المشهد العاشر :"بوادر الخيانة ج2".
لم تمر سوى لحظات على غياب سارم، حتى وجد عمر وقيدار نفسيهما محاصرين داخل البيت الطيني من قبل سبعة رجال، استلّ كل منهم سيفًا مقوسًا، مشحودا بالرعب و الموت .
وقف عمر بكل ما تبقى فيه من رباطة جأش، وانحنى قليلًا للأمام، واضعًا جسده كدرع حيّ أمام قيدار، الذي كان ما يزال شارد الذهن، محاصرًا بذهوله، وكأن خيانة سارم قد نزعت عنه آخر خيوط الأمان في هذا العالم.
في تلك اللحظة، تراجعت نظرات قيدار إلى أعماقه، قلبه يتقلب فوق صدمةٍ جديدة، لم يكن مستعدًا لها... سارم، رفيق الدرب، صاحب الدم الخفيف، الذي كانت ضحكاته تخفف عنهم قسوة الصحراء، انقلب في لحظة إلى خنجر غُرس في ظهورهم... الفتى لم يستوعب، ولم يتحرك، ولم ينبس بكلمة.
اقترب الرجال بخطوات بطيئة، مدروسة، وصوت السيوف يهمس بالتهديد. أما عمر، فقد أخرج بهدوء جرة رمل صغيرة من جيب محفظته الصوفية، وبدأ يجمع ما بقي له من التركيز، مستعدًا لتفعيل الرمال المتحركة في اللحظة الحرجة.
في لحظة غير متوقعة علاصوت من خلفهم، رخيم، واثق، مشبع بهيبة لا تخفى، كأن الصمت نفسه انحنى حين سمعه.
_"لا تمسوهما بسوء".
استدار الجميع، وبدون كلمة، خفض الرجال سيوفهم وطأطؤوا رؤوسهم احترامًا. عند عتبة الباب وقف رجل أنيق، مهيب، يرتدي حلة بيضاء مزخرفة بالأحمر القاني، وعمامة مميزة دلّت على مكانته العالية، وربما سلطته المطلقة.
دخل بخطى واثقة و صمت مهيب ، تبعته نظرات عمر بحذر، حتى وقف قبالته مباشرة.
ابتسم الرجل ابتسامة ضيقة، لا دفء فيها، وقال بنبرة هادئة:
_"لا تخف، لم نأتِ لأذيتكما."
رد عليه عمر بسخرية مفرطة و تهكم:
_"أجل، هذا واضح... شكرًا على هذا الترحيب الحار. هل هي عادتكم أن تتعارفوا بالسيوف والتهديد؟".
قهقه الرجل عاليًا وصفق بيديه بحرارة مصطنعة:
_"هاهاها، دمك خفيف، أعجبتني! أحب هذا النوع من المحاربين حقًا."
ثم مال برأسه ببطء إلى اليمين، وعيناه تتفحصان قيدار خلف ظهر عمر: "وهذا... من يكون؟ ابنك؟".
تغيرت ملامح عمر على الفور إلى الجديّة، وتراجع خطوتين للخلف، حاجزًا الطريق بجسده من جديد. لكن الرجل قفز في لمح البصر، بطريقة أقرب للطيف من الجسد، وحطّ أمام قيدار مباشرة، وجهًا لوجه، فابتسم وقال:
_"مرحبًا."
رفع قيدار نظره إليه ببطء، وعيناه شبه خاويتين، بلا أي أثر للذعر، وهو ما أثار دهشة الرجل، الذي قال في نفسه:
_"يا له من فتى مذهل... لم يبدُ عليه الخوف مطلقًا. على عكس الأكبر، الذي يبدو أنه على وشك أن يتبول من الرعب... خطتي تسير أفضل مما توقعت ... لقد غيرت رأيي سأستعمله."
مد يده وأمسك بذقن قيدار برفق، يتفحص وجهه، كأنما يرى فيه شيئًا لا يراه الآخرون ...لقد رأى لتوه شيئًا ثمينًا.
أما عمر، فقد تراجع ببطء، وعيناه لا تصدقان ما يحدث، و قد كان يهمس لنفسه قائلا:
_"لقد ... لقد شُلّ جسدي! ما هذا؟! هل من المعقول أن يمتلك هذا الرجل قدرة كهذه حقا؟!".
وضع الرجل يديه خلف ظهره، واستدار مبتعدا عنهما ثم أشار لرجاله أن يقيدوهما وينقلوهما إلى العربة.
وأثناء خروجهما من البيت، التفت قيدار للحظة، فوقع بصره على سارم واقفًا هناك امام عتبة المنزل ينتظر لوحده .
نظر إليه قيدار نظرة كأنها نصلٌ غُرس في صدره... نظرة تسأل دون صوت:
_"لماذا يا سارم؟... لماذا فعلت بنا هذا؟"
ورد عليه سارم في داخله، بصوت مشبع بالمرارة:
_ "لا تنظر إلي هكذا يا ولد ... هذه هي الحياة كما أنه خطأ والدك أساسا هو من دفع بنا إلى الموت يظن أننا بيادق يحمي بها إرثه يظن أن الناس لا يمتلكون ارواحا ليدافعوا عنها ."
تقدم سارم محاولا أن يتحدث إلى عمر لكن عمر أشاح وجهه عنه تمامًا ، لقد تبرأ من صحبتهما التي دامت سنوات عدة .
انطلقت بهم العربة عبر طريق مغطى بالأشجار، معبّد، سهل، على النقيض تمامًا من الصحراء التي عبروها سابقًا. وهنا فقط أدرك عمر الحقيقة المرة...
_ "لقد اختار سارم طريق الصحراء ليُنهكنا... وليسهّل القبض علينا لاحقًا ... كم كنت مغفلًا!".
ساعات مرت، حتى وصلت العربة إلى المدينة مدينة زهرة الساحل ، وتوقفت عند مدخل فخم يتربع عند تلة خضراء مزروعة بالأشجارمن شتى الاصناف ، أشبه بلوحة نُسجت من الترف والجمال.
تم انزالهما، ووقف عمر مبهورًا أمام القصر الذي اعتلى التلة، أما قيدار، فقد بدأ يعود إلى وعيه قليلًا، يتأمل فخامة ما هو مقبل عليه، كمن غادر الكابوس ودخل حلمًا بلا تفسير.
أمر الرجل الأنيق الحراس بفتح الأبواب، وصعدوا بهم درجات طويلة مزخرفة، حتى وصلوا إلى أعلى نقطة في القصر، حيث بُهر الاثنان بروعة البناء والزخارف، جمال لم تلمسه أعينهما من قبل.
وهناك، أمام بوابة القصر الكبرى، قال الرجل بنبرة باردة، وهو يشير إلى الحراس:
_"أحسنوا إلى الفتى... وزجوا بالرجل في سجن القصر السفلي.".
ثم التفت إلى قيدار، وقال بابتسامة مريبة:
_ "هكذا ... فقط هكذا كان يتم ترويض الوحوش أمثالك منذ القدم ".
يتبع ....