ضللنا نتحدث ونتبادل المعلومات، فعلمت أن اسمها إليا، وأن أخاها الأصغر يدعى ليام.
بعد فترة، وصل طلبنا من الطعام، فوضعه الخادم على الطاولة بلطف. نظرت إليه وقلت: "شكرا لك."
بمجرد أن أنهيت كلامي، التفت نحو لوسيفر، فوجدته يبتسم أكثر من أي وقت مضى، وكأن شيئا ما يسليه.
بدأنا نأكل، وكان الطعام شهيا، لكن الجو ظل صامتا حتى قطعه صوت لوسيفر وهو يسأل ليام بنبرة مستفزة:
"ليام، أخبرني، ما الذي فعله أخوك الأحمق لتكون منزعجا منه؟"
شعرت بالغضب من وقاحته، فحدجته بنظرة حادة وصرخت بصوت منخفض: "لوسيفر، توقف! الآن!"
لكن قبل أن أتمكن من قول المزيد، قاطعني ليام ورد ببرود:
"حسنا، كل شيء فيه مزعج، سواء غروره، أو عدم قدرته على تحمل المسؤولية..."
إلا أن إليا لم تمهله فرصة لإكمال حديثه، فقاطعته بحدة:
"ليام، توقف! لا تكرر هذا الكلام مجددا!"
تجمد ليام في مكانه، ثم خفض رأسه وصمت على الفور، وكأن كلماتها كانت أمرا لا يقبل الجدال.
لكن لوسيفر لم يستطع كبح رغبته في الاستفزاز، فابتسم ابتسامة جانبية وقال بصوت هادئ لكنه مليء بالسخرية:
"سيدتي الصغيرة، عليكِ أن تدعي الناس يعبرون عن مشاعرهم، أليس كذلك؟"
نهض ليام من مكانه وغادر قائلا
"سأذهب للعب قليلا"
مباشرة تبعه لوسيفر وعلى وجهه ابتسامة جانبية، وكأنه وجد في ذلك متعة خفية
نظرت إلى إليا وقلت لها بقلق
"أنا آسفة جدا، أرجوك سامحيني"
التفتت نحوي بابتسامة لطيفة قائلة
"لا تهتمي، ليام هكذا دائما"
كنت مترددة في طرح سؤالي، لكنني جمعت شجاعتي أخيرا وقلت
"حسنا، قد أكون متطفلة، لكن هل لي بسؤالك عما يحدث مع جاك؟ أعني، لماذا يبدو أن أخاه يكرهه؟ و... أنت تعلمين، هل هناك شيء أستطيع المساعدة فيه؟"
نظرت إليا للحظة، وكأنها تفكر فيما ستقوله، ثم أجابت بهدوء
"حسنا، جاك منذ طفولته لم يكن مثل الآخرين، سواء في رغباتهم أو طموحاتهم، كان دائما يحب أن يكتشف كل شيء، لذلك لم يدخل المدرسة أبدا. هذا ما أغضب والدي لأنهما أرادا أن يكون ناجحا، لكنه لم يهتم بذلك، وغادر المنزل ليجوب العالم ويسافر باستمرار"
توقفت قليلا قبل أن تكمل
"للأسف، مات والدي في الحرب، وبعدها بمدة قصيرة، لحقت به أمي من الحزن عليه... وبعد أيام من ذلك، عاد جاك كعادته ليزورنا، لكنه لم يكن يعلم بما حدث. وعندما علم أنه فقد والديه ولم يحضر جنازتهما، تلقى صدمة لا توصف، رغم أن أحدا لم يلاحظ ذلك، لأنه لم يظهر أي رد فعل. لكنني الوحيدة التي رأيت كيف تجمد في مكانه، وكيف لم يعد يستجيب لأي شيء"
"بعد ذلك غادر مرة أخرى ولم يعد حتى الآن لكنه لم يكن نفس الشخص لقد تغير تماما وأصبح مستعدا لإنهاء أي شيء يزعجه حتى المشاعر التي كانت بيننا لم أعد أشعر بها لم يتبق سوى اهتمام خال من أي إحساس"
توقفت فجأة عن الكلام لم أعد أعلم ماذا أقول لها
"أنا آسفة على تذكيرك بهذا"
لكنها أمسكت يدي برفق وقالت بابتسامة هادئة
"لا داعي لأن تتأسفي فهذا ليس ذنبك، هيا بنا لنطلع على البحر"
<<منظور جاك>>>
نصف ساعة وأنا أنتظر ردة فعل من البوصلة وتلك القطعة، لكن لا شيء يحدث
......
"ما هذا الشعور؟ أشعر بالذنب؟ أشعر بالذنب لأنني ابتسمت اليوم؟ لأنني شعرت بمشاعر مختلفة؟... ههههه هذا ما جنيته من أفعالي، ماذا كنت أتوقع بعد كل ما قمت به؟ قتلت آلاف الأشخاص، دمرت حياة مئات الأطفال الذين رأوا والديهم يموتون بأبشع الطرق على يدي، منعتهم من الاستمتاع بالحياة"
يبدو أن هذا سيكون مصيري أيضا أن أظل باردا بلا مشاعر طبيعية، في عالمي السابق كنت كذلك لكن كان هناك شيء واحد فقط يسعدني، شيء يجعلني أبتسم ولو قليلا... القتل، التلاعب بالناس، زرع الرعب فيهم
حسنا سأتريح قليلا
تمدّدت على السرير وأنا أنظر إلى السقف بلا حركة
لا أعلم كيف، لكن بدأ النعاس يتسلل إليّ رغم أنني لم أعد بحاجة للنوم
لم أستطع المقاومة، فغطست في سبات
بدأت أفتح عيني ببطء لأجد نفسي في مكان غريب
السماء حمراء، كل ما يحيط بي يغمره لون قرمزي قاتم
شعرت بشيء لزج يلتصق بقدمي، فخفضت رأسي لأرى ما هو
لكنني تفاجأت... كنت واقفا وسط بركة من الدماء
نظرت حولي، إلى اليسار، إلى اليمين، إلى الأمام والخلف... لا شيء سوى امتداد لانهائي لهذا السائل القاني
بدأ قلبي ينبض بقوة... لم أكن أعرف لماذا، لكن شعورا غامضا من التوتر تسلل إلى داخلي
وفجأة... بدأت الجثث تنهض من أعماق البركة
جثث مشوهة لكن لا أعلم لماذا كانت مألوفة
بدأت تركض نحوي بسرعة، تتدافع فيما بينها، كل فرد منها يريد أن يمسكني أولًا
بعد ثوانٍ وصلتني إحداها، وبمجرد أن لمستني...
فجأة، تغير المشهد أمامي
وجدت نفسي داخل منزل، في إحدى الغرف، عند نافذة
سمعت صوتًا، فالتفت نحو اليمين لأرى ما يحدث
لكن الصدمة... رأيت نفسي، من عالمي السابق
"ماذا أفعل هنا؟ لماذا أنا هناك؟ وما الذي أفعله؟"
نظرت حولي جيدًا، وللأسف، ذاكرتي لم تخني
بل أعادت إلي هذا المكان بكل تفاصيله
"أل... أليس هذا... هو..."
لم أصدق، لكن سرعان ما ركضت نحو نفسي، محاولًا إيقافه
مددت يدي للإمساك به، لكن يا للمفارقة، مررت داخله كما لو أنني شبح
"اللعنة... لا يمكنني لمسه... كأنني مجرد روح غير قادرة على التأثير في العالم المادي"
لم أكن أعلم ماذا أفعل
بدأت أصرخ عليه بكل قوتي، لكن بلا جدوى
رأيته يكمل عمله... كان يعقد خيوطًا دقيقة، خيوطًا أشبه بالشعرة الواحدة، من شدة رقّتها لم تكن تُرى بالعين المجردة
بعد أن أنهى ما كان يفعله...
لا أعلم ماذا أقول... هل أنهى عمله؟ أم أنني أنا من أنهيت عملي؟ أم ماذا؟
ساد الصمت، انتهت نفسي الماضية من عملها، وقبل أن تخرج، أطلقت غازًا في الغرفة، ثم تسللت عبر النافذة
مباشرة، سمعت أصواتًا قادمة من عند الباب، متجهة نحو الغرفة
ركضت نحوه، محاولًا منعهم، صرخت بكل قوتي...
لكن بلا فائدة
بمجرد أن فتحوا الباب، تقدم طفل صغير بحماس داخل الغرفة، والابتسامة تعلو وجهه
لكن للأسف، لم يكن يدرك ما فعل...
برجله، دفع إحدى تلك الخيوط الرقيقة، مما أدى إلى تفعيل الفخ القاتل
وفي لحظة، انطلقت مئات السكاكين نحو العائلة
اخترقتهم، شوهت وجوههم، قطّعتهم إربًا إربًا
نجت طفلة صغيرة، تفادت السكاكين، لكنها كانت تبكي بحرقة أمام جثث عائلتها
لا أعرف كيف... لكن بدأت دموعي تنهمر كشلال
تذكرت الخطأ الذي ارتكبته
كانت تلك العائلة هدفًا لمهمة كُلّفت بها من قِبَل والدي، أخبرني أنهم مجرمون
وبما أن التصريح جاء من والدي، وثقت به ونفذت المهمة دون تردد
لكن الحقيقة... سواء والدي أو عائلتي، لم يكونوا سوى قتلة
وبسببهم، قضيت على عائلة لا ذنب لها
قبل أن أكمل ذكرياتي، رأيت الفتاة تنهض، تتجه نحو المصباح، تحاول إنارته لترى عائلتها
لكن الغاز كان قد ملأ الغرفة بأكملها
صرخت، محاولًا إيقافها، لكن بلا جدوى
بمجرد أن أشعلت المصباح، انفجرت الغرفة
لم تمت... لكنها بقيت بوجه مشوه مدى حياتها
كنت السبب في دمار حياتها بالكامل
فجأة، بدأت الجثث... والطفلة، يتحركون نحوي، كأنهم يرونني
كنت أتراجع بخوف
بدأت أسمع أصواتهم...
"لماذا؟ لماذا؟ لماذا؟ لماذا دمرتني؟ لماذا؟ لماذا؟"
تردد السؤال من أفواههم، وأنا أتراجع، عاجزًا عن الإجابة
وفجأة...
اندفعوا نحوي، ليمسكوني
لم أدافع عن نفسي...
جسدي أبى أن يتحرك
وبدأوا يلتهمونني... شيئًا فشيئًا
فتحت عيني بفزع، لأجد نفسي في ذلك العالم الدموي مجددًا
الجثث تجمعت حولي، أيديها الباردة تلامسني واحدة تلو الأخرى
وكلما لمستني جثة، كنت أغرق في دوامة لا نهائية من الذنب، الندم، وأفعالي القذرة
لا أعلم كم مر من الوقت... مئات السنين؟ الآلاف؟ عشرات الآلاف؟ الملايين؟
وفي النهاية، بعد مدة مجهولة، انتهى كل شيء
لكنني لم أعد أنا...
هويتي انقلبت رأسًا على عقب، تحطمت في تلك الدوامة
اعتدت على أفعالي القذرة، لدرجة أنني لم أعد أهتم عندما كنت أغرق مجددًا في إحداها
أزحت الجثث عني، محاولًا النهوض...
لكن هناك جثة مختلفة؟ لا... ليست جثة...
نور؟ ملاك؟
كان ضوءًا ساطعًا على هيئة بشرية، يقترب ببطء
ذلك النور...
شعرت بشيء مألوف...
رأيت شعره، قصته، تفاصيله...
"هذه القصة... أنا... أعر... أعرفها..."
بدأت دموعي تتساقط... لكنها لم تكن دموعًا عادية... كانت دمًا
تقدمت نحو النور وأنا أعرج من الصدمة
"أ... أخـ..."
صوتي كاد أن ينقطع...
"أختي..."
كانت هناك، أمامي... أختي من عالمي السابق
اقتربت أكثر، حتى لم يعد يفصلني عنها سوى متر واحد
لكن فجأة، توقف النور عن الحركة... وكذلك أنا
لم أستطع الكلام، الألم كان يفترسني من الداخل
ثم بدأت ذكرياتي تتدفق في رأسي كطوفان
"...كـ... كيف؟... كيف فعلت هذا؟"
رأيت نفسي... يداي... وأنا أقتلها...
أقتل أختي... أغلى ما كان لدي
رفعت رأسي نحو وجهها الملائكي
"... أختي... أنا..."
لكن قبل أن أكمل، سمعت صوتها لأول مرة...
كان صوتًا مليئًا بالكراهية
"أنا لست أختك... أنا ضحيتك، وأنت قاتلي"
تجمدت مكاني، عاجزًا عن الكلام
التفتت وبدأت تبتعد عني
حاولت اللحاق بها، لكن قدماي لم تعد تملكان القوة
بدأت تختفي تدريجيًا، تتلاشى أمامي
انهارت ركبتاي، وسقطت في تلك البركة من الدماء
وظللت هكذا...
لوقت... لا يعلمه أحد