوء مظلم أمام عينيه.

ثم ظهرت كلمات غريبة في الهواء:

[تم التعرف على المستخدم]

[جاري فحص الخطيئة الأصلية…]

تراجع آزارث بخوف.

“ما هذا…؟”

لكن النظام استمر.

[تم العثور على توافق]

[الخطيئة الأصلية: اليأس]

وفي اللحظة التي ظهرت فيها الكلمة الأخيرة…

شعر وكأن شيئًا انكسر داخل قلبه.

ذكريات مؤلمة اندفعت إلى عقله دفعة واحدة.

الخوف.

الوحدة.

الخذلان.

كل شيء عاد في لحظة واحدة.

سقط على ركبتيه وهو يصرخ من الألم.

ثم…

ساد الصمت.

فتح عينيه ببطء.

وكان الظلام أمامه يتحرك.

ليس مجرد ظل…

بل بحر أسود يتشكل ببطء فوق الأرض.

ومن داخله…

ظهرت عينان حمراوان.

ثم جناحان ضخمان.

ثم غراب أسود هائل وقف أمامه بصمت مرعب.

حدّق الكيان به طويلًا.

“إذن… أنت من اختاره اليأس.”

شعر آزارث بأن جسده تجمد بالكامل.

“مـ… من أنت؟”

اقترب الغراب ببطء.

وفي كل خطوة، كانت الظلال حوله تزداد كثافة.

ثم قال بصوت يشبه ظلمة لا نهاية لها:

“اسمي… نيكروديس.”

وفور نطقه للاسم…

ظهر النظام مجددًا.

[تحذير]

[تم رصد كيان من ظلام الموت]

ارتجف الهواء.

واهتزت القلعة بالكامل.

بدأت وكأن الظلام يرتجف ولا يجروء على الأقتراب من العراب.

أما نيكروديس…

فاكتفى بالنظر إلى آزارث بعينين مليئتين بشيء أسوأ من القتل.

الشفقة.

ثم قال:

“من هذه اللحظة… لم تعد حياتك ملكًا لك.”

2026/05/31 · 4 مشاهدة · 482 كلمة
Saad Ahmed
نادي الروايات - 2026