المشهد 18: " الخطة ج2 ".
بعد ثلاثة أيام :
تقدم حارس سجن القصر ناحية زنزانة راجي و نظر إليه حانيا رأسه :
_" سيد راجي لقد انتهت فترة سجنك يمكنك العودة لمواصلة عملك ".
فتح الباب الذي أصدر صريرا حادا مما تسبب في إستيقاظ عمر مبديا إنزعاجه و بالرغم من أنه كان غارق في النوم إلا انه حدق بعينين مثقلتين بالنعاس مباشرة في راجي الذي بادله هو الآخر نظرة لخصت كل شيئ ثم تقدم بخطوات ثابتة ناحية الدرج صاعدا الى الأعلى ، تبسم عمر بدون سبب ثم عاد للنوم .
في الأعلى كان كل شيء على ما يرام لكن الشيء الوحيد الذي تم تغييره هو الخادم الموكل برعاية قيدار مما يعني أن راجي قد تم إستبداله بآخر ، شعر راجي بالإستياء قليلا لكنه لم يبدي أي تعبير على وجهه لكنه كان يقول في نفسه :
_" سيصعب علي من اليوم اللقاء بذاك الفتى ماذا علي أن أفعل ؟ لم أضع معه الخطة حتى فكيف سنتقدم الآن ؟".
فكر راجي مليا محاولا إيجاد خطة بديلة مؤقتة ، في هذه الأثناء مر بجانبه يزيد رفقة جاريتين إلتفتت إحدى الجاريتين الى راجي بعينين مشرقتين جعلت جدار هذا الفتى المصنوع من الرسمية و الجدية يتداعى و عيناه التي طالما اتسمت بالجمود قد لمعت بوميض غريب كأنهما قد خانتاه و كشفتا عن سره المكنون ، أبعد نظريه بسرعة إلى الجهة المقابلة عاضا على شفتيه مشكلا قبضة بيده لكن كل هذا لم يمنع الدموع من أن تنزلق بسهولة من تحت جفنيه و بالرغم من أنه قد استدار لكي لا يراها إلا أن الفتاة ظلت تحدق به و هي مبتعدة ثم أشاحت هي الأخرى بنظرها عنه بيأس و الدموع قط حاوطت مقلتيها .
✳️✳️✳️
قيدار الآن عند شرفة غرفته يراقب الأجواء خارج القصر التي قد بدأ يختنق بداخله و في كل مرة ينظر فيها إلى البحر تزداد رغبته في الهرب و يدفعه هذا الشعور كذلك على التمسك بخطته
_" لقد بدأت أشعر بالإختناق في هذا المكان بالرغم من أن أغلب الناس يحلمون بالمبيت فيه و لو ساعة ... لقد أدركت للتو بأننا نحن البشر نشتهي ولا ندري ما عاقبة الاشتهاء ؟ ها أنا في هذا القصر الكبير و المهيب لكني لست سعيدا أبدا ... يبدولي بأن الشعور بالتميز مجرد وهم ، و أنه مجرد شعور لحظي و ليس دائما لهذا السبب نمل بسرعة بعد مكوثنا في الاماكن المفضلة لدينا أو ان متعتنا بالاشياء تتلاشى مع مرور الوقت بمجرد ان نألفها و نداوم عليها (تهه) يالنا من حمقى فعلا ".
دخل قيدار إلى غرفته و ألقى نفسه على السرير ثم قال في نفسه :
_" أين إختفى راجي ؟ ... لقد مرت ثلاثة أيام بالفعل !".
في نفس هذه اللحظة طرق أحدهم الباب فإعتدل الفتى بارتباك و رد :
_" تفضل !!".
دُفع الباب ببطئ نحو الداخل و من ثم (فوووووو) إندفع بقوة حتى كاد يقتلع من إطاره بسبب قوة الرياح المفاجئة!! .
إستغرب قيدار ما جرى لكن قبضة سريعة على وجهه لم تسمح له بتحليل ما يحدث فإندفع هو الآخر بقوة من على سريره و ارتطم بالجدار خلفه ، بدأ الدم يتدفق من أنفه و أسنانه .
رفع عينيه ليرى من الفاعل فينصدم من وجود الأمير يزيد يحدق به و عيناه تستعران غضبان حتى أن ملامح وجهه قد تغيرت ... غضب لو وُضع على الحطب لأشعله ، قام قيدار من مكانه و مسح الدماء بكمه ثم قال بهدوء :
_" لماذا فعلت هذا أيها الأمير ؟".
إبتسم يزيد إبتسامة إختلطت برعشة غضب و رد بتهكم :
_" لا تنزعج مني من فضلك فهذه طريقتي في تهنئة الفائزين ههههه".
فهم قيدار لتوه بأن الامير مازال حاقدا عليه من المعركة التي دارت بينهما قبل أيام و أنه قد جاء اليوم للإنتقام لكن ما أثار إستغرابه أكثر هو :
_" لماذا اليوم من بين كل الأيام !؟ لماذا لم يأتي بعد المعركة بيوم او في ليلة ذاك اليوم ! لماذا الآن بالضبط؟".
و بدون سابق إنذار نط يزيد بسرعة على السرير ثم قفز عاليا محاولا السقوط بكلتا قدميه على قيدار لكن قيدار تدحرج سريعا ثم قام على ركبته محدقا باستفهام ، إلتفت يزيد إليه بوجه مُحْمَر و كان أنفاسه متسارعة و متتابعة . فجأة ، رفع يديه و أغلق عينيه ثم إستنشق الهواء حتى إنتفخت وجنتاه و في لحظة مفاجئة إندفع قيدار بقوة شديدة ثم إرتطم بالآثاث خلف من جراء الرياح القوية التي خرجت من ... "فم يزيد".
نهض قيدار من وسط ركام الآثاث واضعا يده على رأسه ، فتح فمه ليتكلم و مع كل كلمة كان يقولها كان ينجرف معها سيل من الدماء :
_" لما ... لماذا ... فعلت ه ... هذا ؟ ".
لم يجب يزيد إلا بإبتسامة مائلة مستفزة بعينين نصف مغلقتين ثم تقدم ببطئ ، كان وقع كل خطوة على مسامع قيدار بمثابة مسمار يدق على جسده فقد بدى له بأن نهايته ستكون هنا فلا قِبل له بشخص من مستخدمي العناصر و القوى .
دفعه يزيد بقوة حتى افترش على الأرض ثم وضع قدمه اليمنى على صدره ثم رفع يده بخنجز قد نظر إليه و قال بصوت خبيث :
_" أنا خقا متأسف بشأنك لأنك علقت هنا في هذا القصر معي ... أنا من النوع الذي لا يطيق رؤية الضعاف و هم يتنفسون لكنك ضعيف و في نفس الوقت تتظاهر بالقوة و الثقة مع من ؟؟؟ ... معي أنا ؟!".
إنطلقت قهقهات متتالية من حنجرة يزيد قد دوت حتى أسمعت من كان خارج الغرفة فاحتشدوا امام الغرفة محاولين مشاهدة مايحصل لكن يزيد صرخ في وجههم فإبتعدو غير واحد فقط ظل ينظر إليه بوجه بارد و واثق لقد كان ... راجي ، راجي هو فقط من ظل امام الباب بثقة و تحدي .
رفع يزيد قدمه عن صدر قيدار ثم حرك وجهه أعلى و أسفل قائلا في نفس الوقت :
_" راجي ... لقد خرجت من السجن ! (صمت لوهلة ثم اردف بصوت مريب) ألن تذهب لتلقي نظرة على أختك الصغرى ؟ ".
شعر راجي بغضب قد كتمه في نفسه وحافظ على نفس تعابير وجهه الجامدة ثم تقدم واضعا يديه خلف ظهره قبل أن يمسح شعره في لقطة درامية وظل يتقدم حتى وقف أمامه مباشرة و قال بصوت واثق و مهيب :
_" إن ماتفعله يا حضرة الأمير عمل لن يقبله سيادة الملك ماروان و بالأخص عندما يعرف أنك إستغليت غيابه لتنكل بضيفه في قصره ..." ( قاطعه يزيد ممسكا بتلابيبه و قال ):
_" تبا لك من أين تمتلك هذه الجرأة و البرودة ؟! يبدو أنك بدأت تنسى من أكون هذه الأيام لذلك تصر على اهانتي و رفع صوتك أمامي ها؟ (أخفظ الامير صوت فجأة و قال بإستفزاز ) هل نسيت بأن أختك في قبضتي ها ؟ ".
أغلق راجي عينيه مستسلما ثم رد بصوت هادئ :
_" أنا لم أرفع صوتي متحديا إياك بل ناصحا لك ... لا أريد رؤيتك تعاقب من كرف والدك فهذا من واجبي كنائب رئيس الخدم و المسؤول عن شؤون أبناء الملك ".
شعر يزيد بالسرور ثم ربت على كتف راجي قائلا بصوت قمئ:
_" تعجبني عندما تلتزم حدودك و تعرف قدرك ... لهذا السبب فقط مازلت تحتفظ بمكانتك هنا ".
غادر الامير بسرعة بعدما قال ما قاله و إتجه راجي ليساعد قيدار على النهوض و قبل أن يقوم راجي مغادرا أمسك قيدار بذراعه و قال بغضب :
_" لماذا ضعفت أمامه ؟ ... هل يغلبك هذا الأرعن ؟".
لم يجب راجي على سؤاله و كتفى بإبعاد يده عن ذراعه ثم قام و غادر دون أن يتكلم أو يلتفت .
_" ماذا عن الخطة يا راجي ؟ هل تخليت عن الفكرة ؟". قال قيدار .
توقف راجي مكانه لوهلة ثم قال بصوت منخفض و يائس :
_" لم أعد من اليوم المشرف على شؤونك لقد قاموا بإستبدالي ".
_" أعلم ذلك ... لكن هل هذا يعني أن نتوقف عن ما كنا نريد فعله ؟".
ظل راجي صامتا بينما قيدار ينتظر رده لكنه مع الأسف لم يرد و غادر الغرفة تاركا خلفه قيدار الذي قد أدرك لتوه أنه قد فقد ورقته الوحيدة و المضمونة للخروج من هنا ، فقام من مكانه و نفض عن ملابسه الغبار ثم إبتسم بإستسلام :
_" يبدولي بأنني سأبقى سجينا هنا لبقية حياتي ... يال السخرية ".
✳️✳️✳️
في مكان مظلم جلس خمسة أفراد أمام طاولة مستطيلة الشكلة مصنوعة من خشب الصنوبر لم تضئ وجوهم غير شمعتين كانتا موضوعتين على هذه الطاولة و هما على وشك أن ينفذا ، نظر أحدهم إلى الشمعتين و قال بصوت خشن نسبيا :
_" من الصعب الآن بأن نتابع خطتنا ... إن لم تتمكن من إيجاد المتجسس فلن نستطيع التقدم إلا في الأحلام ".
تحركت شفتا أحد الحضور من تحت العباءة و كانت نبرته مميزة و مألوفة :
_" لا تقلق سأتولى الأمر فهي ليست مشكلة بالنسبة لي فمن المستحيل أن يدخل احد قصري بسهولة او يخرج منه بسهولة ".
قاطعه شخص آخر قائلا بحذر:
_" لكن يا سيادة الأمير الإحتياط واجب و قد يتفاقم أمره و يصعب علينا الأمور فيما بعد كما أننا لا ندري لصالح من يتحرك غير ان أخطر الإحتمالات هو أن يكون آداة من أدوات المستخلف في القبة الزمردية ".
مط المميز شفتيه و الذي تبين أنه هو نفسه الأمير مروان متخفيا و قال بصوت متفهم :
_" حسنا ... يبدو أن الشك حول هذا المتجسس بدأ يكبر و الإحتمال الذي ذكرته خطير حقا (همممم) سأحاول إيجاد الجاسوس بأسرع وقت لقد تأخرنا كثيرا في تطبيق الخطة الكبرى و لا أريد هذا الشأن أن يعطلنا أكثر ".
إنحنى البقية بإحترام و إستأذنوا مغادرين ، بعد أن خلى المكان وضع الامير يديه على الطاولة و بدأ يفكر بكافة الإحتمالات عن هوية المتجسس فهو يعلم يقينا بأنه من داخل القصر أساسا و ليس خارجه ، ضيق عينيه فجأة و كأنه قد وجد الإحتمال الأكثر ورودا ثم قال بصوت فيه شيء من الريبة :
_"هل يقل بأن يكون هو ؟!".
و ما إن لفظ آخر كلمة إنطفأت الشموع و إظْلَم المكان .
يتبع ...