كانت الساعة تُشير إلى السابعة مساءً، وهو الوقت الذي يغلف فيه الغسق بلدة "كوا" الهادئة بردائه الرمادي. داخل متجر "ساكاموتو" للبقالة، لم يكن هناك سوى أزيز الثلاجات المستمر ورائحة "الأودين" الدافئة التي تملأ الأرجاء. خلف المنصة، وقف تارو ساكاموتو؛ رجل بجسد ضخم، يرتدي مئزراً أخضر فوق قميصه الأصفر، ونظارات مستديرة تعكس إضاءة المتجر الباهتة. كان يبدو كأي صاحب متجر ودود، لكن تحت تلك الطبقات من الدهون والسكينة، تكمن أسطورة القاتل الأعظم الذي ارتجف له العالم السفلي يوماً.
فجأة، رنّ جرس الباب.
دخل رجل لم تكن هيئته تنتمي لهذا المكان بأي صلة. كان طويل القامة، نحيلاً بصلابة، يرتدي بدلة رسمية سوداء فاخرة تُبرز ملامحه الحادة التي تشبه إلى حد كبير ملامح فتى يُدعى "ميغومي"، لكن بنظرة عينين حمراوين لا تحمل سوى الاحتقار لكل ما هو حي. وُشوم سوداء معقدة كانت تمتد من تحت ياقته لتستقر على فكّه وجبهته كأختام ملكية قديمة.
إنه ريومين سوكونا.
لم يكن سوكونا يرتدي جسد أحد هذه المرة؛ بل كان هذا جسده الخاص، كيانه المادي الذي استعاده بطريقة ما في هذا العصر، محتفظاً بتلك الملامح الشابة والحادة التي تُخفي خلفها آلاف السنين من المجازر.
سار سوكونا بخطوات واثقة، كل خطوة منها كانت تبث ضغطاً غير مرئي في الهواء، ضغطاً جعل علب المشروبات الغازية على الرفوف تهتز بشكل طفيف. توقف أمام منصة الدفع، ووضع إصبعاً بشرياً جافاً ومحنطاً -أحد أصابعه القديمة- على الطاولة وكأنه عملة نقدية.
"أيها السمين،" نطق سوكونا، وصوته يحمل بحّة شيطانية مغلّفة بالغطرسة، "هل تبيع شيئاً يستحق التذوق في هذا المكان المتهالك؟"
لم يرفع ساكاموتو نظره عن مجلة كان يتصفحها، لكن عينيه خلف النظارة لم تتحركا ميليمتراً واحداً. كان يشعر بـ "الهالة". لم تكن هالة قاتل محترف، بل كانت شيئاً أكثر عداوة.. شيئاً يفوح برائحة الموت والعفن القديم.
"هذا المتجر لا يقبل العملات الغريبة،" أجاب ساكاموتو بصوت هادئ، وهو يضع علامة على صفحته ويغلق المجلة ببطء. "والأصابع البشرية تسبب مشاكل مع البلدية."
في تلك اللحظة، خارج المتجر، كان شين -المغتال الشاب الذي يمتلك قدرة قراءة الأفكار- يراقب من بعيد. كان عرق بارد يتصبب على جبينه. حاول قراءة عقل الرجل ذو الوشوم، لكنه لم يجد سوى صرخة كونية من العدم، فراغ أسود يبتلع كل شيء.
’ما هذا الشيء؟‘ فكر شين برعب، ’إنه ليس بشرياً.. إنه ليس حتى قاتلاً.. إنه كارثة متحركة!‘
داخل المتجر، ضاقت عينا سوكونا. ابتسامة سادية ارتسمت على شفتيه، وكشفت عن أنياب حادة. "أوه؟ يبدو أنني وجدتُ شيئاً مثيراً للاهتمام في هذه الجثة السمينة. طاقتك غريبة.. صلبة كالفولاذ ومكبوحة كبركان خامد."
رفع سوكونا يده ببطء، مشكلاً وضعية "التفكيك" بأصابعه. "لنرى كم من الوقت ستصمد هذه الابتسامة البلهاء قبل أن أقطعك إلى شرائح رقيقة."
لم يتراجع ساكاموتو. بدلاً من ذلك، مد يده تحت المنصة وأخرج.. ماسحة أرضية.
"القاعدة الأولى في متجر ساكاموتو،" قال تارو وهو يعدل نظارته، "ممنوع إحداث فوضى."
انفجر الضغط في الغرفة، وتحطم الزجاج الأمامي للمتجر بفعل القوة المنبعثة من سوكونا، بينما ظل ساكاموتو واقفاً كالجبل، مستعداً لمواجهة ملك اللعنات بـ "سلاح" لا يتجاوز سعره بضعة ينات.
تحرك سوكونا. لم تكن حركة بشرية، بل كانت "ومضة" من العدم. وفي اللحظة التي لوّح فيها بإصبعه ليطلق تقنية "التفكيك" (Dismantle)، انشق الهواء بصوت يشبه تمزق الحرير الفاخر. كان من المفترض أن ينقسم المتجر، بصاحبه ورفوفه، إلى نصفين متساويين.
لكن نصل الطاقة غير المرئي اصطدم بشيء لم يكن في الحسبان.
استخدم ساكاموتو ذراع الماسحة الأرضية الفولاذية كرافعة، وبحركة دائرية خاطفة، لم يصد الهجوم فحسب، بل "حرفه". مرّ نصل سوكونا من فوق كتف ساكاموتو ليحطم ثلاجة المشروبات خلفه، مما أدى إلى انفجار علب "الكولا" وتطاير الرذاذ السكري في كل مكان.
"لقد حذرتك،" قال ساكاموتو بنبرة تخلو من أي انفعال، وهو يشق طريقه عبر الرذاذ المتطاير. "هذه الثلاجة كلفتني الكثير."
ارتفعت حواجب سوكونا بدهشة ممزوجة بمتعة شيطانية. "بشر بلا طاقة ملعونة.. وبدون قيد سماوي ظاهر.. يتحرك بهذا الإتقان؟" ضحك سوكونا بصوت عالٍ، والوشوم على وجهه بدت وكأنها تنبض بالحياة. "أنت لا تقاتل بغريزتك يا سمين، أنت تقاتل بـ'خبرة' مغموسة في دماء الآلاف!"
اندفع سوكونا نحو ساكاموتو، محاولاً توجيه ضربة مباشرة لقلبه. لكن ساكاموتو، بمرونة تناقض حجمه الضخم، تدحرج تحت طاولة الدفع، وفي طريق حركته، التقط حفنة من "السكاكر" الصلبة. وبقوة ضغط مذهلة، أطلقها بإبهامه كأنها رصاصات قناص.
تصدى سوكونا للسكاكر بيده العارية، لكنه شعر بلسعة حرارة مباغتة. "ماذا؟" نظر إلى كفّه؛ كانت السكاكر قد اخترقت الجلد السطحي قبل أن تتحطم.
في الخارج، كان شين يشعر بأن عقله سينفجر. "إنه.. إنه لا يفكر في القتل!" صرخ شين في نفسه برعب وهو يراقب ساكاموتو. "ساكاموتو-سان يفكر فقط في كيفية تنظيف السكر عن الأرض بعد القتال! بينما هذا الوحش.. تفكيره عبارة عن غابة من الجثث المصلوبة!".
فجأة، اهتزت الأرض تحت أقدامهم. ظلّ مظلم بدأ يتشكل في زوايا المتجر، وكلاب سوداء ضخمة ذات عيون متوهجة (الكلاب الإلهية) بدأت تبرز من الظلال المحيطة بسوكونا، رغم أنه لم يستدعها بوضوح. كان جسد سوكونا المتجسد في هيئة "ميغومي" يتفاعل مع مهارات الجسد الفطرية بشكل لا إرادي بسبب فيض الطاقة.
"لنصعد بالرهان قليلًا،" همس سوكونا، وهو يضع يديه في وضعية استدعاء "الكنوز العشرة". "أريد أن أرى كم ستصمد 'قوانين متجرك' أمام جحيم الظلال."
ساكاموتو لم ينطق بكلمة. بدلاً من ذلك، خلع نظارته ببطء، ومسحها بمئزره الأخضر. في تلك اللحظة، هبط معدل ضربات قلبه إلى مستوى السكون التام. اختفت صورة "صاحب البقالة الودود"، وظهر مكانه القاتل الأسطوري الذي لا يخطئ هدفه أبداً.
لم ينتظر سوكونا أن يبادر الخصم. بصرخة صامتة من طاقته، انبثق من ظله "نوي" (Nue)؛ ذلك الطائر الضخم ذو القناع المشؤوم، محلقاً تحت سقف المتجر الضيق، محطماً مصابيح الفلورسنت لينتشر الظلام الدامس، باستثناء شرارات البرق التي انبعثت من أجنحة الوحش.
لكن في هذا الظلام، كان ساكاموتو يرى بوضوح أكبر. بالنسبة له، المعركة ليست سوى عملية حسابية: "المسافة، الكتلة، والزوايا".
بينما كان "نوي" يهبط بمخالبه الكهربائية، سحب ساكاموتو سلكاً معدنياً رفيعاً كان يُستخدم لتعليق اللافتات الإعلانية. وبحركة بهلوانية، التفت حول أحد أعمدة المتجر، مستخدماً السلك كأنشوطة. وفي أقل من ثانية، كان الطائر اللعين متعثراً بسلكه الخاص، ليصطدم بقوة بآلة صنع القهوة.
"مبهر،" تمتم سوكونا وهو يرى كيف حيد ساكاموتو لعنة من الدرجة العالية باستخدام "خردة". "لكن هل تستطيع ملاحقة الظل نفسه؟"
قبل أن يطبق سوكونا يديه لاستدعاء "ماهوراجا" أو أي كيان آخر، انفتح باب المتجر المحطم بعنف. لكن هذه المرة، لم يكن الزائر مجرد عابر سبيل.
دخل فتى يرتدي زي ثانوية جوجتسو، يلهث بشدة، وعيناه متسعتان من الصدمة وهو ينظر إلى سوكونا. إنه ميغومي فوشيغورو الحقيقي. تسمر ميغومي في مكانه؛ كان ينظر إلى نسخة "مثالية" ومرعبة من نفسه. نفس الوجه، نفس الشعر، لكن بوشوم غريبة وطاقة تجعل رئتيه تضيقان.
"أنت.." تعثرت الكلمات في حلق ميغومي. "من أنت؟ وكيف تملك هذه الهيئة؟"
التفت سوكونا ببطء، ونظرة الملل عادت لتكتسي وجهه. "أوه، النسخة الأصلية الهزيلة وصلت؟ توقيت سيء يا فتى، أنا في منتصف صفقة تجارية."
في تلك اللحظة، استغل ساكاموتو الانشغال. لم يهاجم سوكونا بسكين أو مسدس، بل انزلق على الأرضية المبللة بالكولا، ووصل خلف سوكونا في رمشة عين. وضع ساكاموتو "بطاقة ولاء المتجر" البلاستيكية على عنق سوكونا. كانت الحافة الحادة للبطاقة تضغط على شريان سوكونا بقوة كافية لخدشه.
"انتهى الوقت،" قال ساكاموتو بصوت بارد كالثلج. "لقد أخفتَ الزبائن، ودمرتَ الممتلكات. اخرج الآن.. ولن أطالبك بالتعويض."
ساد صمت رهيب. كان شين يراقب من الخارج، وقلبه يكاد يتوقف. كان ساكاموتو يهدد ملك اللعنات ببطاقة بلاستيكية، بينما يقف مستعمل لعنات مذهولاً أمام "توأمه" الشيطاني.
ضحك سوكونا ضحكة منخفضة، ثم تلاشت الوشوم عن وجهه فجأة، وعادت عيناه للون الطبيعي، لكن الغطرسة لم تغادر ملامحه. "ساكاموتو.. سأتذكر هذا الاسم. ليس لأنك قوي فحسب، بل لأنك الرجل الوحيد الذي عامل ملك اللعنات كأنه 'زبون مزعج'."
بإشارة بسيطة من يده، تلاشت اللعنات والظلال. سار سوكونا نحو الباب، وتوقف بجانب ميغومي المتجمد، وهمس في أذنه: "تعلم منه كيف تملك هيبة الظل، أيها الفتى المثير للشفقة."
خرج سوكونا في ليل البلدة، مختفياً في الظلام كما ظهر.
تنفذ ساكاموتو الصعداء، وعاد جسده لشكله "السمين" الودود في ثوانٍ. عدّل نظارته ونظر إلى دمار المتجر، ثم التفت إلى ميغومي الذي كان لا يزال يحاول استيعاب ما حدث.
"أنت،" قال ساكاموتو بلهجة صاحب العمل، "بما أنك تسببت في جذب ذلك الزبون إلى هنا.. هل تعرف كيف تستخدم الممسحة؟ نحتاج لتنظيف هذا المكان قبل أن تعود زوجتي."
أطبق الصمت على المكان، بينما وقف ميغومي، أقوى طلاب الجوجتسو، ممسكاً بممسحة أرضية تحت إشراف القاتل الأسطوري، ليبدأ فصل جديد من الجنون حيث تلتقي اللعنات بقوانين السوق.