في صباح اليوم التالي، جلس جاك في قاعة القصر يتناول قهوته السوداء بهدوء. أجواء الصباح الباردة لم تكن تنذر بما سيحدث قريبًا. فجأة، سُمعت طرقات ثقيلة على الباب الرئيسي للقصر.
وضع جاك كوب القهوة على الطاولة ببطء، ونهض متجهًا نحو الباب. فتح الباب ليجد أمامه مجموعة من الجنود، يرتدون دروعًا سوداء مزخرفة، يتوسطهم رجل طويل القامة ذو ملامح صارمة، شعره الرمادي يكشف عن سنوات من الخبرة، وسيف ضخم يتدلى من حزامه.
نظر جاك إلى الرجل، وعيناه تلمعان ببرود. قبل أن يتحدث أحد، قال جاك بهدوء:
"هل هناك سبب لهذا الاستعراض الصباحي؟"
أجاب الرجل بصوت عميق وثابت:
"جاك فالكون، اسمي دريك آرشيبالد. جئت للتحدث معك بخصوص ما حدث بالأمس."
وقف جاك عند المدخل، مسندًا كتفه إلى إطار الباب، وقال بهدوء:
"تفضل.انا استمع"
ابتسم دريك ابتسامة باردة، وقال بصوت منخفض:
"أعتقد أن لديك تفسيرًا لما حدث بالأمس."
جاك نظر إلى المجموعة خلف دريك، ثم أعاد نظره إلى وجهه وقال ببساطة:
"لا أرى حاجة للتفسير. هؤلاء الرجال تجاوزوا الحدود، وأنا فقط قمت بما كان ضروريًا."
ظل دريك صامتًا للحظة، ثم قال بنبرة هادئة لكنها مشحونة بالتوتر:
"قتل فرساننا في القصر... ليس تصرفًا عاديًا. كان يجب أن يكون هناك تداعيات. كنت أتوقع منك نوعًا آخر من الاحترام."
تراجع جاك خطوة للخارج، وأغلق الباب خلفه. وضع يديه في جيوبه وقال بلهجة خالية من أي انفعال:"الاحترام لا يُفرض، بل يُكتسب. هؤلاء الرجال أساؤوا التصرف في مكانهم، وكانت النتيجة ما حدث."
أخذ دريك نفسًا عميقًا، ثم قال بصوت أقل حدة، لكنه مليء بالتهديد:
"قد تكون قويا، جاك، لكن القوة وحدها لا تضمن لك الأمان في هذا العالم. كل فعل له عواقب، حتى لو كنت تظن أن لا أحد قادر على ردعك."
ابتسم جاك ابتسامة خفيفة، ثم رد بهدوء قاتل:
"العواقب... هي ما تجعل الأمور مثيرة. وإذا كنت تعتبر ما حدث بالأمس بداية لعواقب، فانتظر قليلًا."
نظرت عينا دريك إلى جاك بتركيز، ثم قال بهدوء:
"أنت لا تعرف من أنا، جاك. أنا من يحكم هذا المكان. لم يكن يجب أن تتصرف بهذا الشكل، وإذا لم تدرك خطأك، فسنلتقي مجددًا في ظروف مختلفة."
ابتسم جاك ابتسامة باردة، ثم قال بنبرة ثابتة:
"كما قلت، أنا لا أتبع قوانين أحد. لكن إذا كنت تعتقد أن ما حدث كان خطأ، فربما ستكتشف قريبًا أن لديك خطأ أكبر تنتظره."
أخذ دريك خطوة إلى الوراء، وأشار إلى الجنود بالتحرك. قبل أن يلتفت، قال بصوت خافت لكنه حاد:
"لا تعتقد أن الأمور ستظل هادئة، جاك. هذه بداية فقط."
راقب جاك المجموعة تغادر، ثم أغلق الباب خلفه بهدوء. عاد إلى مكانه في الفناء، أخذ رشفة من قهوته وكأن شيئًا لم يحدث.
بعد مغادرة دريك والجنود، عاد الصمت ليغلف القصر. ظل جاك واقفًا لفترة، ينظر إلى الباب المغلق.
جلس على المقعد في الفناء، أخذ رشفة من قهوته، وأعاد النظر إلى الأفق. كان الجو باردًا، والهدوء يعم المكان، لكن داخله كان يعرف أن هذا الهدوء ليس إلا مرحلة مؤقتة.
في تلك اللحظة، دخلت إيليا إلى الفناء. نظرت إلى جاك بعينين تملؤهما تساؤلات، لكنها لم تقل شيئًا. اقتربت منه بهدوء، وجلست على المقعد المجاور له.
أخيرًا، كسر الصمت وقالت إيليا:
"دريك جاء؟"
جاك رد بهدوء وهو ينظر إلى كوبه:
"نعم. جاء ليتحدث عن ما حدث بالأمس."
إيليا لم تقتنع بكلماته، فتابعت:
"وأنت؟ هل فكرت في العواقب؟"
جاك نظر إليها، وعيناه لا تظهران أي تردد:
"العواقب؟ أنا من يحدد العواقب، وليس دريك."
تنهدت إيليا، وعينها لم تتركه للحظة. كانت تعرف أن جاك لا يخشى أحدًا، لكن في ذات الوقت كانت تشعر بقلق حقيقي. قالت:
"أنت لا تعرف ما الذي ينتظرك هنا. هذا ليس مكانًا يتساهل مع القوة وحدها."
جاك لم يرد على ما قالت، بل استمر في النظر إلى الأفق، وكأنه لا يلتفت إلى أي شيء حوله. كانت ملامحه باردة، وعيناه حادتين، وكأن العالم من حوله لا يعنيه.
ثم بعد لحظة من الصمت، قال جاك ببرود:
"إذا كان هناك شيء يجب أن أخشاه، فلن يكون من دريك أو أي شخص آخر. أنا أتحكم في كل شيء."
لم ترد إيليا. كانت تعرف أنه لا يمكن تغيير رأيه. فقط صمت آخر، ثم وقف جاك فجأة، وكأن شيئًا قد قرر فيه. وتركها تجلس هناك، متأملة، بينما استدار هو وابتعد عن الفناء.
بينما بدأ جاك في التحرك، وتطايرت أوراق الشجر في الهواء بفعل الرياح الباردة، فجأة توقفت تلك الأوراق في منتصف الهواء. كما لو أن الزمن نفسه قد تجمد في لحظة.
كل شيء حوله أصبح ساكنًا، حتى أصوات الطبيعة توقفت. كان جاك في حالة غريبة، لم يشعر بها من قبل. الهواء أصبح ثقيلًا، والحركة الوحيدة التي كانت تحدث هي قلبه الذي يضخ الدماء في عروقه.
نظر جاك حوله ببطء، ثم بدأ يلتفت نحو إيليا، التي كانت تجلس في الفناء القريب منه. فجأة، أدرك أن كل شيء في محيطه كان ساكنًا، حتى هي نفسها.
كانت جالسة في مكانها، عيناها ثابتتان، كأنها جزء من الصورة التي توقفت عن الحركة.
توجه نحوها بخطوات هادئة، وعيناه تراقبان المكان المحيط به. اقترب منها أكثر، ثم تمتم في نفسه:
"هل توقف الزمن؟"
لم يكن هناك رد من إيليا، كانت ساكنة تمامًا، كما لو أن الزمن قد توقَّف حولها أيضًا. وقف أمامها لحظة، ثم حاول أن يلمس يدها. كانت باردة وساكنة، وكأنها لم تدرك ما يحدث حولها.
ظل جاك واقفًا أمامها، مشوشًا، وهو يحاول فهم ما يجري.
<<<منظور جاك>>>
فجأة، انفجر ضوء ساطع في السماء حتى كاد يعمي الأبصار، لتظهر واجهة بيضاء، تمامًا كما في المرة السابقة.
تمتمت ببطء: "ماذا؟ ما الذي يحدث هنا مرة أخرى؟!" لم أكن أعلم ما الذي يجري، لكنني لم أشعر بأي قلق. بعد ثوانٍ معدودة...
سمعت الصوت نفسه مجددًا: {مرحبًا جاك فالكون}. كان الأمر غريبًا، خصوصًا وأنه اللقاء الثاني بيننا. أجبت بسخرية: "مرحبًا، أيها الكائن الغريب، كيف حالك؟" لم أكن متعجلًا في معرفة ما يحدث.
رد الكائن الذي بدا كأنه نظام بصوت حاد: {سأدخل في صلب الموضوع فورًا. سيد هذا العالم قد فارق الحياة، ولكن قوته لا تزال قائمة،حتى لا تقع معركة طاحنة بين الأسياد، سيتم منح تلك القوة لشخص من هذا العالم، ولم نجد من هو أقدر منك. وأيضًا، سيساعدك ذلك في العودة بسرعة إلى أصلك.}
فهمت كل ما قاله، لكن السؤال الذي حيرني: ما المقصود بـ "أصلي"؟ هل يعني عالمي؟.
"حسنًا، فهمت، لكن هل تعني أنني سأعود إلى عالمي؟!" طرحت السؤال بعفوية، ليأتي الرد:
{أولًا، القوة التي ستنالها لن تكون فورية، بل ستكون مختومة، وعليك أنت فك تلك الأختام. وثانيًا، لا أقصد عالمك، بل أقصد أصلك الأول.}
تراكمت التساؤلات في عقلي، وأخذت تنهش تفكيري بلا هوادة. ماذا يعني "أصلي"؟ وكيف لم أكن أعرف شيئًا عنه؟
فجأة، خرج ضوء رمادي من الكائن وتقدم نحوي، ليدخل في صدري مباشرة. شعرت بألم لا يُوصف، كان أشد من أي وجع عشته في حياتي.
بدأت أحشائي تتمزق شيئًا فشيئًا، حتى شعرت أنني أصبحت جوفًا فارغًا. استمر الألم دون هوادة، بينما كانت صرخاتي تتناثر حتى انفجرت حبال صوتي.
وأخيرًا، توقّف ذلك الألم الذي كان يعتصر جسدي، فسقطت على الأرض فاقدًا الوعي.
لم أكن أعلم ما الذي حدث، ولكن عندما استعدت وعيي، وجدت ذلك الكائن لا يزال أمامي.
لم أكن أدرك المدة التي قضيتها في غيبوبتي، ولكن بما أن الزمن لا يزال متوقفًا، فلم يكن هنالك فائدة من حسابه.
رفعت يدي نحو رأسي، لامست شعري، فتناثرت بعض خصلاته أمام عيني، لأكتشف أن لونه أصبح أبيض.
{لقد استيقظت أخيرًا... دعني أخبرك ببعض الأمور قبل أن أغادر. أولًا، أصبح لديك جسد الفوضى البدائيه و جسد التنين السماوي و.... حسنا فل تكتشف هذا بنفسك، صحيح أنك ستكتشف قوتك بنفسك، لكنك في عالم عادي، بلا قوة أو مكانة، فكن حذرًا.
ثانيًا، يجب عليك أن تتأمل في قوتك الأولية وتتعلم كيفية التحكم بها كي لا تتسبب في الخراب عن غير قصد، وهذه مسؤوليتك.
أما بالنسبة لتغيير مظهرك، فهذا ليس أمرًا بالغ الأهمية، إذ سيتم برمجة كل من يلتقي بك ليعود لرؤيتك كما أنت الآن. قد تتغير بعض الأشياء، مثل نظرة الآخرين إليك بسبب شكلك الجديد.
هذا كل ما لدي من معلومات، إلى اللقاء يا^%$@.} كانت آخر كلماته مشوشة وغير واضحة.
ثم اختفى الكائن الغريب من أمامي، ليعود كل شيء كما كان عليه.
لو كان أي شخص آخر في مكاني، لربما أصابه الجنون أو وقع في حالة من الصدمة، لكن بالنسبة لي، كان هذا مجرد حدث عابر مقارنة بما مررت به.
توجهت مباشرة إلى القصر، متجهًا إلى غرفتي. دخلت وأخذت أتأمل المكان، بعدما طلبت من الخادمة أن لا يُزعجني أحد أو يقطع تأملاتي.
انغمست في تلك اللحظات من الصباح حتى حلول الليل.
ومع حلول الظلام، استفقت أخيرًا من تأملاتي العميقة، قائلاً لنفسي: "هاهاها، لقد اكتشفت الكثير من الأمور. أولًا، أصبح بإمكاني استخدام جميع أنواع الطاقات وكأن مخزوني منها لا نهاية له. ثانيًا، أتمكن من التحكم في القوانين الفيزيائية، رغم أن نطاق هذه القدرة محدود،و العديد من الأشياء الأخرى."
ثم توجهت نحو الحمام في غرفتي لألقي نظرة على شكلي لأول مرة بعد التغيير الذي طرأ عليّ.
####
عندما وقفت أمام المرآة، وجدت نفسي بالكاد أتعرف على ما أراه. كان شعري الكثيف والفوضوي يتدلى ليغطي إحدى عيني تمامًا، تاركًا العين الأخرى مكشوفة لتشع ببريق ذهبي خافت، خصلات شعري كانت بيضاء كثلج شاحب، تتخللها ظلال رمادية عند الأطراف، وكأنها أحرقت جزئيًا بنيران غير مرئية.
بشرتي بدت شاحبة وناعمة لكن مثقلة بخطوط دقيقة من القوة، وكأن الزمن حفر أثره عليها. ملامحي كانت صارمة ومتناسقة، فكأن وجهي نُحت من الصخر بدقة.
أما جسدي، فقد بدى منحوتًا بقوة غير طبيعية؛ عضلات بارزة متناسقة، وخطوط طاقة خفية كانت تتوهج بخفوت عبر جلدي كلما ركزت النظر عليها.
كان هناك وهج أحمر قاتم يتراقص حول أطرافي كما لو أن نيرانًا مكبوتة تبحث عن سبيل للخروج.
هذه الأعين لقد اكتشفت منها القليل فقط ومن بينهم أنني قادر على رؤية الأشياء الميتافزيقيه مثل الأرواح يبدو أنه لازال هناك طريق طويل لسيطر على هذه القوه.
ارتديت ثيابًا بسيطة ثم نزلت إلى الطابق السفلي بخطوات ثابتة.
هناك، كان أخي وأختي لا يزالان جالسين على طاولة العشاء، يتناولان الطعام في صمت.
تقدمت نحوهما وطرحت أول سؤال خطر ببالي: "كيف حالكما؟"
رد ليام بصوت مغمور بالكآبة، وكأن ظلال الحزن لا تفارقه: "بخير." أما إيليا، فقد أجابت بلهجة مفعمة بالحيوية، تحمل بين طياتها حرارة العائلة التي لطالما بدت غريبة عني: "بخير، وأنت؟ كيف حالك؟"
كان شعورًا غريبًا يجتاحني؛ ذلك الدفء العائلي الذي لم أعتد عليه، رغم قراري بحمايتهم .
لم يكن اللطف جزءًا من عالمي السابق، بل كان أقرب إلى وهم عابر لا يعوَّل عليه، في عالمي كان هناك قوي و ضعيف الضعيف يموت و القوي يحيا ببساطه كانت هذه هي المعادله.
استرجعت في ذهني صورة عائلة والدي، أولئك القتلة الذين كنت أعتبر مطاردتهم متعة لا تضاهى.
ما زالوا لا يدركون أنني كنت اليد الخفية التي أنهت حياتهم، وليس أعداءهم كما ظنوا.
أعادني عقلي إلى لحظة مأساوية؛ عندما رأيت والدي يُقتل أمامي
. لولا تدخل ذلك العجوز اللعين... تبا، لقد فات الأوان، وكل شيء انتهى.
لكن حين أمعنت التفكير، أدركت أن خطئي كان في إظهار الود والاهتمام بعائلتي، مما جعلهم عرضة للخطر
. لن أسمح لهذا الخطأ بأن يتكرر. من الآن فصاعدًا، سأحميهم، ولكن دون أن أجعلهم هدفًا لستغلالي.
إن كان هناك أعداء في المستقبل، فسيوف يريدون ضرب نقطة ضعفي، فعلي ان اكون بارد في تعامل مع عائلتي الجديد لكي لايكون هدفا .
ومن أجل ذلك، يجب أن أبدأ من الآن.
تحدثت بنبرة حادة: "يا هذا، هل تنوي إزعاجنا بسبب فتاة سخيفة؟ إن كنت ستذرف الدموع عليها، فالأفضل لك أن تغادر هذا المنزل فورًا."
كانت الصدمة جلية على وجهيهما، فقد كانت تلك المرة الأولى التي أتكلم بهذا الأسلوب الجاف.
حدق ليام في وجهي بغضب متأجج، وكأن كلماتي كانت شرارة أشعلت نار كبريائه.
قال بصوت مملوء بالاحتقان: "لم أطلب منك أي شيء، ولم أتحدث إليك أصلاً لتهاجمني بهذا الشكل."
من نبرته الغاضبة، كنت أعلم أنه متألم، وأن بركان غضبه قد بدأ يثور.
ابتسمت بسخرية، ثم استدرت نحو أختي وسألتها بصوت بارد جاف: "هل تذكرين لي تخصصك؟ وأيضًا، في أي مستوى أنتِ؟"
بدا على وجه إيليا أثر من المفاجأة بسبب طريقة كلامي الجافة، ولكنها ردت بسرعة وبصوت هادئ:
"تخصصي هو الطب، وأنا الآن في فصل الشتاء هذا سيكون أول عام لي في الجامعة."
فكرت للحظة، إذ لم يتبقَّ سوى أسبوعين لبدء الدراسة.
نهضت من على الطاولة بحركة سريعة، وسحبت كرسيًّا بجانب الطاولة لتقفز عن جانبه بخفة، ثم تقدمت نحو الباب الخارجي.
استنشقت هواء الليل البارد، واندفعت للأمام، شعرت بطاقة هائلة تدفعني للانطلاق بسرعة غير محدودة. كسرت حاجز صوت ليتنفجر موجه دمرت محيطي بالكامل.
توقفت ببطء أمام بوابة قصر ضخم يعج بالفخامة، على الأقل في نظر الآخرين
. جدرانه البيضاء الشاهقة كانت تطوق المكان، محاطة بصور ضخمة تتألق بألوانها.
"همم، دعني أعبث قليلاً، سيد دريك آرشيبالد."