المشهد التاسع :"بوادر الخيانة ".

إستفاق قيدار من غيبوبته و نظر بعينين نصف مغلقتين إلى الاوضاع حوله ثم وضع يده على رأسه من الألم ، كان كل من عمر و سارم نائمين بعمق ، اشاح الفتى بصره عنهما ناحية السماء و بدأ يحدق بالنجوم ثم بدأت عيناه تتفتحان عن آخرهما و مال رأسه ناحية اليسار قليلا و كأنه دخل في حالة من التيهان مرة أخرى و ظل بذلك الوضع حتى شعر بهزة قوية فخرج من ذلك الوضع و التفت بذعر خلفه ليقع بصره في وجه سارم مباشرة .

_" متى استيقظت يا فتى !!؟ ". قال سارم راسما ابتسامة مصطنعة بين خديه .

حك قيدار عينيه في تعب و قال :"كيف وصلت إلى هنا ؟ ... أذكر أنني كنت هناك (أشار إلى الصخرة) ... لا أذكر أنني دخلت إلى الكهف !!".

_" سأقولك شيئا ... لكن حاول أن لا يصيبك الذعر ".

أومأ قيدار برأسه موافقا فباشر سارم بالكلام :

_" البارحة عندما عرفنا نتيجة إختبار النبتة غادرت الكهف و اتجهت إلى تلك الصخرة ثم بدأت تتأمل بالرغم من أنك لم تتعلم أسس التأمل من قبل !!! كيف فعلت هذا ؟".

حدق قيدار بالقمر جيدة و قال بصوت يوحي بالغرابة :"لقد سمعت صوتا يناديني من الأعماق لفعل ذلك ، صوتا يشعرني بالذعر كلما أنصت إليه ".

بدأ سارم بإسترجاع بعضا من ذكريات صغره عندما كان في نفس عمر قيدار تقريبا ....

(داخل إحدى خيام قبيلة الأيادي البيضاء)

جلس الفتى سارم قليل الكلام، كثير التساؤلات، أمام شيخ طاعن في السن قد نالت التجاعيد من وجهه . كان الشيخ يحرك ببطء محتويات قدر غريب الشكل فوق نار خفيفة، والدخان يتصاعد من فتحة الخيمة، ينسج أشكالًا عشوائية في السقف الداكن، وكأن الأرواح القديمة تتحرك في صمت.

قال الشيخ بصوت مبحوح:

_ "هناك أصوات يا سارم... أصوات لا يسمعها إلا أولئك الذين كُتِب عليهم أن يكونوا بوابات... لا مستقرّين."

حدّق به سارم بعينين حائرتين، لكن الشيخ أكمل كأنه يخاطب الغيب:

_ "إذا سمعت النداء... لا تتبعه. الأصوات ليست دائمًا كما تظن. بعضها يُغنيك عن كل شيء، وبعضها يأخذك من نفسك للأبد."

ثم انحنى نحوه وقال بحدة مفاجئة:

_ "أتعلم ما هو أسوأ من أن تفقد نفسك؟ أن تظن أنك مازلت تملكها..."

ارتجف الفتى سارم حينها، ولم ينسَ تلك الكلمات أبدًا... بل دفنها.

(عودة إلى الحاضر)

أفاق من شروده بسرعة، وحدّق في قيدار الذي ما زال يحدق في القمر بجمود. شعر سارم أن شيئًا بداخله يتحرك من جديد، إحساس مألوف... خطر.

قال له بهدوءٍ مصطنع:

_ "الصوت الذي سمعته... أهو صوتك؟ أم شيء آخر بداخلك يحاول أن يتحدث؟"

لم يجب قيدار مباشرة. ظل صامتًا لثوانٍ، ثم قال:

_"لا أدري... لكنه يشعرني كأنني عائد من حيث لا أعلم... وكأن جسدي ليس لي بالكامل."

نظر إليه سارم بتمعّن، ثم تنهد وقال:

_ "لنوقظ عمر. لا وقت لدينا."

ذهب الفتى مباشرة ليوقظ عمر و بسرعة قاموا بلم أغراضهم و ربطها على سروج الاحصنة ثم ركبوها و انطلقوا .

بعد مسيرة ساعات عبر الطريق الجاف ،امتد الطريق المتشقق أمامهم كجلد أفعى تائهة، يشقّ اليابسة الجافة خارج أطراف الصحراء نحو أرض صخرية خالية من الحياة، كأنها امتداد لخرابٍ داخلي يعصف بهم واحدًا تلو الآخر.

كان قيدار يخطو بصمت، خطواته أثقل من الرمال ذاتها، عيناه شاردتان في اللاشيء، وملامحه تائهة وكأن كيانه قد تبخر بين ألسنة الشمس ونبض الهزيمة. لم يكن يمشي... بل يُقاد.

أما سارم، فقد بدا مختلفًا. تصرفاته أصبحت مشوبة بالغرابة، عيناه تلتفتان أكثر من اللازم، يهمس بكلمات مبهمة، ويرمق قيدار بنظرات غير مفهومة. هذا ما جعل عمر يرتاب، إحساس داخلي خفي بدأ يدق ناقوس الإنذار في صدره، كأن الغريب الذي يسير بجانبه... ليس سارم الذي عرفه.

وعندما وصلوا أخيرًا إلى قرية نائية، مهجورة كأنها رفات حلم قديم، قرروا أن يستريحوا قليلاً. كانت البيوت صامتة، لا أنفاس فيها ولا أرواح، مجرد جدران تنظر إليهم بشكّ تركهم سارم عند مدخلها و ذهب ليتفقد المنازل .

جلس عمر قرب قيدار الذي كان قد غاص في شروده مرة أخرى، ثم هزّه برفق وقال بنبرة حازمة:

_"يا فتى... لا تستسلم لهذا الأمر. أنت محارب. هل يُعقل أن ينهزم المحارب من أول معركة؟".

رفع قيدار عينيه بصعوبة، صوته متهدج كأن الكلمات تحاول الفرار من حلقه:

_ "لكنني لم أعد كما كنت... لقد فقدت السيطرة على نفسي. لم أعد أشعر أنني أنا..."

وضع عمر يده على كتفه بثقة:

_ "هذا أمر لن يُحل إلا بالتجاهل... لا تقلق، فلا يعد هذا جبنا، بعض المعارك تتطلب تراجعًا ... كي نضمن النصر في المرة القادمة."

كان للكلمات وقعها. ارتجف شيء ما في داخل قيدار، وكأنها أشعلت جمرًا تحت رماد روحه، فرفع رأسه قليلًا، وفي عينيه بريق خافت... بداية عودة.

في تلك اللحظة، عاد سارم مسرعًا وأشار نحو أحد البيوت قائلاً إنه وجد لهم مأوى مؤقتًا، فتبعاه دون تردد.

لكن ما إن دلفوا إلى الداخل حتى تجمد الزمان، فقد كان هناك من لم يتوقعوا رؤيته... الملثمون الثلاثة، أولئك الذين طاردوهم في بداية رحلتهم، واقفين بكامل برودهم ومعهم خمسة رجال آخرون، مدججون بالسلاح، لا يتحدثون، فقط ينظرون.

لكن الصدمة الكبرى لم تكن فيهم... بل في سارم، الذي تراجع خطوات للوراء، ثم استدار نحوهم دون أن يحاول الدفاع عن نفسه.

التفت اليه أحد الملثمين قائلا:

"أحسنت يا سارم. استدرجتهما ببراعة... القائد لن ينسى لك هذا."

لم ينبس عمر ببنت شفة، عيناه جامدتان على سارم، كأن قلبه توقف لحظة عن الخفقان .

_" سارم !!! ... هل أنت تخوننا ". قالها عمر من وسط دهشة .

رد سارم بهدوء كمن يدافع عن جرمه أمام صديق قديم:

_ "عمر... أنت أعز رفاقي. لم أخنك أنت، بل فقط لم أعد أصدق تلك الأكاذيب التي عشناها ... صدقني لقد حاولت ان أقنعك لكنني لاحظت أنك قد أصبحت متعلقا بالفتى و كأنه إبنك (تغيرت نبرة صوته قليلا و بدى و كأنه يحاول اقناع عمر ) اسمعني يا صاحبي هل من المعقول حقا أن نضحي بأنفسنا من أجل هذا ... هذا الفتى عديم النسب ؟! هل الانتماء يعني أن تضحي روحك من أجل إبن زعيم القبيلة ؟".

قال عمر بصوت خافت لكن حاد:

_ "يالك من أحمق... لقد خانك قلبك قبل أن تخوننا. نحن لم نحميه لأنه ابن الزعيم، بل لأن كل فرد من القبيلة رأى فيه أملًا... تضحية ليست لأجله فقط، بل لأجل ما يمثّله."

صرخ سارم:

_ "أمل؟ عن أي أمل تتحدث ؟ توقف عن تصديق هذه التراهات لقد خاننا الزعيم قبل ان اقدم انا على فعل هذا ... إستيقظ يا صديقي العزيز لا أحد يستحق أن تضحي من أجله روحك هي الأهم ... عندما كدت أموت لوحدي في غياهب الصحراء أدركت أن هذا اليتيم لا يستحق أبدا التضحية من أجله ... يا عمر هل ستظل تكذب على نفسك من أجل حمايته؟"

صمت عمر و لأول مرة لم تنفعه كلماته الحكيمة في الرد على سارم الذي قد أظهر للتو نواياه الحقيقية .

وقف قيدار في خضم كل هذا صامتًا، خجلاً، متألماً، وكأن الكلمات خناجر تغرس فيه. لم ينطق، لم يدافع، فقط أطرق رأسه.

ثم قال سارم ببرود:

_"ها هما. لا تقلقوا... الفتى هذا يمتلك طاقة غير مستقرة، لكنه ليس مخيفا إنه مجرد رملي كغيره."

وبدأ بالتراجع، حتى غمره الظل، وتوارى عن الأنظار.

تركهم وحدهم، وسط سبعة رجال يتأهبون للهجوم... وترك جرحًا أعمق من أي خيانة أخرى.

يتبع ....

2025/07/24 · 125 مشاهدة · 1123 كلمة
نادي الروايات - 2026