المشهد 14: " رد الجميل".
جلس قيدار على طرف السرير، لا تزال كلمات راجي تدور في رأسه كأنها صفعات متتالية. كلما أعادها في ذهنه، شعر بجرح جديد ينفتح داخله. لم يكن يظن أن الخيانة يمكن ان الخيانة لها اوجه عديدة … أو أن الحقيقة يمكن أن تكون بهذا القبح.
نهض ببطء، سار نحو النافذة المطلة على الساحة الداخلية للقصر. الشمس الآن قد ارتفعت، تلقي بضياء ذهبي على الأرضية المرصوفة، لكن قلبه كان غارقًا في ظلام كثيف.
سمع صوت خطوات خلفه، فاستدار ليرى راجي واقفًا يحمل بيده صينية فضية عليها كوب ماء وبعض التمر. وضعها على الطاولة القريبة وقال بنبرة هادئة:
_"ستحتاج لقوتك… الأيام القادمة لن تكون سهلة."
لم يرد قيدار، فقط أخذ الكوب وارتشف منه جرعة طويلة. كان يحاول أن يخفي ارتجاف أصابعه، لكن راجي لاحظ، فاقترب قليلًا وقال:
_"أنت الآن أمام مفترق طرق… إما أن تدع الغضب يقودك حتى تتفتت، أو أن تستخدمه لتصبح شيئًا لا يستطيع أحد كسره."
تأمل قيدار ملامحه لثوانٍ، ثم سأل بصوت منخفض وكأنه يخشى سماع الجواب:
_"وأنت… أي الطرق اخترت؟"
ابتسم راجي ابتسامة حزينة، وأشاح بنظره إلى الأرض.
_"أنا… اخترت أن أبقى خادمًا، لكنني لست عبدًا."
لم يفهم قيدار تمامًا ما يقصده، لكنه شعر بثقل في هذه الكلمات، وكأن وراءها تاريخًا طويلًا من الصمت والانكسارات.
قبل أن يفتح فمه للسؤال، طرق أحد الحراس الباب بعنف، ودخل وهو يلهث:
_"سيدي راجي، الأمير ماروان يطلبك… على الفور."
التفت الحارس إلى قيدار قبل أن يغادر، وألقى عليه نظرة باردة جعلت قلبه ينقبض، ثم خرج مع راجي وأغلق الباب وراءهما.
بقي قيدار وحيدًا، لكن هذه المرة، لم يكن وحده حقًا… فقد أحس بتلك الهمسات تعود، خافتة… لكن واضحة بما يكفي لتجعل ظهره يقشعر.
(لن تنجو منهم… لكن معي، يمكن أن نبتلعهم جميعًا.)
شد قبضته حتى بيضت مفاصله… ولم يقل شيئًا.
وقف راجي امام الغرفة الخاصة بالامير ماروان ينتظر الاذن بالدخول ، لم يكن عليه أي أثر للارتباك لقد كان ثابتا كالجبل نظره مسلط على زخارف الباب و يداه فوق بعضهما مثبتتان أسفل بطنه قليلا .
_" تفضل أدخل ". قالها الامير من خلف الباب بصوت عالي .
دفع راجي باب الغرفة بحذر و بطئ و دخل ، كان الأمير يرتدي عبائته البيضاء المزخرفة بالاحمر يرتبها و هو يقول :
_"هل تقوم بمهمتك على اكمل وجه ؟".
رد راجي بصوت هادئ و واثق :
_" نعم سيدي ... ان الفتى هادئ و غير مشاغب لم يفعل أي شيء ضد رغبتكم حتى انه لم يحاول الهرب ".
ابتسم الامير باستهزاء قائلا :
_" و ماذا عساه ان يفعل غير هذا ... انه يعلم بأنه لا مجال أبدا للهرب إنه محاصر من كل الجهات حتى و إن نجح فوالده معنا و لهذا لن يفكر اصلا بالهرب (عدل عمامته ثم التفت الى راجي) سألتقي به الآن أحضره إلى الساحة أريد أن أكلمه ".
غادر الامير الغرفة تاركا خلفه راجي الذي بدى غائصا في شعاب افكاره ثم إستدار مغادرا الغرفة .
بالعودة إلى قيدار فهو حاليا يفكر بطريقة للخروج من هذا المكان و معه عمر سالمين لكنه لا يمتلك خطة لفعل كل هذا لقد ادرك لتوه أنه بدون فائدة ، لطالما كان عمر حاميه و مسانده و ضحى بعمره من اجل حمايته لكن قيدار لم يعطه شيئا سوى الألم و المعانات و هذا ما جعله يتحسر و يلقي باللوم كله على نفسه .
نظر الفتى ناحية المرآة المثبة في الجدار و بقي يحدق بنفسه ، لقد تغيرت ملامحه يبدو كالبالغين بعد هذه المحنة التي خاضها و بالرغم من أنه أخذ حماما و ارتدى ملابس فاخرة إلا أن كل هذا لم يتمكن من إخفاء آثار الرحلة المتعبة ، وضع يده على خذه يتحسسه ثم اشاح وجهه عن المرأة و اتجه ناحية الباب فأمسك المقبض و سحبها إلى الداخل ثم رفع بصره ليتفاجأ بوجود الأمير يزيد ينتظر أمام الباب شعر قيدار بالارتياب ثم قال و هو يبتسم بتردد:
_" أهلا ... هل تحتاج شيئا ؟!".
نظر الامير اليه نظرة جافة ثم دخل الى الغرفة واضع يديه خلف ظهره قائلا :
_" إذن أنت هو قيدار إبن قبيلة الأيادي البيضاء ؟؟(لم يرد قيدار بشيء ) سمعت بأن قبيلتكم كانت في الماضي من أقوى قبائل الصحراء القادمة من أرض الجنوب التي يطلقون عليها حاليا "أرض الأصول" ... لا تدع نفسك تغتر فنحن تقريبا ننحذر من نفس السلالة فالقبائل العشرة كلها تلتقي في النسب الى جد واحد و هذا ما يجعلنا ان صح التعبير بأبناء عمومة ".
مد يزيد يده ممسكا بحبة عنب اخضر كانت داخل صح ذهبي و تناولها ثم تقدم حتى وصل إلى الشرفة و وضع يديه على الواقية و أردف :
_" فلتكن ممتنا لوالدي فهو رجل ذو قلب رحيم بالرغم من أن جميع حكماء المجلس اتفقوا على قتلك إلا أنه ابى و رضي بأن يجعل جنديا عنده لتخدمه بدل حياتك المقرفة التي كنت تعيشها مع ... عمر كان إسمه أليس كذلك؟؟؟ (شعر قيدار بغضب شديد لكنه كتمه و قبض على يده بشدة محاولا كبح جماحه) مربيك ذاك غبي جدا فهو قادك إلى الهلاك بيديه بعد أن هرب منه ".
استدار الامير ناحية قيدار و تقدم اليه ببطئ حتى بات وجهه مقابل وجه قيدار مباشرة و قال و على وجهه ابتسامة خبيثة :
_" وددت لو أن والدي قتلك لكن من الممتع رأيتك تتعذب قبل الموت ... و إن أسهل شيء يمكن أن يتأذى به الانسان بسهول و بدون لمسه حتى هي أن تكسره ، أن تحدث صدعا في كيانه الداخلي (تقدم الامير بشفتيه ناحية أذن قيدار و قال هامسا) أن تنهشه من الداخل حتى يتمنى الموت بنفسه ".
انسحب يزيد ببطئ ثم القى نظرة أخيرة على الفتى و بعدها غادر ،
ظل الفتى تائها ، لقد تاكد مجددا بأن خروجه من هنا لن يكون بهذه السهولة ...
_" أمامي قصر كامل بكل من فيه ... الامير ، الخدم ، الحرس و الآن ... هذا الفتى ! كيف سأخرج من هنا وسط كل هؤلاء الوحوش ؟ أشعر بالضيق لمجرد التفكير بالأمر لقد تعرضت للكثير ، داخلي بدأ يتصدع ".
جثى الفتى على ركبتيه و عيناه بدأت تتجهزان لذرف الدموع لكنه كبحهما و قال بحزم :
_" لقد مضى وقت البكاء ... علي أن أقف ، لن أستسلم اليوم حتى لو عنى ذلك أن أموت ... سأكافح على الأقل من أجل رد الجميل لن أستسلم من أجل عمر ".
( إن إبقاءك على قيد الحياة كانت مهمتي فأنا مساعد زعيم القبيلة لم أنقذك لأنك الفتى قيدار بل لأنك إبن سيدي و هذا من ضمن أولويات عملي فقط ... هل فهمت مقصدي ؟")
لاحت هذه المقولة فجاة لذاكرة قيدار قد قالها له عمر في أحد المرات و من هنا عقد العزم على أن يخطو هو الآخر نفس درب عمر و هدفه هو أن يحرر عمر من السجن و ضمان حياته كنوع من رد الجميل له .
_" أنا لن أتتركك يا عمر أعدك ... سأحررك من هذا المكان مهما كلف الأمر ، إعتبر هذا ردا لمجهودك ".
يتبع ....