المشهد 16:" القبول".

(دننننن)

صوت دقة السيوف دوت عاليا ، تراجع قيدار من شدة قوة خصمه الذي لم يتزعزع حتى و لو خطوة من مكانه .

_" هذا ليس عدلا ... كيف أقاتل شخصا بهذا الحجم و أنا أصلا لم أتعلم استخدام السيف بشكل متقن لا أعرف سوى التلويح به فحسب ". قالها قيدار في نفسه .

وضع الخصم سيفه على كتفه ثم تفل على الأرض و داس عليها قائلا و رأسه مرفوع بكبرياء حاد :

_" أشعر حقا بالخجل و الإحراج من مقاتلت ولد مثل ... لولا أن الامير امر بهذا لما رغبت حتى باللعب معك ".

هناك في الأعلى كان الامير ماروان يراقب بملل محادثتهما .

_" أيها الجندي تراجع من هناك ".

أحنى الأخير رأسه و أغمد سيفه متراجعا إلى صف زملائه ، رفع الفتى بصره ناحية الأمير الكبير آملا أن يقوم بإنهاء هذا السخف حالا لكنه وضع يده على كتف إبنه يزيد و نظر إليه بطرف عينه مبتسما و قال بنبرة فخر :

_" إذهب إليه يا يزيد ... أره من يكون سليل أسرة شيام المتمرس".

حول يزيد كلتا مقلتيه صوب قيدار الذي بدى يائسا و قال بصوت منخفض :

_" لن أخيب ظنك بي يا مولاي ... أعدك بأنني سأؤدبه حتى يخنع لك كرها ".

قام الامير من مجلسه و رمى غمد سيفه أرضا و هبط السلالم الحجرية بخطى ثابتة و هادئة ، ظل الفتى قيدار يراقب كل خطوة من خطواته بحذر و مع كل خطوة يتذكر ما قاله له في الغرفة و حينها شعر قيدار بشعور غريب يريد دفعه بقوة ناحية الامير ، فضعط على الخنجر بقوة و إتخذ وضعية قتالية كان عمر قد علمه إياها من قبل . كان راجي يراقبه من الخلف بدون أي تفاعل يذكر ولم يبدى أي تعبير بوجهه حتى .

خطى يزيد آخر خطوة عن السلالم ثم توقف قليلا، نظر بإشمئزاز الى قيدار ثم و بسرعة خاطفة تقدم و لوح بسيفه عاليا فتحرك قيدار يميننا متفاديا الضربة و بنفس الوتيرة لوح الامير مرة خرى لكن هذه المرة من الأسفل محاولا إصابة إحدى قدميه لكن سرعانما إنتبه قيدار لهذا فتراجع إلى الخلف ، تقدم يزيد إليه ممسكا بكلتا يديه على مقبض السيف و إندفع بسرعة إلى الأمام و قيدار يتراجع فقط ، انتبه قيدار للجدار خلفه فإستدار منحنيا الى اليمين فإصدم الامير بسيفه بالجدار فإرتد إلى الخلف و أسقط السيف ،

عدل الأمير ماروان جلسته حتى أنه إبتسم بإعجاب لوهلة ثم أخفاها بعد أن تدارك نفسه و عاد لوضعه البارد .

شعر يزيد بالإحراج و الغضب في نفس الوقت فصرخ عاليا و أشار الى قيدار قائلا :

_" أنت !!! ... سأجعلك تبتلع أسنانك اليوم ... هل تظن أنك ذكي بفعلك لهذه الحركة الغبية ، أنت لا تهاجم حتى و تستمر فقط بالتراجع ... يالك من سافل ".

حمل سيفه ثم ركض مرة أخرى و هو يصرخ ،شعر قيدار برعشة خفيفة من شدة صراخ الامير و هذا طبيعي في موقف مثل هذا و بحركة لا إرادية صد الفتى بخنجره ضربة يزيد و وجهه إلى الجهة الأخرى و هذا شيء محرج في عالم القتال بالسيف فأن يقوم شخص مبتدئ بصد ضربة سيفك بخنجر و يغير لك مسار هجومك يعد إهانة للمحارب ، توقف الامير يزيد و تجمد مكانه ، عيناه كانتا مشدوهتان فاغرا فمه، و على الجانب الأخرى إبتسم قيدار من الدهشة و قد أعطته هذه الحركة العشوائية دفعة مركزة من الشجاعة .

قال الامير يزيد :

_" لا أصدق !!! ... كيف هذا؟!". ( قاطعه الخادم راجي قائلا بصوت هادئ ) :

_" أيها الأمير ... ما كان عليك التقليل من شأن خصمك ، لا تدع غرورك يعميك ".

بدات شفتا الأمير ترتعشان من الغضب و قذف بسيفه ناحية الخادم راجي الذي إلتقطه بمهارة رغم حدته ثم أشار إليه بوجه أحمر :

_" أصمت ... أصمت أيها الخادم اللعين ، من تظن نفسك ؟ آاااااااا

(تقدم يزيد بخطوات ثقيلة ثم أمسك راجي من تلابيبه و قال صارخا) من ... تظن ... نفسك أيها الوضيع ".

_" كفى!".

اسدل يزيد كلتا يديه و إلتفت برأس يرتعش خوفا فمن النادر جدا أن يسمع والده يصرخ .

_" لقد تماديت اليوم يا يزيد ، منذ متى ترفع صوتك على نائب رئيس الخدم ؟".

إنبهر قيدار فور سماعه لهذا، فقال في نفسه :

_" راجي !! نائب رئيس الخدم !! ... هذا يعني أنه ليس مجرد خادم عادي كباقي الخدم ... غريب !! كيف وصل إلى هذه المكانة داخل قصر شخص يعد عدوه أساسا ".

قطع صوت صراخ يزيد تيار تساءلاته :

_" أعتذر يا مولاي ... لكنني لا أقبل أن يتم إهانتي من قبل هاذين الوضيعين ... هذاين اللقيطين لا يجب أن يحترما يجب أن يداسا تحت الأقدام ".

ضيق الأمير ماروان عينيه ثم قال بصوت مخيف و مهيب في نفس الوقت :

_" يزيد ... أنت معاقب ، أيها الحراس خذاه إلى غرفة التأديب الأميرية سأتعامل معه فور أن أنتهي من هذا ".

أحنى الحراس رؤوسهم و تقدما ناحية يزيد الذي رمقهما بنظرة غضب خانقة و قال :

_" إياكما و أن تلمساني ".

تراجع كلاهم إلى الخلف قليلا حتى أذن لها ماروان بأن يقبضا عليه بالقوة ، أخذ الامير سيفه من يد راجي و أشار به ناحية إحدى الحارسين و قال :

_" أنا لن أسمح بإهانتي هكذا ... أياكما و الإقتراب أكثر ".

و فجأة و بضربة خاطفة من راجي سقط الامير يزيد مغما عليه أرضا .

نظر إليه الأمير ماروان ببرودة و قال :

_" أنت كذلك يا راجي ستتم معاقبتك على قلت أدبك مع إبن سيدك (أشار بأصبعيه السبابة و الوسطى إلى حارسين آخرين) خذاه هو الآخر ".

و على عكس يزيد إستسلم راجي للحارسين و إقتاداه إلى السجن و سيبقى فيه هناك على الأغلب لمدة ثلاثة أيام بدون طعام إلا الماء .

انتهى النزال لصالح قيدار و هو الآن في غاية السعادة كان يحدث نفسه بإعجاب حتى جاءه الأمير ماروان و باغته بسؤال :

_" هل كانت تلك الصدة مدروسة أم أنها مجرد حظ ؟".

لم يعرف الفتى بأي كلمات يرد ، تقدم إليه الامير ويديه خلف ظهره ثم قال :

_" لا داعي للإجابة فهذا لم يكن سوى إختبار أردت أن أرى إن كانت لديك القابلية لتصبح مقاتلا فقط ... و قد تبين لي بأنك ستتعلم بسرعة أكثر من سابقك ".

إستهجن الولد كلمة "سابقك" لكنه أبى أن يسأله فهو لم يعتد بعد أن يتحدث إلى الأمير هكذا بطريقة مباشرة أو خارج سياق موضوعه ، وضع الأمير يده على كتف قيدار و قال و إبتسامة خفيفة رسمت هلى شفتيه :

_" سأجعل منك محاربا تهابه كتائب ... و لما لا ... قد تهابك جيوش و ليس كتائب فقط ههههههه".

شعر قيدار بإطراء لوهلة لكنه تدارك نفسه لئلا يستسلم و ينسى هدفه ثم تذكر ما قاله راجي قبل دخوله للحلبة :

_(عليك أن تريه مدى قوتك و كفاءتك لكي يعجب بك ... إعجابه بك هي أول خطوة ناحية الهروب ).

أحنى الفتى رأسه قائلا :

_" سأكون عند حسن ظنك يا ... مولاي ".

رفع ماروان رأسه بكبرياء بعدما سمع كلمة مولاي من فم قيدار أول مرة بعدها نظر إليه بجدية و قال :

_" أحسنت ، تذكر أنه كلما كنت مطيعا أكثر كلما تم مكافأتك أكثر (قرب شفتيه إلى أذن قيدار و رأدف بصوت هامس) و كلما كانت فرص حياة مربيك أكثر ".

بعد أن قال هذا ربت على رأس الولد ثم غادر ، هنا شعر قيدار بشيء غريب لم يشعر به من قبل و كأنه بدأ يستحسن وجوده هنا و هذا الشعور قد جعله يخشى الغرق في بركة الأمير ولا يستطيع الخروج منها إلا بعد أن يتغير و يصبح نسخة طبق الأصل من ... راجي .

داخل الجناح الملكي :

جلس الأمير ماروان بملابس النوم على طرف سريره العريض و كانت أمامه إحدى جواريه منكسة رأسها بخوف و الأمير ينظر إليها بغضب يكاد أن يحرقها لو خرج .

_" ما الذي فعلتيه أيها الوضيعة ؟ ... هل تعلمين حجم المصيبة التي أوقعتني فيها (قام من مكانه و شدها من شعرها حتى سقطت أرضا) لو تخرج كلمة فقط من فمه خارج هذا القصر ستحل علينا الكارثة فعيون المستخلف في القبة الزرقاء تجول في كامل العاصمة ".

دفعها الأمير بقوة ثم وضع يده على رأسه بقلق و الأخرى عند خصره و تابع :

_" لو تحدث بكلمة فقط ... سأفشل في تحقيق طموحي الكبير ، و حينها لن يرضى عني أسلافي سأكون عارا على جميع ملوك أسرة شيام (صمت لوهلة آخذا نفسا عميقا ثم أردف ) مصير هذا الطموح الآن بيد ذاك المتنصت اللعين ... لن أترك أحدا في القصر من اليوم يحيا بسلام حتى أجد الشخص الذي كان يسترق السمع تلك الليلة ".

إستدار الأمير ناحية الجارية بإبتسامة خبيثة و قال :

_" لن أترك أحدا بعد الآن يعيش بسلام ... فأنا على حافة الإنهيار الآن فإما أن أجد المطلوب أم ... أقتل الجميع بمن فيهم أنتي ".

فتحت الأخيرة عينيها عن آخرهما من الرعب فهي الآن لم تعد ترى الأمير ماروان المعتاد بل ترى أمامها وحشا ... وحشا لطالما كان سجينا وراء قضبان التصنع و الثقة .

يتبع ...

2025/08/21 · 158 مشاهدة · 1424 كلمة
نادي الروايات - 2026