المشهد 17 : " الخطة ج1 ".

في السجن السفلي للقصر كان راجي يتكئ على البساط المصنوع من الخيش ، عيناه كانتا مغمضتين يداه تداعبان شعره و ملامحه كانت هادئة جدا و كأنه معتاد على وضع كهذا و فجأة فتح عينيه و قال بصوت عالي قليلا :

_" إذن ... أنت هو مربي الفتى قيدار ... عمر ؟".

سمعه عمر الذي كان جالسا في الزنزانة التي كانت بجانب زنزانة راجي فعدل جلسته قائلا بصوت شبه غاضب :

_" من السائل ؟؟!".

_" لا يهم من أكون ... و لا داعي لأن تجيب فأنا أعرف من أنت على أي حال ( قام راجي من فراشه ثم مشى ناحية القضبان المعدنية و تابع) ابنك في الاعلى يعيش حياة جميلة مليئة بالرفاهية أما أنت فهنا ... تعيش بين ثلاثة جدران و خلف القضبان جالس في صمت ولا تفعل شيء سوى ... الصمت فقط ".

شعر عمر بالامتعاض و ضم شفتيه كما يفعل دائما ، ضيق راجي عينيه و قال بصوت خافت بدى أكثر غموضا من أي وقت :

_" أنا أستطيع إخراجكما من هنا في أي لحظة لكن أريد مساعدتكما في المقابل ... فلا يوجد شيء في هذا العالم بالمجان ... ". و قبل أن يكمل كلامه قاطعة عمر ضاحكا بإستهزاء :

_" هههههه ... مدهش حقا !! أنت هنا في الزنزانة التي بجانبي بين ثلاثة جدران و خلف القضبان و تدعي بأنك تستطيع إخراجنا من هنا ... لكن يبدو أن السجن قد أثر في صحتك العقلية أليس من الاحسن لك إخراج نفسك أولا ؟ أم أنك تحاول الاستهزاء بي ؟".

إبتسم راجي بسخرية ثم رد :

_" كلامك منطقي لكنه لا يصلح معي أنا ... يمكنك أن تعتبرني حليفا من اليوم ( إلتفت من خلف القضبان ليرى ما إن كان هناك حراس في الجوار ثم اردف ) بعد أن يحين الليل و ينام الحراس سأحدثك بكل شيء و بخطة الهروب لكن ... ( أمعن عمر سمعه بإهتمام ) أريدك أن تثق بي فلا يمكننا ان نضع خطة للهرب و أنت لا تثق بي ".

أخفض عمر رأسه ثم فكر مليا قبل أن يقول :

_" لا يمكنني أن أثق بك حتى تريني صدق كلامك ".

هز راجي رأسه قائلا :

_" حسنا ... لك ذلك ، أنا بعد ثلاثة أيام سأخرج من هنا و سأهتم بك جيدا بعد خروجي كما أنني سأحاول إبعاد الحارس عنك قدر الامكان حتى تتمكن من أن تحفر الجدار الذي خلفك ".

أدار عمر رأسه نحو الجدار الخلفي متعجبا و قال بحيرة :

_" كيف سأقوم بحفر هذا الجدار ؟! ... هل تستهزئ بي ؟".

_" لا ، جدران السجن غالبا ما تبنى بالطين الحامي قم بتبليله قبل كل مرة تحاول فيها الحفر ".

صفق عمر بيده ثم قال بنبرة إستهزاء واضحة :

_" رائع حقا ... يالها من خطة مدهشة ! (توقف عن التصفيق ثم تابع) ماذا لو جاء سيدك ليزورني كما يفعل غالبا و رأى الحفرة على الجدار ... ماذا سأفعل حينها ؟".

صمت راجي قليلا ثم توجه مباشرة ناحية فراشه ، وضع يده على ذقنه مفكرا بينما راحت عيناه تتفحصان جدران السجن .

عندما لاحظ عمر صمته إبتسم و قال :

_" لا أدري بأي رأس تفكر ؟ أنت في سجن تتكلم مع شخص لم تتعرف إليه حتى و تكشف له خططك بثقة عمياء و تنصحه بأن يفعل أمرا غبيا في مكان ضيق كهذا مليء بالحراس ... يا فتى لابد لك من أن تتعلم جيدا هذه الامور قبل أن تأتي و تصدع لي رأسي ".

لم يكترث راجي لما قاله عمر اطلاقا و ظل بوضعيته يفكر :

_" حسنا سنلغى خطة الهرب ... لكن سنظل على اتفاق ... بعد خروجي من هذا المكان سأرسل إليك في كل مرة رسائل أعلمك فيها عن كل معلومة في القصر لكن ... أريدك في المقابل أن تتعاون معي و سأخبرك بعد الخروج بماذا ستساعدني ".

✳️✳️✳️

بالعودة إلى قيدار فهو الآن جالس في غرفته ينظر الى كلتا كفيه و عيناه تخبران بمدى سعادته فهو قد نجح في أول قتال قد خاضه في حياته كما أنه قد نجح في كسب إهتمام الأمير ماراون و هذا ماجعله سعيدا أكثر فكسبه لرضى الأمير يعني أنه قد خطى أول خطوة ناجحة لتطبيق خطته .

في هذه اللحظة دق أحدهم باب غرفته لكن صوت الدقة غير مألوف تماما لدى قيدار الذي بدأ يخمن في رأسه "من يكون الطارق يا ترى؟".

قيدار بصوت عالي :

_" أدخل ".

دفع الطارق الباب ببطئ شديد و أحنى رأسه من خلفها بخجل ، نظر إليه قيدار متعجبا ثم قال :

_" من تكون أيها ... الفتى ؟!".

دخل الفتى هذه المرة بكل جسده إلى الغرفة كان صغيرا في عمر التاسعة تقريبا يرتدي ملابس أنيقة لا تختلف كثيرا عن ملابس الأمير يزيد و هذا ما أوحى لقيدار على الفور أن هذا الفتى قد يكون إبنا آخر لماروان فهو قد لاحظ شيئا منذ دخوله لهذا القصر ألا و هو اللونين الأبيض و الاحمر الذي كانت تتلون بهما أزياء كامل أفرد الأسرة الحاكمة ولا عجب في أن رايتهم أيضا (راية بلاد سادارا) تحتوي على هاتين اللونين .

_" تفضل ... لا تخجل فأنت في بيتك على أي حال ". قالها قيدار مبتسما .

تقدم الفتى بخطى هادئة مشبكا أصابعه في توتر حتى بات بينه و بين قيدار مسافة ثلاث أذرع ، ظل صامتا لفترة مما جعل قيدار الى إستنطاقه قائلا :

_" هل أنت أخ الأمير يزيد ؟".

رفع الفتى عينيه بخجل و قال بصوت متردد :".

_" ن ... نعم ".

_" ما هو سبب قدومك إلى هنا يا حضرت الأمير الصغير ؟".

لم يجد الفتى ما يرد به غير أنه إكتفى بتحريك كتفيه فهمها قيدار على الفور ثم أمسكه من يده و أجلسه بجانبه :

_" لا تخجل يا ولد فأنت أمام فتى كان يعيش في منزل من الطوب أما أنت فوضعك أفضل مني بكثير و تخجل من فتى مثلي ؟!" .

جعلت هذه الكلمات الفتى يتشجع قليلا فقال :

_" إسمي هو (فراس) ".

فرح قيدار لسماع صوته و رد قائلا بصوت مشرق :

_" فراس ؟! ياله من إسم جميل ! ما هو معناه ياترى ؟" .

تهلل وجه الفتى و قال بصوت رقيق :

_" لقد أخبرني أبي بأنه يعني (الأسد المفترس) لكنه لا يعجبني ".

تقضبت ملامح قيدار وقال متسائلا :

_" و لماذا ؟ أين العيب في أن يكون إسمك ذا دلالة قوية و مهيبة ؟".

رد الفتى بنبرة حزينة :

_" لا أريد أن أكون مصدرا للرعب أريد أن أكون إنسانا طيبا ... لو كان بإمكاني تغيير إسمي لغيرته حال لكن أخشى أن يثير ذلك غضب أبي ".

رق قلب قيدار لمجرد سماعه لهذه الكلمات البريئة و هذا ماجعله يفكر في إمكانية إقناع الفتى بأن يتقبل إسمه :

_" إسمعني يا فراس غالبا ما تكون أسماؤنا لا تعكس طبائعنا أو إختياراتنا لكن هذا لا يمنع من أن نفعل ما نريد فعله لمجرد أن أسماءنا لا تعجبنا ... إن كان إسمك لا يعجبك فعليك ان تتقبله في النهاية ولا تجعله عائقا أمامك من أن تفعل ما تريده (وضع قيدار كفه على كتف الفتى بلطف) لعل والد سماك كذلك متيمنا بأن تصبح مستقبلا رجلا يمتلك نفس صفات الأسد فالأسد لا يرمز للضراوة بالضرورة فهو أحيانا يرمز الى الشجاعة ، القوة ، السطوة و كلها معاني جميلة ... بصراحة لو كان إسمي هو فراس لبقيت طيلة عمري أفتخر به في أشعاري ".

شعر الفتى بالرضى من كلام قيدار و هذا قد بدى جليا من عيناه اللتان قد إتسعتا و قدماه اللتان راحتا تتأرجحان بحماسة و بدون سابق إنذار قام الفتى من مكانه و ركض خارجا من الغرفة بدون أن يودعه حتى إستغرب قيدار ثم قال مبتسما :

_" لا أدري ما هو خطب هذه الأسرة ؟! الغرابة تكاد أن تكون هي الصفة التي يشتركون فيها جميعا ".

فجأة تغيرت ملامحه و كأنه قد تقمص لتوه شخصية أخرى و قال في نفسه :

_" للخروج منها علي أن أستغل أي شيء لكن هل من المعقول أن أستغل هذا الفتى في خطتي ؟ لقد بدى بريئا جدا ... ضميري لن يتركني أنام إن استخدمت برآءته كآداة لكن ليس لدي خيار آخر علي فعل أي شيء يمكنُنِي من إنقاذ عمر ".

يتبع ...

2025/09/11 · 157 مشاهدة · 1284 كلمة
نادي الروايات - 2026