المشهد الثاني عشرا :"أسرار الخادم".
مرت دقائق معدودة، داخل دهاليز قصر "أسرة شيام"، كان الأمير ماروان يحدّق في عيني عمر، كأنه يستمتع بتمزيق آخر خيطٍ من ثباته. عمر ظلّ صامتًا، وعيناه مفتوحتان عن آخرهما، بينما شريط المجزرة يُعرض في عقله كأنه يعيشها من جديد... أشلاء، نار، صرخات، خيول تهرب، ورفاق يسقطون كأوراق الخريف. كان يركب خلف سارم، هاربًا، بينما القلوب تُذبح من حوله.
قطع الأمير الصمت، بصوت متهكم، ونبرة ملؤها الانتقام:
_ "اليوم ستشرق شمس عصر جديد... لا يزال أمامي ثلاثة فقط... بعد أن أجدهم، سأحوّل قارة الصحراء إلى جحيم! ليذوقوا جميعًا عاقبة خيانة أسرة شيام."
لم يردّ عمر. لم يتحرك حتى. فقط عينيه تغليان. غادر الأمير، وقد نال مبتغاه من رؤيته بهذا الشكل.
في الأعلى، داخل الغرفة المزخرفة، كان قيدار يقف أمام شرفته يحدّق في القمر. منظر السماء الهادئة خفّف قليلاً من نيران عقله، لكن شيئًا في داخله يصرخ: "ماذا يفعلون بك الآن يا عمر؟".
لاح صوت دقدقة الباب قاطعا عنه حبال افكاره فالتفت ناحيتها و رد بصوت عالي :
_" تفضل ".
دخل الشاب الخادم مجددا مبتسمًا بأدب:
_ "هل تسمح لي بالجلوس، أيها الضيف الصغير؟"
أذن له قيدار، فجلس بجانبه، و نظر هو الآخر الى السماء المتلألئة بالنجوم ثم مد رجليه و استند بكلتا ذراعيه و قال بصوت هادئ و هامس :
_" المكان هنا رائع حقا و بالاخص هذا الجناح الذي تقيم فيه فهو يطل مباشرة على الساحل ... إنه أجمل ساحل في كامل القارة تقريبا و هذه أجمل مدينة فيه ايضا لذا تم تسميتها بزهرة الساحل".
ابتسم قيدار له بصمت بينما تابع الخادم التحدث عن القمر، عن زخارف القصر، عن الجمال لا يشبه أي شيء قد شهده قيدار في حياته. بدأ يأنس له ... حتى قال له الخادم:
_ " اسمك هو قيدار صحيح ؟(أومأ قيدار برأسه مؤكدا) إسم جميل و من الناذر السماع عن شخص يحمل مثل هذا الاسم اسمي راجي".
_" قد تشرفت بمعرفتك يا ... سيد راجي". قالها قيدار مترددا .
ابتسم له راجي ابتسامة بريئة و اردف قائلا:
_" لا بأس في أن تناديني بإسمي فقط او خادم".
نكس قيدار رأسه متأسفا ثم قال بصوت جاد:
_" من منظرك هذا لا يبدو أنك خادم ابدا بل ما يشبه بالامير ".
ضحك الشاب مغطيا فمه بقبضة يده ثم قال بعد أن سعل:
_" هل تظن أن الناس يولدون خداما او أمراءا يافتى ؟!(إحمرت وجنتا قيدار من الخجل) وصفك لي بأنني الأمير كثير علي لكن تستطيع القول بأنني كنت أشبه بما قلته فأنا كنت سليل احد زعماء قبيلة مرموقة و قد جئت إلى هنا كما أتيت أنت... جاؤوا بي بعد أن قتلوا والدي أمام عيني، وقالوا إنني سأكون مفيدًا في يومٍ ما. وأنا الآن خادم."
أخفض قيدار رأسه، لكن راجي أكمل، بصوت خافت:
_ "الأمير يجمع أبناء القبائل العشر، سرًا... لقد سمعته بأذني وهو يخطط لجيشٍ خفي... كتيبة لا يعلم عنها أحد، جيش لمهاجمة بلاد الأنهار. لقد أفشى كل شيء في إحدى ليالي سُكره، ثم قتل الجارية التي كانت معه مخافة أن تفشي سره ... لكنه لا يعرف أنني كنت هناك، أسمع."
فتح قيدار عينيه، صامتًا، مذهولًا من كمية الأسرار.
_"إنه يستغلنا، أنا، وأنت... وكل من على شاكلتنا لهذا السبب،
إن حقده على السلالة الحاكمة لبلاد الأنهار أعماه عن رؤية أن الناس بم يخلقو له لكنه يعاند و يبطش بكل من انتسب لإحدى هذه القبائل ".
_" منذ متى و أنت هنا بهذا القصر؟".
_" تقريبا حوالي أربعة سنوات ".
_" أربعة سنوات !!!؟".قالها قيدار متعجبا .
_" نعم كما سمعت ... مكثت هنا أربع سنوات ذقت فيها ألوانا من العذاب لم أنم خلالها كباقي البشر أبدا ، تخيل تعمل منظفا طوال النهار و عندما يأتي الليل ينظف متكأ الامير و ترمي زجاجات الخمر حتى لايراها وزراءه في الصباح ثم تذهب إلى الفراش لتنام حوالي ساعتين و بعدها تستيقظ ليبدأ يوم عمل جديد ".
نظر إليه قيدار بعينان حزينتين مشفقا على حاله ثم قال بصوت هامس :
_" ألم تفكر بالهرب من قبل ؟".
التفت اليه راجي بملامح جادة :
_" بلى ، فكرت في ذلك مرارا و حاولت ذلك أيضا و نجحت لكنني أبيت العرب في النهاية ".
إحتار الفتى من جوابه و بقي يحدق به لفترة ثم قال بعدما طال به الإستغراب :
_" هل أنت جاد ؟!! تمكنت من الهروب ثم بقيت هنا تتعذب ؟ ... لقد بدأت أشك في أمرك حقا يا فتى ".
إبتسم الشاب مجددا و قال معقبا على كلامه:
_" لم أفعل ذلك حبا في المكان ".
_" إذن لماذا بقيت هنا ؟".
نظر إليه راجي بوجه جاد و قال:
_" إعتبره سرا و سأخبرك عندما يحين الوقت لذا لا تقلق لكن هذا لا يعني بأنني لن أساعدك على الهرب ".
شعر قيدار في هذه اللحظة بشعور كمن عاد إلى الحياة من جديد ، إلى هنا قام راجي مغادرا و قبل أن يغلق الباب نظر الى قيدار و قال:
_" لن تطول إقامتك هنا ... ثق بي ".
و بعدها أغلق الباب و غادر.
في ساحة القصر، جلس الأمير ماروان على فراش من النمارق تحت ضوء الفوانيس المتلألئة كنجوم على الأرض، يحتسي الخمر بصمت مريب. عيناه نصف مغمضتين، وابتسامة خبيثة على وجهه.
ظهر شاب بهيئة أمير، له ملامح تشبهه كثيرًا، اقترب ببطء ثم وقف متأملاً أباه دون أن ينبس بكلمة. اسمه كان "يزيد" أراد التحدث إليه لكن بعد أن شاهده بهذه الحالة تنهد و أدرك أن والده في حالة لا تسمح بالحديث، فاستدار مغادرًا و على وجهه تعابير القلق .
في طريقه إلى جناحه صادف راجي،فحدّق فيه باحتقار، وقال:
_ "أين كنت؟".
تردد راجي، ثم أجاب بصوت منخفض:
_ "كنت في غرفة الضيف".
تغيّر وجه يزيد فجأة. فأمسك راجي من تلابيبه وصرخ:
_"إن علم والدي بما فعلته، فستموت! ألم تعلم بأن الأمير قد أوصى بأن لا يكلمه أحد بدون إذن مباسر منه؟"
ارتبك راجي، وانحنى قائلاً:
_" أعلم و أعدك... لن أكررها."
تركه يزيد، وهو يهمس بغضب:
_ "نأمل ذلك ،نأمل ذلك... هيا اختفِ من أمامي."
تابع راجي طريقه إلا أن يزيد بقي في الرواق ينظر ناحية غرفة قيدار و كأنه يريد الذهاب إليه لكنه سرعانما غير وجهته و إتجه عائدا إلى والده.
في الغرفة، ظل قيدار يفكر بكل ما قيل له. في داخله، بدأت بذور خطة تتشكل. كان يفكر بكيفية الهرب من المكان لكنه تذكر بأن القصر مليئ بالحراس و الرجال المحترفين و لن يتمكن أبدا من الوقوف أمامهم ليواجههم و في هذه اللحظة بالذات خطرت على باله فكرة ، فكرة لطالما سببت له بوجع نفسي لأيام لقد قرر أن يحرّر طاقته، حتى لو أعاده ذلك إلى الهمسات المخيفة... إلى الكوابيس التي كان يراها حتى و هو مستيقظ و التي هددت بتمزيق عقله. لكنه تمتم لنفسه، ونظره نحو المدينة:
_ "هذه المرة... لن أهرب. حتى لو احترقت سأتابع حتى أصل إلى العمق إما أن أهرب أو أموت الليلة."
يتبع ....