المشهد 15: "إختبار مفاجئ".

كانت الساحة الداخلية للقصر تغتسل بضوء الشمس اللامع، تتلألأ أرضيتها المرصوفة بالرخام الأبيض، فيما اصطف الجنود على الجانبين في صفوف متقنة، سيوفهم تلمع كأنياب الوحوش. في المنتصف، بساط أحمر مزخرف بزخرفات نباتية متقنة ممتد حتى خارج الرواق الطويل حيث يجلس الأمير متكأ على إحدى الوسائد الصوفية يتناول العنب و عيناه تمسحان مخرج القصر .

وقف قيدار عند بوابة الساحة، يحيط به حارسان ضخمان، وبينهما كان راجي يسير بخطوات هادئة، لكن في عينيه بريق حذر. قلب الفتى ينبض بقوة، كأن كل خطوة تقربه من قدر مجهول.

(ثِق بنفسك… لا تُظهر خوفك.)

ترددت الكلمات في رأسه، لكن يديه المرتجفتين فضحتا القلق الكامن في أعماقه.

ارتفع صوت المنادي بصوت جَهوري:

_"فليتقدم الفتى قيدار للمثول أمام الأمير ماروان!".

سار قيدار ببطء، كل عين في الساحة تراقبه، كل همسة تشي بفضول أو حقد. وحين وصل إلى نهاية البساط، رفع بصره فرأى الأمير ماروان يتكئ بمعصمه الايسر على الوسادة و قدماه ممددتان واحدة فوق الأخرى و بجانبه حارسان مهيبان .

كان ماروان في منتصف الثلاثينيات من عمره، ملامحه حادة، عيناه كصقر يترصد فريسته، وصوته حين نطق كان كالسيف يجرح دون دم:

_"ها نحن ذا نلتقي مجددا ... أعتذر بشدة لطول لقائنا ."

لم يرد قيدار. اكتفى بالنظر في الأرض، محاولًا ألا يظهر أي انفعال.

ابتسم الأمير بسخرية، ونهض ببطء، خطواته ثابتة كوقع الطبول في صدر الفتى. اقترب حتى صار بينه وبينه مسافة ذراعين، ثم رفع يده، وأمسك بذقن قيدار ليرغمه على النظر في عينيه.

_"من الأدب أن تنظر مباشرة إلى من يكلمك (رفع الامير بصره نحو راجي مبتسما بطريقة مريبة و اردف ) أم أن خادمي لم يعلمك هذا ؟!."

شعر قيدار بحرارة غضب تجتاحه، لكنه كتمها خلف قناع الصمت.

ضحك ماروان بخفوت، ثم ترك ذقنه، وأدار ظهره متحدثًا بصوت يسمعه كل من في الساحة:

_"أتعلم يا فتى؟ كان من السهل قتلك. أسهل من أن أرفع هذه اليد. لكنني… لا أريد موتك."

(توقف قليلًا، ثم التفت إليه مبتسمًا ابتسامة باردة)

_"أريد خقا أن أصنع منك وحشا يتبع أمري و لا يخالفه ... فأنتم يا أبناء قبلية الايادي البيضاء تمتلكون نوعا من القوى الغريبة و المهمة ."

اقترب منه مرة أخرى، حتى أحس قيدار بأنفاسه، ثم همس في أذنه:

_"ستُصبح سلاحي، أو… ستدفن بجانب والدك."

اتسعت عينا قيدار، لكنه أخفى صدمته بصعوبة. والدُه… حي؟ أم يقصد شيئًا آخر؟

قبل أن يسأل، لوّح ماروان بيده للحراس:

_"خذوه إلى ساحة التدريبات سنرى ما إن كان يمتلك المؤهلات ليصبح محاربا حقيقيا ".

أمسك الحارسان بذراعيه بقوة، واقتاداه بعيدًا، فيما بقيت كلمات الأمير تتردد في أذنه كأصداء في صحراء بلا نهاية:

(إما أن تكون سلاحي… أو تُدفن مع أبيك.)

في مكان آخر، ظل راجي واقفًا يراقب المشهد من بعيد، وعيناه تلمعان بغموض، كأنه يُخفي سرًا لا يعلمه أحد.

اقتاد الحارسان قيدار عبر الممرات الحجرية الطويلة، خطواتهما الثقيلة تتردد في الأرجاء، فيما كان قلب الفتى يخفق كطبل حرب. لم يكن يعرف ما الذي ينتظره، لكنه أيقن أن الأمر لن يكون مجرد استعراض قوة.

بعد دقائق، توقفا أمام بوابة ضخمة من الحديد، تعلوها نقوش لشجرة زيتون متفرعة ، فتح الحارس الأيمن الباب فأصدرت صريراحادا، ليكشف عن ممر يؤدي إلى ساحة دائرية غارقة في أشعة الشمس، تتوسطها أرضية من الرمل الذهبي، وحولها صفوف من المقاعد الحجرية جلس عليها جنود القصر وكبار الضباط.

وقبل أن يدخلوه، ظهر راجي من الظل، يسير بخطوات هادئة كعادته، حتى اقترب منهما وقال للحارسين:

_"اتركاه… سأرافقه بنفسي."

تبادلا نظرة، ثم أطلقا سراحه بخضوع.

ظل قيدار صامتًا، لكن عينيه لم تتركا وجه راجي حتى قال الأخير بصوت خافت يكفي أن يسمعه وحده:

_"حين تدخل هناك لا تنفعل تصرف بهدوء فحسب لا تظهر غضبك أو أي محاولة للهرب فهذا سيزيد الأمر عليك تعقيدا."

قطّب قيدار حاجبيه، ثم همس بغضب مكبوت:

_" حسنا ، لكن هذا لا يعني بأنني راض عنه و لن أريه مني أي شيء جيد ."

ابتسم راجي بخفة، ابتسامة لا تحمل أي دفء، ثم أمال رأسه قليلاً:

_"أنصحك أن لا تفعل ."

نظر قيدار أليه مندهشا فأردف راجي :

_" عليك أن تريه مدى قوتك و كفاءتك لكي يعجب بك ... إعجابه بك هي أول خطوة ناحية الهروب ".

حاول قيدار الكلام لكن راجي أشاح بوجهه، ودفعه بخفة نحو الساحة.

_"أدخل الآن… ولا تُظهر ضعفك."

نظر إليه الفتى بيأس ثم خطى الى الداخل، فإذا بالساحة قد ضجت بأصوات الجنود، بعضهم يضحك، وبعضهم يتهامس ساخرًا:

_"هذا هو ابن الأصول؟"

_"يبدو أنه سينهار قبل أن تبدأ المعركة."

وعلى منصة عالية جلس الأمير ماروان، يراقب المشهد بابتسامة باردة، وبجانبه الأمير يزيد الذي اكتفى بمدّ يده إلى سيفه كأنه يتحسس لحظة الدم.

رفع ماروان يده، فسكتت الأصوات، ثم قال بصوت جَهوري اخترق الساحة:

_"اليوم… سنرى إن كان الفتى الذي تحدّى الصحراء يستحق أن يحمل دم الأصول… أم أنني سأدفنه هنا في الرمل."

أشار إلى أحد الجنود المقاتلين، رجل ضخم الجثة، يحمل سيفًا عريضًا يلمع تحت الشمس، وعيناه تقدحان شررًا.

_"أنت… واجهه."

شعر قيدار بحرارة الشمس تحرق جلده، وحرارة التحدي تحرق قلبه. لا سلاح في يده… فقط قبضته الخالية.

ابتسم الأمير ماروان بخبث، ثم رمى شيئًا صغيرًا أمام قدمي قيدار… كان خنجرًا قصيرًا، بحد لامع وشفرة منحنية.

_"هذا كل ما ستملكه اليوم… أثبت لي أنك تستحق الحياة أولا ."

رفع قيدار الخنجر ببطء، عينيه لا تفارقان خصمه العملاق الذي بدأ يلوّح بسيفه في الهواء، صوته يدوّي كالرعد:

_"سأحطمك يا ابن الايادي البيضاء… وسأقدم رأسك للأمير!"

(قيدار ابتلع ريقه، قبض على الخنجر بكل ما أوتي من قوة، وأخذ نفسًا عميقًا… ثم ثبت قدميه في الرمل.)

_"إنها ليست معركة حياة أو موت فقط… إنها الخطوة الأولى في طريق الحرية."

صوت الأمير ماروان دوّى من جديد:

_"ابدأوا!"

انقضّ الجندي كالعاصفة، والسيف يهوي كالبرق…

وقيدار؟ انطلق بجسده بكل ما فيه من إرادة، ليس ليهرب… بل ليقاتل.

يتبع ...

2025/08/18 · 48 مشاهدة · 894 كلمة
نادي الروايات - 2026