المشهد الأول :"أنفاس من ماض بعيد "

دماء في كل مكان ...

جثث لنساء و رجال و حتى أطفال مرمية هنا و هناك ...

خيام موزعة، ممزقة ، محترقة، بجانبها اوتاد خشبية متفحمة .

وسط كل هذا الخراب يقف عمر ... الرجل ضعيف الحيلة يضغط بيده اليمنى على سيف قصير مصبوغ بلون الدم ، مدهوش ، لكن عيناه كانتا مثبتتين الى نقطة واحدة فقط عند الافق هناك حيث يقف رجل آخر يرتدي درعا أحمرا يلمع يده كانت تحمل سيفا صليبيا يتأرجح بثقل الموت ، يمتطي حصانا أسودا ينذر بالشؤم و الدمار .

تقدم الفارس ناحية عمر و صوت حوافر خيله تقدح الارض ،بدى سريعا و كأن الارض بذاتها تنكمش تحته و عند المسافة صفر رفع المدرع سيفه عاليا فأومض بطريقة تعمي الابصار و من ثم هوى به صوب رقبة عمر و ....

(صرخة صامتة تلتها أنفاس متسارعة )

" لا أصدق ... لماذا يحدث لي هذا دائما ". قلها عمر بصوت يتقطع .

لقد إستيقض لتوه من حلم ... جبينه يتصبب عرقا بينما يده راحت تزحف باحثة عن متكأ جيد ، و بعد أن هدأ رفع راسه فوقع بصره على مراهق بعمر 14 يحدق به و علامات القلق بادية على وجهه .

_" هو نفس الحلم ... صحيح ؟؟؟". قالها الفتى بصوت هادئ .

أومأ عمر برأسه إيجابا ثم قام واضعا يديه على رأسه من فعل الصداع الخفيف الذي يحصل عادة ثم مشى بخطوات متثاقلة ناحية الطاولة ، مد يده الى الجرة و شرب الماء منها مباشرة حتى إبتلت لحيته بعدها إلتفت ناحية الفتى و قال :" إذهب و جهز المتاع و البضائع فنحن متأخرون اليوم ... هيا ". و قبل أن ينطلق الولد ناداه عمر :" قيدار ... لا تنسى دفتر الديون إنه في الغرفة المجاورة ".

انطلق قيدار بحماسة الاطفال لنفذ ما طلب منه و عمر ظل واقفا كالتمثال لا يتحرك و كأنه لم يتعافى من تأثير الحلم لكنه سرعانما مسح عينيه و لحق بالفتى .

عند فناء المنزل كان الفتى قيدار يفك قيد الحمار و يضع عليه الأحمال و البضائع ، خرج عمر ثم تقدم بإتجاه السلالم الطينية جلس عليها و بدأ بربط حذائه المصنوع من جلد الماعز كان يمطط رقبته تارة و يغمض عينيه تارة كما لو ان النوم يرفض تركه ، بعدئذ دفعا الباب الخشبية المهترئة و خرجا معا الى الحي .

كان ممرات الحي ضيقة و المنازل متلاصقة و متراصة ألوانها باهتة و رصائف مكسوة بالغبار ، مرّا بين المارة القلائل و وجوه نائمة و أخرى متجهمة تنظر إليهما بعدم إهتمام ، مشيا بإتجاه السوق الذي كان يقام تقريبا كل يوم عند آخر الشارع ما لبثا أن وصلا إليه حيث المساحات الواسعة و البسائط و الخيام المصطفة جنبا الى جنب وضعا البضاعة جانبا ، بدأ قيدار مباشرة باخراج الاقمشة من الاكياس و ترتيبها على الدكة بينما عمر يراقب بصمت و عيناه تنغلقان كل ثانية او ثانيتين .

كان السوق اليوم هادئا على غير العادة حتى أن صياح التجار يكاد يكون منعدما .

إنتهى قيدار من ترتيب البضائع ثم وقف أمام عمر و قال بصوت متهلل :" حسنا ... ". رفع عمر عينيه المتعبتين و قال بصوت متداخل مع التثاؤب :" حسنا ماذا ؟؟!!" .

_" ألن تكمل سرد ما كنت تحكيه البارحة ؟". قالها قيدار بحماسة الصغار . مط عمر شفتيه و قال :" أووووو ... لقد نسيت أمر القصة تماما ".

_" ها قد تذكرت الآن فل تتابع هيا ".

تململ عمر و كأنه يرفض الكلام و لحسن حظه قد تسللت إمراة عجوز بخطا ثقيلة و عيناها تتمعنان في الأقمشة ، لاحظ قيدار ذلك فإندفع صوبها مباشرة و قال :" تفضلي سيدتي ماذا تريدين ؟".

ظل عمر يراقب فتاه التاجر المتدرب فإبتسم بطرف شفته ثم قام ليظهر خبرته كتاجر لكن مع الأسف تلك العجوز لم تشتري منهم شيء و رحلت مما اثار هذا حفيظة عمر الذي مط شفتيه محاولا إخفاء إنزعاجه ثم عاد ليجلس مرة أخرى ... و في الجهة المقابلة عند سطح إحدى المنازل بالضبط برزت ثلاث رؤوس لرجال ملثمين و كلهم يرتدون ملابس سوداء و أعينهم تغمرها شرارة من شر مرتقب .

⚜️⚜️⚜️

2025/06/24 · 53 مشاهدة · 642 كلمة
نادي الروايات - 2026