انقشع الضباب السحري الكثيف ببطء، وتلاشت خيوط النور التي أعمت الأبصار لثوانٍ، لينجلي الغبار في ساحة الكولسيوم المهيب التابع للإمبراطورية.
على الأرض الحجرية للساحة، سقط مائتا شخص من نخب الإمبراطورية أرضاً، يتنفسون بصعوبة بالغة وقد استُنزفت هالاتهم الملونة بالكامل؛ حيث شُكّلوا قبل دقائق من الأعلى على هيئة رمز هندسي معقد يضج بالطاقة. وفي مركز الدائرة المرسومة برمز السحر المحرم، فوق الحجارة المنقوشة، وقف ثلاثة شبان غطاء من التراب يكسو ثيابهم، بعد أن قُذفوا من عالمهم الأصلي في ليلة انشقت فيها السماء بخمسة أضواء عالية رأتها أرجاء المعمورة كافّة.
بدت الفوارق الصارخة بين الأصدقاء الثلاثة واضحة من النظرة الأولى التي ألقاها الإمبراطور وحاشيته من أعلى المدرجات:
الأول كان شاباً وسيماً، ذا بشرة بيضاء ناصعة وقامة ممشوقة، ملامحه توحي باللطف والنقاء الفطري، وبنيته الجسدية جيدة جداً، تتدلى خصلات شعره البني الذي يميل للذهبي فوق عينين واسعتين تفيضان بالدهشة.
أما الثاني، فكان يماثله طولاً، ببشرة بيضاء وشعر أسود داكن يحيط بوجهٍ حاد الملامح جميل التفاصيل، وبنية جسدية تظهر أضخم بقليل، وعينين ثاقبتين كعيني صقر يحلل محيطه.
بينما الثالث... كان يبدو غريباً تماماً عن هذا الثنائي. بدا واضحاً أنه أقصر قامة منهما، ببشرة سمراء وشعر أسود أشعث، ينظر للأرض بعينين ذابلتين غائرتين تحوم حولهما هالتان سوداويتان ثقيلتان من شدة الإرهاق والنوم المتقطع، وكانت أكتافه منحنية للأمام بهزال يشي بضعف شديد وقلة حيلة.
التفت الشبان حولهم بحذر يمتزج بالهول من روعة المكان الموحش والفرسان المحيطين بهم بأسلحتهم، فنطق الأول بنبرة ضائعة:
— أين أنا؟
بينما رفع الثاني رأسه بثبات، متأججاً بالفضول وهو يتأمل السماء الغريبة ثم يوجه نظره بدقة نحو منصة الإمبراطور. أما الثالث... فبقي ساكناً تماماً كالجثة في مكانه، متجمداً في وضعية انحنائه، يحدق في الفراغ الرمادي حوله وعقله مشلول تماماً من فرط الرعب الصامت.
فجأة، دوى صوت مرتفع وعميق، بدا وكأنه ينبعث من جدران الساحة ومن كل الجهات محركاً الهواء:
— مرحباً بالأبطال! لي الشرف العظيم أن أقابل أبطال مملكتي. أنا إمبراطور هذه الإمبراطورية العظيمة، "يوليوس". باتباع وصية سلفي البطل الأول، ها أنا ذا قد استدعيتكم لتحموا جنس البشر من كل الشرور والكيانات المظلمة التي تحيط بنا. مرحباً بكم في عالمنا!
ظهرت معالم الصدمة والذهول على وجوه الأبطال، وفوراً تقدم صف موحد من الفرسان المدججين بدروع غريبة من العصور القديمة، تفتح ممرًا بالوسط تزامناً مع هبوط الإمبراطور بنفسه إلى الساحة. كان رجلاً في الأربعين من عمره، يرتدي درعاً ذهبياً براقاً وتاجاً مرصعاً يزين رأسه، مع لحية بنية كثيفة منسقة، وتحيط بجسده هالة طاغية من الهيبة السياسية.
وبجانبه سارت امرأتان؛ الأولى ترتدي ثوباً وقوراً وفستاناً طويلاً مع وشاح شفاف يغطي ملامح وجهها، ينبعث منها الغموض، بينما الثانية كانت أصغر سناً، بشعر أصفر طويل منسدل وثياب تبرز جمال جسدها الشاب بوضوح.
تقدم الإمبراطور يوليوس بخطى ثابتة، ووجه نظره نحو الأول قائلاً بكبرياء:
— مرحباً بأبطالنا.
تراجع الأول خطوة للوراء، وبدت عليه ملامح الارتباك وقال بنبرة مهذبة ومندهشة:
— آه... مرحباً سيدي. معذرة، ولكنني لا أظن أنني قررت المشاركة في أي برنامج واقعي أو تصوير اليوم..؟
التفت الشاب الثاني نحو صديقه الأول، ثم جال بنظره بين الفرسان الملتفين حولهم والإمبراطور الواقف أمامهم. وفجأة، انشقت على وجهه ابتسامة واسعة وعميقة، وانفجر ضاحكاً بقوة صدمت الحضور. نظر إليه الإمبراطور باستغراب وريبة، لكن الشاب الثاني توقف عن الضحك وقال بنبرة تملؤها الثقة والنهم:
— آه... لقد حدث هذا حقاً! لقد تم استدعائي إلى عالم آخر!
تعجب الأول وسأله بخوف:
— ماذا تقصد؟
رد الثاني وعيناه تتأملان هندسة الساحة:
— تماماً مثلما يحدث في الروايات والقصص التي نقرأها... لا أصدق!
حينها، ظهرت لمحة من الرعب الحقيقي على وجه الشاب الأول، بينما استدار الإمبراطور نحو الثاني وقال بنبرة إعجاب مكتومة:
— يبدو أن هذا البطل ذكي حقاً، وفطن لما يدور حوله. نعم، لقد استدعيتكم لمساعدتي في إنقاذ أمتي، وأنتم الأبطال أملنا الوحيد.
توقف الشاب الأول للحظة، يحاول عقله النقي استيعاب حجم الكارثة، ثم سأل بنبرة يملؤها التوسل والخوف على من تركهم خلفه:
— وهل... هل يمكننا العودة إلى عالمنا؟
نظر الإمبراطور بنظرة عميقة، باردة، توحي بغضب سياسي مكتوم وضيق من السؤال، ثم أجاب بصرامة:
— لا. لا يمكن. كل الأبطال الذين أتوا في السابق لم يعودوا قط.
سقطت الكلمات كالصاعقة على الشاب الأول، فأمسك رأسه بيديه بذهول وصدمة وعيناه تترقرقان بالدموع:
— لا... عائلتي... حياتي... مستقبلي... كل شيء...
في تلك الأثناء، كان الشاب الثاني يدير ظهره لدموع صديقه، وينظر إلى الفرسان وجدران الكولسيوم متحدثاً في نفسه بنشوة عارمة:
«أجل... هذا هو الخروج الذي انتظرته. يبدو أن لدي فرصة ذهبية لأحقق كل ما أريد في هذا العالم. وبما أنني بطل مستدعى، فسيكون لدي ميزات فريدة وقوى من نوع ما، سأعوض بها كل نقص.»
وسط هذا التناقض الصارخ بين بكاء الأول وطموح الثاني البارد، التفت الإمبراطور يوليوس بنظراته الثقيلة نحو الشاب الثالث، ذلك الفتى الأسمر المنحني ذو الهالات السوداء.
كان الثالث غارقاً في سكون مطبق، لا ينبض منه حِس، وعيناه الذابلتان شاخصتان في الفراغ دون أن ترمشا. بدا للإمبراطور وللكهنة المحيطين به أنه غارق في تفكير عميق، أو أنه كائن هائم يملك ثباتاً انفعالياً أسطورياً لا تهزه الجيوش ولا هالة الإمبراطور الطاغية، كأنه كائن يترفع عن التواجد في هذا المكان...
بينما في الحقيقة، وداخل أعماق عقله المظلمة، كان الفتى الأسمر يتنفس برعب حيواني عارٍ، وجسده مشلول تماماً من الخوف، يعيد في نفسه فكرة واحدة تتردد كالموت: «أنا هالك لا محالة... سأموووت... كيف أنجو من هذا الجحيم؟»
تنقلت عينا الشاب الثاني الحادتان بين المرأتين الواقفتين بجانب العرش، ملاحِظاً الفارق بين وقار الأولى وجاذبية الثانية. انتبه الإمبراطور يوليوس لتلك النظرات الثاقبة، فابتسم بوقار زائف وقال محاولاً كسر الجمود:
— آه، معذرة.. لم أعرّفكم بعد. هذه زوجتي "كالسيا"، الكاهنة العليا للإمبراطورية.. وهذه ابنتي الأميرة "ريهيم".
انحنت الكاهنة كالسيا برأسها في هدوء مريب وقالت بنبرة هامسة:
— تشرفت بلقاء الأبطال.
وتبعتها الأميرة الشابة ريهيم بانحناءة رشيقة أظهرت جمال قوامها، قائلة بصوت عذب:
— تشرفت كذلك بلقاء منقذينا.
اعتدل الإمبراطور في وقفته، ونظر إليهم بجدية قائلًا:
— والآن.. هل لي أن أعرف أسماءكم؟
تقدم الشاب الثاني أولاً، بثقة تامة. فتح فمه لينطق بلقبه: "اسمي هو..." وفجأة، تجمد لسانه. صمت للحظة، وحاول مجدداً، لكن ملامحه تبدلت. التفت إليه صديقاه، لتظهر على وجوه الثلاثة تعابير ذهول وغرابة مرعبة. ونطق الشاب الأول بنبرة يملؤها الذعر والخوف:
— لا.. لا أستطيع! أنا لا أتذكر اسمي!
ساد هرج صامت؛ الأبطال الثلاثة لا يتذكرون أسماءهم مطلقاً. قطّب الإمبراطور حاجبيه مستغرباً، والفت نظرته نحو زوجته الكاهنة مستفسراً. أرجعت كالسيا وشاحها قليلًا وقالت بنبرة باردة تحمل تفسيراً شؤماً:
— ربما هذا بسبب طاقة أثر الملعون الأول الفاسدة التي شابت الطقس.. إن لها عواقب وتأثيرات جانبية غير معروفة على العقل البشري.
عمّ الصمت الساحة لثوانٍ، قبل أن يقطعه الإمبراطور ببراعته السياسية قائلًا:
— لا بأس.. لا بأس مطلقاً، يمكنك اختيار أسماء جديدة تليق بحياتكم الجديدة هنا.
ثم التفت إلى ابنته ريهيم وأشار إليها بالتقدم، مكملاً بصوت جهوري:
— أولاً وقبل كل شيء، علينا قياس طاقتكم الكامنة لمعرفة كم تبلغ قوتكم، وفي أي صنف من الأبطال تقعون.
خطت الأميرة ريهيم خطوات نحوهم، وفي يدها صندوق أثري غريب منقوش برمز الطاقة، وقالت بصوت هادئ:
— وظيفتي هي إيقاظ الطاقة الراقدة في أجسادكم، وهذا الصندوق سيتولى قياسها بدقة.
في تلك اللحظة، كان الشاب الثاني قد استفاق من صدمة نسيان اسمه القديم. هز كتفيه ببرود في نفسه؛ فالماضي لم يعد مهماً على أي حال، كل ما يهمه هو هذه البداية الجديدة والفرصة الطموحة لامتلاك العالم. تقدم نحو الفتاة بثبات قائلًا:
— سأجرب أنا الأول.
تراجعت ريهيم خطوة للوراء بخجل مصطنع، وقالت:
— بعد إذن البطل..
مدت يدها اليمنى ووضعتها برفق على صدره. بعد ثانية واحدة، انبعثت من جسد ريهيم طاقة بيضاء شفافة تشبه تدفق الماء النقي، وبمجرد أن لامست تلك الطاقة جسد البطل الثاني، شعر بشيء غريب يعتمل في أحشائه.. شعر بكتلة ضخمة على وشك الانفجار داخل روحه، موجة من النشوة العارمة والقوة الطاغية ترتفع في عروقه. وفجأة، اشتعلت من حوله هالة زرقاء حادة، بدأت تتصاعد كألسنة لهب زرقاء حارقة تحيط بجسده الضخم.
أبعدت الفتاة يدها بسرعة، ليتنفس الشاب بعمق وهو يشعر بتدفق القوة في عضلاته؛ شعور غير طبيعي بالصلابة. رفعت ريهيم الصندوق وقالت بنبرة رسمية:
— سيدي البطل، بعد أن أيقظتُ طاقتك، نحتاج الآن لقياسها.. رجاءً ضع يدك على هذا الصندوق.
تقدم بقوة ووضع كفه بثقة على سطح الصندوق المعدني. في الحال، ارتفع ضوء وهاج من الصندوق، وتجسدت في الهواء أمامه شاشة ضوئية زرقاء تشبه نوافذ الحالات السحرية، تصف قدراته بدقة:
[ نافذة الحالة ]
▪ العرق: بشر (ذكر)
▪ التوافق: عنصر النار (أزرق)
▪ كمية الطاقة الحيوية: 1000
▪ المهارة الفطرية: الصانع الأول (الرتبة: مقدس)
تبدلت ملامح ريهيم فوراً، وظهرت نبرة غريبة على وجهها وهي تحدق في الشاشة الشفافة. سألها الإمبراطور بنفاد صبر وطمع:
— كم تبلغ كمية طاقته؟
بلعت ريهيم ريقها بصعوبة، وقالت بنبرة خافتة:
— إنها... 1000 نقطة فقط.
عبس وجه الإمبراطور يوليوس فوراً، وظهرت الخيبة على ملامحه ونطق بغضب مكتوم:
— كيف هذا؟! ألف نقطة بالكاد تعادل قوة جندي عادي من نخبتنا! من المفترض أنه بطل مستدعى!
في تلك اللحظة، دوى صوت ضحكة ساخرة من الخلف. التفت الجميع ليجدوا الكاهن "هرميز" يتقدم وهو يهز رأسه شامتاً، وقال بصوت مرتفع:
— لقد حذرتك يا سيدي الإمبراطور! قلت لك إن استخدام أثر الملعون الأول هو تدنيس للعهد القديم.. انظر ماذا حدث! لقد أفسدت طاقة الأبطال!
رمق الإمبراطور البطل الثاني بنظرة باردة ممزوجة بالريبة، لكن الأميرة ريهيم قاطعت الجدال مسرعة، والتفتت نحو والدها قائلة بنبرة مشدوهة:
— أبي.. أقصد، سيدي الإمبراطور! رغم أن طاقته الخام ليست مرتفعة، إلا أن لديه شيئاً لا يملكه أحد.. انظر إلى أسفل الشاشة، إنه يملك مهارة [الصانع الأول] من رتبة [مقدس]!
ساد الوجوم على وجوه الحاضرين والكهنة؛ فالجميع يعلمون أنه في قوانين هذا العالم، يستيقظ المرء أولًا بطاقته الخام، ثم يقضي سنوات طوال يصقلها ويعذب نفسه ليحصل في النهاية على مهارة عادية.. أما المهارات من الرتبة "المقدسة" فهي طفرة لا تظهر إلا في واحد من كل مليون شخص، وتمنح صاحبها قدرة مطلقة على هندسة وتشكيل الطاقة.
اتسعت عينا الإمبراطور يوليوس، وتحول العبوس على وجهه تدريجياً إلى ابتسامة عريضة، ثم انفجر ضاحكاً بارتياح:
— هه.. هاهahaha! هذا جيد.. جيد جداً! مهارة مقدسة فور استيقاظك؟ إنك بطل حقاً إذن! صحيح أن طاقتك الحيوية ضعيفة كالبشر العاديين، لكن مهارة كهذه يمكنها تعويض كل النقص بالهندسة والصناعة.
التفت الإمبراطور يوليوس بنظراته الثقيلة نحو الشاب الأول (ذو الشعر البني المائل للذهبي)، وقال بنبرة تتأجج بالطمع مجدداً:
— حسناً.. ماذا عنك أنت أيها السيد؟ دعنا نرى ما تخفيه هالتك!
ابتعد البطل الثاني بخطى ثابتة وهو يغرق في حساباته الذهنية المعقدة، بينما تقدم الشاب الأول نحو الأميرة ريهيم. أعادت الأميرة نفس الخطوات؛ مدت يدها اليدوية الرقيقة ووضعتها على صدره لتوظف طاقتها المحفزة، ولكن هذه المرة... لم تكن النتيجة كالسابق.
انفجر من جسد البطل الأول نور ذهبي صاعق، هالة طاغية وعميقة غمرت الساحة بأكملها وأعمت الأبصار بكثافتها. تراجع الكهنة خطوات للوراء من شدة الهيبة الفطرية التي انبعثت منه. تقدم الأول بخطى واثقة ووضع كفه على الصندوق السحري، لتصعق الشاشة الشفافة الفتاة والجميع بما تكتنبه من بيانات:
[ نافذة الحالة ]
▪ العرق: بشر (ذكر)
▪ التوافق: طاقة مقدسة (ذهبية)
▪ المهارة الفطرية: لا يوجد
▪ كمية الطاقة الحيوية: لـا نـهـائـيـة
ساد صمت مرعب صدم الجميع، وتجمدت الدماء في عروق الحاضرين. "لانهائية".. كلمة لم يسبق لها مثيل في تاريخ القياس.
اتسعت عينا الإمبراطور يوليوس بذهول، وفجأة، وتحت تأثير هذا الوجود شبه الإلهي، انحنى الفرسان في صف واحد، وتبعتهم الكاهنة كالسيا وابنتها ريهيم، بل إن الإمبراطور نفسه أحنى رأسه احترماً لوجود مقدس يفوق قوى البشر. ونطق الإمبراطور بنبرة متهدجة من فرط الصدمة:
— هذا لا يصدق.. حتى بين الأبطال الخمسة الأقدمين، لم نسمع قط بطاقة لانهائية، وفوق هذا ذهبية ومقدسة! هذا أمر خارج حدود العقل!
ابتسم الشاب الأول براحة ونقاء، وفي تلك اللحظة، رمقه صديقه الثاني بنظرة غريبة.. نظرة حادة امتزج فيها الذهول ببذور غيرة ورفض مبطن؛ فكيف لمنطقه وجهده أن ينافسا هذا الفيض الإلهي؟
هدأت الهالة الذهبية الطاغية تدريجياً ثم اختفت تماماً داخل جسد الأول. كان الجميع غارقين في فرحة عارمة وذهول أنساهم تماماً وجود الطرف الثالث المعطوب. وبعد مدة من الحديث والتهليل، تقدمت الكاهنة العليا كالسيا نحو الإمبراطور، وأشارت برأسها ببرود نحو الفتى الأسمر الجالس في الزاوية.
تذكر الإمبراطور وجوده، فقال بنبرة خالية من الحماس:
— آه.. ما زال لدينا واحد.. تقدم أيها البطل الثالث.
تحرك الفتى الأسمر؛ حاول النهوض بعد أن كان قابعاً في جلسة القرفصاء من شدة الرعب، لكن ركبتيه المرتعشتين خانتاه فتعثر وسقط، ثم نهض مجدداً بجسده المنحني وتقدم نحو ريهيم. كانت عيناه ذابلتين، زائغتين، يحدق في ملامح الأميرة برعب وتشتت مطلق، لكن ريهيم ترجمت تلك النظرة بسرعة .. اعتقدت أنها نظرة "شهوة وجرأة" . عقدت الأميرة حاجبيها بجدية واشمئزاز، ونظرت إليه بحدة؛ فقد كان على عكس صديقيه بنفس طولها تقريباً ولم يملك أي هيبة جسدية تذكر.
وضعت يدها بجفاء على صدره. تردد جسد الثالث وانقبض، ثم حاول الاسترخاء مستسلماً لغريزة البقاء. انطلقت الطاقة البيضاء الشفافة من يد ريهيم.. ولكن لم يحدث شيء.
استمر الأمر لدقيقة.. ثم دقيقة أخرى.. وأخرى. مرت خمس دقائق كاملة دون أن تخرج من جسده ذرة هالة واحدة. شعر الثالث بنظرات السخرية والريبة تتوجه نحوه من كل حدب وصوب، فبدأ الحرج يلتهم ملامحه. حينها نطق الإمبراطور بضيق ونفاد صبر:
— حسناً.. فلتتوقفي يا ريهيم. إن حالته غريبة حقاً.. لماذا لم تظهر طاقته؟
علق البطل الثاني بنبرة باردة وربما شامتة:
— ربما ليس لديه أي طاقة من الأساس.
لكن الكاهنة كالسيا قاطعت قائلة:
— مستحيل.. كل مخلوق في هذا العالم لديه طاقة حتى لو كانت ضئيلة، فهي مرتبطة بالروح. ربما لديه طاقة بلا لون أو وجود ظاهر.. لنقسه بالجهاز، هو من سيحدد وضعه.
تقدم الثالث بخطى ثقيلة، ومد يده المرتعشة واضعاً كفه فوق الصندوق. تمنع الصندوق عن الاستجابة لدقيقة كاملة على عكس الأخرين، قبل أن تومض الشاشة ببيانات جافة وصادمة:
[ نافذة الحالة ]
▪ العرق: بشر (ذكر)
▪ طبيعة الطاقة: لا يوجد
▪ نسبة الطاقة: لا يوجد
▪ المهارات الفطرية: لا يوجد
تسمر الجميع في أماكنهم للمرة الثانية، ولكن هذه المرة بصدمة من القاع. شعر الثالث بنوع من النظرات الغاضبة والمستحقرة تتوجه إليه؛ فكل شيء في هذا الجهاز يقول إنه ليس بطلاً، بل إنه أضعف شخص في هذا العالم بأكمله، مجرد عبء وزائد لا قيمة له.
رفع الثالث رأسه، ليلتقي بالنظرات الثقيلة والباردة للإمبراطور يوليوس. وفي تلك اللحظة، لعن الثالث حظه في سره وهو يرتعد: «تباً.. تباً لهذا العالم الكابوسي!»
حاول الإمبراطور تدارك الموقف سياسياً أمام جنوده، فقال بنبرة مصطنعة:
— حسناً، لا يهم.. لدينا البطل الأول والثاني كافيان. ولا تقلق أيها الثالث، ربما تظهر طاقتك لاحقاً، أو ربما تكون جيداً في أشياء أخرى غير القتال. سنبدأ تدريبكم قريباً ونكتشف مكنوناتكم.
تبادل الإمبراطور والثالث ابتسامة.. ابتسامة مزيفة وقذرة؛ الإمبراطور يبتسم لكي لا يظهر فشل طقسه أمام العامة، والثالث يبتسم نفاقاً ليحمي رقبته من السيوف المحيطة به.
ثم التفت الإمبراطور نحو الحشود، ودوى صوته الطاغي مجدداً ليعلن بداية الخديعة الكبرى:
— والآن.. فلنحتفل بوصول أبطالنا الجدد وسحق أعدائنا!
توجّه الحراس بالأبطال نحو القصر الإمبراطوري الفاخر، وفي ذات الليلة، طارت الرسائل السحرية والطيور الزاجلة لنشر الأخبار في كل مكان: "الإمبراطورية استدعت ثلاثة أبطال أسطوريين بقوى لا ترحم!".
وما إن انتشر هذا الخبر، حتى اهتزت توازنات القوى؛ واكتسب العالم فجأة زخماً مرعباً ومضطرباً.