المشهد 13:" الحقيقة".
أغمض قيدار عينيه و أخذ يتنفس ببطئ وهدوء تام و هيأ نفسه هذه المرة للأعراض و عزم على عدم التوقف حتى إن تطلب الأمر موته ، و بالفعل بدأت تلك الأعراض تظهر عليه من جديد ، جسده يرتعش الآن و العرق يتصبب من جبينه هو الآن على وشك أن يواجه المجهول ، بدأت تلك الهمسات تلوح في أذنيه مجددا أبى قيدار الانصات إليها لكنها في كل مرة تعلو أكثر حتى باتت مسموعة .
_" هل تظن نفسك جديرا بحمل قوتي ؟ أنتم البشر فعلا حمقى و أنت أيها الفتى قد جئت اليوم إلى حتفك و هلاكك كما فعل الذين من قبلك ههههههه".
كاد قيدار أن يفقد تركيز فهو الآن قد إصطدم بالكيان الذي يرقد في داخله و لم يكن قبل هذا يعلم بوجوده .
_"لطالما ظن بنو البشر أنهم هنا في هذا العالم لوحدهم ... نحن معكم نراقبكم من بعيد من حيث لا تروننا نساكنكم في أجسادكم و نشارككم حيواتكم _من الحياة_ عليك أن تعرف شيئا أيها الفتى إن أنت إستسلمت لي اليوم سأمنحك قوتي كاملة و إن أبيت سأحولك إلى شيطان لا يطيق بنو جنسك حتى مجالسته ".
إزداد رعاش جسده بوتيرة مريبة حتى أن أسنانه بدأت تصطك ببعضها و بدأ يشعر بذلك الشعور ... إنه على وشك أن يفقد جسده و وعيه . و بالفعل حصل المحظور ، وقع قيدار مغشيا عليه داخل الغرفة الواسعة الفتى قد ... غادر .
في الأسفل داخل الزنزانة وضع الحارس (سينية) الطعام أمام عمر الذي بقي يحدق بها دون أن يمد يده إليها حتى و كأنه قد تقزز حتى من رائحة الطعام ،في أعماقه يفكر بحال قيدار فلطالما كان ذاك الفتى أنيسه و رفيقه لم يتخيل أبدا أن يأتي هذا اليوم ، اليوم الذي سيفترقان فيه لكن لن يتمكن أحدهما من توديع الآخر هو حاليا يشعر بمرارة الفراق بعد سنين قضاها برفقته ،ذكرياتهما المشتركة تعرض عليه الآن في ذهنه و قد تأثر لدرجة أنه و لأول مرة في حياته يذرف الدموع .
_" أكاد لا أصدق حتى بأن هذا حصل ، هذا الشعور مجددا ينثابني ... "شعور العجز" (وضع كلتا يديه على رأسه) هل قضيت عمري كله في إنقاذه و في النهاية لا أحصل حتى على نظرة أخيرة".
تنهد بعمق قبل أن يغلق عينيه مستسلما أخيرا للواقع و بعدها بدأ جسده ينزلق ببطئ حتى إستلقى بأكمله على الارضية العفنة و سكت .
أمام بوابة القصر أسفل التلة كان يقف السبب وراء كل هذه المعانات "سارم" ، كان يقف ناظرا إلى القصر بنظرات مترددة و كأنه يخبئ بداخله ندما عيناه شبه مائلتان و ملامحه شاحبة و كأنه لم ينم لأيام .
تقدم ببطئ ناحية الحراس و أخبرهم بأنه يريد أن يلتقي بالأمير إلا أن الحراس أبوا أن يدخلوه و ظل يلح عليهم حتى رضخ أحدهم و دخل طالبا الإذن تنهد سارم مستبشرا بالأمر و بعد دقائق عاد الحارس و لم يكلمه حتى ،إنتظر الأخير رده لكن الحارس ألقى اليه بنظرة جافة و لم ينبس بأي كلمة عرف سارم على الفور بأنه قد تعرض للرفض فغادر مبتعدا ثم توقف أمام منزل بجانب الشارع المقابل لباب القصر و قال في نفسه :
_" إذن فرصة التحدث إلى عمر غير ممكنة ... اللعنة هل سأتركنم يقتلونه هكذا و أنا هنا أتنعم ؟! تبا لك أيها الفتى كل هذا بسببك و أبيك الملعون و الغبي لقد فقدت كل شيء بسببكم (سكت لوهلة و شرارات الغضب تنبعث من عينيه لدرجة أن وجهه قد إحمر ثم أردف) لن أتركه يموت علي أن أفعل شيئا ".
إستدارا ناظرا إلى القصر و ألقى عليه نظرة تحمل في أصلها شيئا من الانتقام .
بالعودة إلى قيدار ، هو الآن مازال مغيب الوعي لكن إحدى يديه ترتعش لوحدها رعاشا ليس طبيعيا و ظل على هذه الحال إلى أن دخل أول شعاع من أشعة شمس الصباح إلى الغرفة حينها دقدق راجي بابها مستأذن بالدخول لكنه لم يتلقى الرد فإضطر للدخول على الفور ليتفاجئ بمنظر ضيفه صريعا على فرائش الغرفة فسارع إليه و أسنده إلى كتفه و بدأ يلطمه بخفة محاولا إيقاظه .
_" قيدار ... قيدار ، أفق ... قيدار هيا فتى إفتح عينيك ".
بدأ الفتى بفتح عينيه تدريجيا فوقع بصره مباشرة على الثرية المتلألئة المتدلية على السقف و قال بصوت المتألم :
_" ما الذي .... حصل ؟ ".
_" لقد كنت فاقدا للوعي ". أجاب راجي .
إعتدل قيدار في جلسته ثم وضع يده على رأسه مقاوما الصداع الخفيف ثم إلتفت إلى الخادم و قال :
_" لقد بدأت أقلق من هذه الحالة ... كلما أردت التأمل لإيقاظ قوتي أفقد وعي بعدها مباشرة".
نظر إليه راجي بجدية مخيفة و قال بنبرة مثيرة للريبة:
_" هل تقومون بإيقاظ قوتكم عن طريق التأمل ؟!".
إستهجن قيدار سؤاله و قطب حاجبيه مستغربا و رد قائلا:
_" ألا تفعلون أنتم نفس الشيء ؟" .
أمومأ راجي برأسه نافيا و قال:
_" يبدو أن من علمك هذه الطريقة لم يرد لك الخير أبدا " .
أول من خطر على بال قيدار في هذه اللحظة بعدما قال راجي كلماته هذه سارم ، فهو الذي حدثه عن التأمل و السيطرة على الطاقة و إيقاظها من الداخل لكنه لم يفهم لحد الان أين يكمن الخطأ في كل هذا ،قطع راجي عنه تساؤلاته قائلا :
_" إن أفضل طريقة لتحرير طاقتك هي التجاوز ... ليس عليك أن تتأمل لإطلاقها أبدا فهذا أمر خطير جدا كما أنها طريقة لا يستخدمها سوى (سكت راجي قليلا و كأنه متردد في قول هذه الجملة لكنه تابع ) سوى الكهنة ".
_" الكهنة ؟!!".
_" نعم ... هم فرقة من الناس يحبون إستخدام قوى غريبة عن طريق التواصل مع الكينونات الداخلية كما يسمونها هم و لحد الآن لا يعلم أحدهم ما المقصود بهذا الإسم ".
فتح قيدار عينيه عن آخرهما و سرح ذهنه مباشرة كما أن صدى تلك الأصوات عادت بعد أن ذكر راجي أمامه كلمة "الكينونات الداخلية" ....
_( ستندم عما قريب ايها الفتى فحياتك لن تصبح كما كانت بعد اليوم ) .
_(نحن معكم دائما نراقبكم من حيث لا تروننا نساكنكم انفسكم و نشارككم حياتكم ).
لقد فهم قيدار ما حصل له أخيرا ، لقد فهم أنه كان ضحية منذ البداية و أن هذا كان جزءا من خطة سارم التضليلية و في هذه اللحظة ضغط الفتى على قبضته بقوة و إحمر وجهه من الغضب و قال بصوت مليئ بالحقد :
_" سأنتقم منك يا سارم ... لم أظن أبدا أنك بهذا السوء ، لقد وثقت بك و هذا ماحصلت عليه ... خنتنا و بعتنا للأمير و قلت في نفس بأنني السبب لعل معاناتك بسببي هي من دفعتك لفعل هذا لكن ... أن تحاول دفعي للمجهول شيء لا يغتفر أنا أقسم من هذه اللحظة بأنني سأحول أيامك إلى ظلام حالك ... أنا أقسم ".
ظر راجي إليه مشفقا عليه و قال له كلمة كان وقعها ثقيلا على مسمع الفتى :
_" هذا كله بسببك ...هل تظن بأن الناس كلهم يحبونك لمجرد أنهم إبتسموا في وجهك ، إن الحقيقة المرة التي عليك معرفتها هي أن الجميع يمتلكون موهبة التمثيل كلهم بارعون في التمثيل و قد يبعونك في أي لحظة مقابل رغباتهم أو نجاتهم ... القلة فقط من يمكنهم أن يتخلو عن أنفسهم من أجلك ".
ابتسم قيدار متذكرا في هذه اللحظة أقرب الناس إليه و أحبهم إلى قلبه "عمر" لقد كان هو الوحيد الذي تحمل المعانات من أجل أن يحميه لكنه تذكر في تلك المرة عندما كانا في طريقهم للهروب ...
_(يا ولد أنا لم أحميك لأنني أحبك بل لأن هذا هو واجبي فقط ).
إختفت الابتسامة من وجهه تدريجيا ثم نكس رأسه ... و سكت .
يتبع ....