المشهد الحادي عشر :" المؤامرة ".

داخل قصر أسرة شيام إجتمع العديد من الرجال ذوي الهيأت المترفة ملابسهم من الحرير و عمائمهم مميزة أطرافها تتدلى حتى أسفل ظهورهم عددهم حوالي ثلاثة عشرة شخصا مصفين على كلا جانبي قاعة العرش ، على العرش يجلس الأمير "ماروان" ينظر إلى الرؤوس المطأطأة بصمت ثم عدل أكمام عبائته و قال و هو ينظر إلى النافذة على يساره :

_" لقد قما بإحضاره ... بماذا تشيرون علي ؟".

خرج أحد الحضور من الصف و أحنى رأسه قائلا و عيناه مثبتتان على الارض:

_" من الافضل أن نتخلص منه و من الكبير فلا يمكننا تكهن ما قد يأتينا منهما فأنت كما تعلم يا سيدي فكلاهما من قبيلة الأيادي البيضاء و لطالما إمتلك أسياد هذه القبيلة ميزة قوية جدا ".

مط الأمير شفتيه محركا رأسه بتفهم في نفس الوقت ثم ضرب بقدمه البلاط تحته بهدوء و قال :

_" هل من رأي آخر ؟".

خرج شخص آخر من الصف ليدلي برأيه هو أيضا :

_" أنا اوافق السيد أشهب في رأيه فمن المحتمل أن يصيبنا خطر كبير من جراء تواجدهم هنا أحياء لكنني أخالفه في شيء واحد فقط (رفع الأمير رأسه و تابع الرجل كلامه) ... لا يجب قتله بل نفيه بعيدا أما والده او مربيه فإقتله هذا أبرأ لنا من أن نلطخ أيدينا بدم طفل صغير ".

_" أصبت ... لكنني أمتلك رأيا آخر (إلتفت الجميع ناحيته بتمعن و كلهم آذان صاغية) سنبقيه هنا كخادم و نربيه بيننا أما الكبير فسأرى ماذا يمكنني أن افعل به ، سنحتفظ بالفتى كما قلت و نستعمله في شؤوننا ها , ما رأيكم؟".

بدأت الاصوات تتعالى لكن كلها تبشر بأن جميعهم قد وافقوا رأيه ، إلتفت أحدهم و قال :

_" نحن موافقون يا سيدي لكن توخى الحذر ضع عليه مراقبا فلا يمكننا ضمان ولائه فيما بعد ".

_" سآخذ نصيحتك بعين الاعتبار (رفع يده مشيرا لهم بالانصراف و قال) يمكنكم الانصراف سنتناقش في شؤون المدينة غدا ".

أحنى الحضور رؤوسهم و تراجعوا ببطئ ثم خرجوا صف وراء بعضهم البعض ثم أغلقت الابواب خلفهم .

بقي الأمير لوحده في القاعة، يده اليسرى على ذقنه، يمرر أصابعه ببطء فوق لحيته القصيرة السوداء وهو يتأمل المكان بصمت. كان شعاع شمس الغروب يتسلل من النافذة الطويلة ويعكس ظله على الأرضية اللامعة، بينما انسحب الخدم والحرس بهدوء.

همس لنفسه بنبرة أقرب للتفكير منها للكلام:

"ابن الأيادي البيضاء... لم أكن أتوقع أن يصل إلي بهذه السرعة... يبدو أن التاريخ يُصر على إعادة نفسه، لكن هذه المرة... سأكون أنا من يُملي فصوله."

قام من مكانه، وسار ببطء نحو النافذة التي تطل على الساحة الأمامية للقصر. من بعيد، كان بإمكانه رؤية العربات التي جلبت قيدار وعمر وهي تُعاد إلى الإسطبلات، ورجال الحراسة يتبادلون الأوامر.

"يا له من زمنٍ غريب... الأب يُضحّي، والابن يتوه، ثم يعود... لكن هل يعود ليحكم، أم ليُسحق؟ هذا ما سنعرفه."

ثم التفت إلى رسمة جدارية مرسومة بطريقة يدوية و حيزها منقوش بعمق على جدار القاعة كانت الرسمة تصور رجلا بملابس فخمة العمامة البيضاء المزخرفة بالاحمر لطالما كان هذان اللونان يرمزان لفخامة و عراقة أسرة شيام ، العمامة عند أهلا الأقاليم الصحرواية تمثل السطوة و الهيبة .

اقترب ماروان من الجدار وتوقف أمامه قليلاً قبل أن يقول بابتسامة باردة:

"سامحني يا جدي... لكن زمن المثالية قد ولّى، نحن في زمن اللعبة الذكية... سأفي بوعدي و أعيد الملك لأصحابه كما كان من قبل لن أترك لقب المستخلف يؤخذ من أيدينا طويلا."

ثم دق على الجرس النحاسي الموضوع قرب العرش، فدخل خادمٌ مسن بسرعة، منحنيًا.

_"نعم سيدي؟"

قال ماروان:

_"جهز له جناح الخدم الجنوبي، لا تتركه يختلط بأحد دون إذني، وفّر له طعامًا ولباسًا بسيطًا... أما عمر، فخذوه إلى الزنزانة السفلية وأبقوا عليه الحراسة مشددة."

انحنى الخادم وقال:

_"أمرك يا مولاي."

ثم خرج، وبقي ماروان واقفًا، يحدّق في باب القاعة ، كأنما يرى مستقبلاً يُصاغ على نصل خنجر.

انتقل المشهد بهدوء إلى قيدار، الذي كان يقف متأملاً النقوش والزخارف المتقنة المنتشرة على جدران القصر. بدا عليه شيء من التيقظ، وكأن روحه بدأت تخرج من صدمتها قليلاً، فقد امتزج بهاء المكان مع رهبة الحدث، ليخلق في داخله شعورًا مزدوجًا بين الدهشة والقلق. كان القصر جميلًا و ساحر، وكأنما انتُزع من إحدى حكايات الخيال... لكنه في قرارة نفسه، لم يكن يرى سوى ظل عمر، يتردد في أعماقه، يسأله: "أين هو الآن؟... وماذا فعلوا به؟"

قطع أفكاره دخول شاب في مقتبل العشرين، أسمر اللون، بهي الهيئة، بملابس خدم شرق اوسطية بسيطة ولكن أنيقة، وشعر داكن ينسدل بانضباط. ابتسم برقة وقال بصوت فيه دفء:

_ "تفضل من هنا، أيها الضيف الصغير."

نظر إليه قيدار بنظرة شاردة، ثم تبعه بصمت.

قاد الشاب الفتى عبر ممرات مزينة بالفوانيس والستائر المطرزة، حتى وصلا إلى غرفة لا تقل روعة عن القصر نفسه: جدران مطلية بعناية، سرير منخفض مفروش على بساط عربي، نمارق موزعة في الأرجاء، وفوانيس زجاجية تتوهج بألوان حمراء وزرقاء، وشرفة تطل على الميناء... كأنها حقًا إحدى غرف ألف ليلة وليلة.

دخل قيدار دون أن يستأذن، مأخوذًا بروعة التفاصيل، بدأ يلمس الأشياء كما لو أنها غير حقيقية، ثم سار إلى الشرفة... وهناك، توقّف الزمن عنده للحظة.

أمام ناظريه، كانت الشمس تنحدر ببطء خلف البحر، وتلوّن السماء بأطياف برتقالية وذهبية، فيما كانت المدينة والميناء يضجان بالحياة من تحته... كان أجمل منظر رآه في حياته.

لاحظ الشاب انبهاره فوضع قبضته على فمه مخفيا ابتسامة و كأنه يحاول كتم نفسه لئلا ينفجر و قال :

_ "يبدو أن المكان قد أعجبك، أيها السيد الصغير."

قالها الشاب مبتسمًا، ثم أضاف بلطف:

"هذه غرفتك... ستقيم فيها إلى أن يطلبك الأمير."

ثم غادر وأغلق الباب خلفه، تاركًا قيدار في شرود عميق. بقي الفتى واقفًا عند الشرفة، يضع كفيه على الحاجز المزخرف، والنسيم يداعب خصلات شعره المتسخة برمال الرحلة الطويلة.

_ "هل يمكن أن أنسى؟... هل يمكن أن يأخذني هذا الجمال بعيدًا عن عمر؟ لقد عانى بسببي، لا يمكنني أن أترك كل شيء هكذا... يجب أن أرد له الجميل، بأي ثمن. لكن... كيف؟"

في مكان آخر، أسفل القصر، حيث العتمة والرطوبة والسكون القاتم... كان عمر يجلس خلف القضبان، مسنِدًا ظهره إلى الجدار المتشقق، يمد احدى ساقيه مثنيا الاخرى تحت ذراعه. رأسه منكس، وعيناه مثبتتان على الأرضية المتسخة. لم يكن يرى، بل كان يغوص في عمق الإحساس بالخذلان.

_ "هذا ما جنيته في النهاية... فشل، لا أكثر."

و فجأة التقط سمعه خطواتٌ قادمة قطعت عليه شروده... رفع رأسه، متهيأ ليرى من القادم .

تبين في النهاية أنه الأمير ماروان، واقف أمامه، بابتسامة غامضة، ونظرة لا تحمل أي ندم تجهم عمر فور رأيته و عاد ليستند من جديد .

ظل الأمير ماروان يسير في الرواق الضيق أمام الزنزانة، يضرب بكعبي حذائه أرض البلاط بنغمة منتظمة، بينما يضمّ يديه خلف ظهره، ثم قال بنبرة ظاهرها هدوء وباطنها احتقار:

_"الفتى ليس ابنك... هذا واضح تمامًا. فمن المستحيل أن يبقى والده حيًا."

ضاقت عينا عمر، وتصلبت ملامحه، ثم رد بصوت خافت لكنه يحمل شوكة الغضب:

_ "ماذا تقصد؟!"

توقف ماروان عن السير والتفت نحوه بابتسامة صغيرة ماكرة:

_ "أنا على علم تام بأنكما هاربان من مجزرة كبيرة، وكنتما تعيشان هنا في مدينتي منذ فترة. لقد كنت أتعقبكما... منذ أن عرفت هويتكما. فردان من قبيلة الأيادي البيضاء، أليس كذلك؟"

ارتفع حاجبا عمر، وانتصب في جلسته فجأة، ثم قال بحدة:

_ "لماذا تفعل كل هذا؟ ما علاقتنا بك؟!"

أجاب الأمير ببرود وهو يتراجع خطوة:

_ "لستَ أنت الهدف."

لكن عمر قاطعه بسرعة، وعيناه تقدحان شررًا:

_"أعلم هذا منذ أن كان أتباعك يطاردوننا... لماذا هو بالذات؟! ما الذي تريدونه من الفتى؟!"

أدار ماروان وجهه قليلاً، وكأن الكلام أقل من مقامه، ثم قال بنبرة متعالية:

_ "وهل عليّ أن أشرح لك كل شيء؟ حقًا؟! يبدو أن سيدك لم يكن شجاعًا كفاية ليُخبرك لماذا قام بتهريب ابنه أثناء المجزرة..."

ثم هزّ رأسه وكأنه يواسي عمر باستهزاء:

_"تتتتتتت ... يا له من زعيم فاشل ... لو أخبرك بالحقيقة، لما كنتَ جئتَ بقدميك إلى هنا... إلى عريني."

(ثم تغيّرت ملامحه فجأة، وارتسمت على وجهه نظرة قاتمة مخيفة، وصوته امتلأ بالحقد).

_"لقد رماكم بجهله إلى مخالب الشبل... ذلك الشبل الذي مزق أباه من قبل."

ابتسم بخبث وهو يقترب أكثر من القضبان:

_"وهذا هو وقت الانتقام... ابنه الآن بين يديّ، أليس كذلك؟"

و في هذه اللحظة سقطت الاقنعة و انقشع الغبار عن لغز قديم لم يعرف عمر له جوابا .

انفتحت في عقل عمر فجأة بوابات الحقيقة دفعة واحدة... وارتسم الذهول على وجهه. فتح عينيه عن آخرهما، يكاد لا يصدق ما سمعه للتو. نعم... لقد فهمها.

"ماروان كان جزءًا من ذلك اليوم المشؤوم... من تلك الإبادة التي أحرقت كل شيء... وربما...

هو من خطط لها."

يتبع ....

2025/08/02 · 238 مشاهدة · 1333 كلمة
نادي الروايات - 2026