_المشهد 19: " البذرة ".
مرت ثلاثة أسابيع كاملة منذ حادثة ضرب الامير يزيد لقيدار و لقد سمع والده الملك ماروان بما جرى فعاقبه ، يقال أنه قد علقه على عامود خشبي تحت الشمس الحارقة لمدة نصف يوم حتى اغتسل بعرقه و لم يكتفي بذلك بل و نزعه عنه لقب سيد الأمراء و هذه كانت أكبر ضربة قد وجهت للأمير يزيد طوال عمره .
في قاعة الوزارة إجتمع الوزراء الثلاثة عشرة يهمسون فيما بينهم عن اليوم الذي عوقب فيه الأمير مبدين أسفهم على مافعله الملك في حق أميرهم لأجل فتى لقيط في نظرهم ، هؤلاء الوزراء لهم فترة طويلة جدا في مناصبهم هذه و يقال أنهم فيها منذ تولي الملك ماروان عرش بلاد سادارا و أغلبهم من الأسر العريقة في مدينة "زهرة الساحل" التي كان اسمها سابقا "ديما_سكا" و تعد من أقدم مدن المنطقة التي تقع شمال أرض "الأصول" . على أي حال ، واصل الجماعة حديثهم الى أن نادى مناد من خلف باب القاعة بأعلى صوت :
_" شَرَّف القاعة بحضوره المهيب سليل ملوك سادارا العظيم ... الملك ماروان ".
إفترق الوزراء الى صفين منكسين رؤوسهم فمر الملك من خلالهم حتى جلس على أحد الكراسي الخشبية واضعا رجلا على رجل ثم صفق قائلا بنبرة سريعة :
_" حسنا ... ما هو سبب طلبكم للاجتماعي بي؟".
خرج أحدهم من وسط الصفين و قال بصوت مبحوح :
_" مولاي ... لقد كنا نتحدث قبل قليل عن اليوم الذي عاقبت فيه الأمير يزيد بتلك العقوبة المهينة أمام الخدم و الجواري ( تغيرت ملامح الملك فجأة مما دفع الوزير إلى التحدث بحذر أكثر ) مولاي ... أنا أعتذر إن كان هذا الموضوع مزعجا لكنني لا أرى الموضوع عائليا أكثر مما هو يخص شؤون ادارة البلاد ... فكما تعلم يا حضرت الملك فالامير يزيد يظل أميرا و سليلا لملوك سادارا العظيمة و هو إبنك البكر و من وجهة نظري فإهانة ولي العهد أمر غير محمود و بالأخص أمام الخدم فقد تسقط هيبته من قلوبهم و لاسيما إن إعتلى حضرته العرش ".
فكر الملك مليا فيما قاله الوزير ثم رد :
_" و ما الفائدة الآن من هذا الكلام ؟ لقد مرت ثلاثة أسابيع على هذه الحادثة كان بإمكانكم قول ذلك في ذلك الحين و ليس الانتظار كل هذه المدة لاخباري بشيء لا يمكن تغييره ".
خرج وزير آخر من الصف على يسار الملك و كانت ملامحه توحي بأنه شخص ذو خبرة و حنكة :
_" مولاي ... إن فعلتك تلك شيء في قمة الذكاء و قد قمت بإتخاذ حركة حكيمة جدا ( اعتدل الملك في جلسته مبديا إهتماما غير مسبوق لكلامه بينما الوزير قد تابع قائلا ) عندما عاقبت الأمير بتلك الطريقة قد أثبت للجميع مدى سيطرتك الكاملة على أبنائك و سيعطي هذا إنطباعا جيدا لصاحب السمو في القبة الزمردية بأنك ملك عادل و ليس طائشا كما يدعي سادة القبائل الكبرى
و لعل هذا (صمت الوزير لبرهة ثم اكمل بصوت منخفض) سيساعد على متابعة التقدم بكل هدوء و بدون مشاكل ".
إستغرب الوزراء من هذه الجملة الأخيرة و قد ظن أغلبهم بأن هذا الوزير يلمح لشيء ما لكن الملك كان رد فعله أكثر غرابة فهو قد إبتسم للوزير إبتسامة تحمل في طياتها إعجابا ممزوجا بمكر ثم قام بطريقة سريعة و بخطوات هادئة تقدم نحو الوزير و ربت على على كتفه و بادله نظرات قد حملت العديد من المعاني ثم غادر القاعة و لم يقل شيئا ، إستدار الجميع إلى الوزير بوجوه لم تستوعب ما جرى للتو .
_" أيها الوزير "ممدوح" إلى ما كنت ترمي بكلامك ذاك ؟". قال احد الحضور .
التفت اليه الوزير ممدوح بنصف وجه و قال :
_" ليست كل الامور قابلة للكشف يا سيادة الوزير ... أنا أعتذر عن فضاضتي لكن أحيانا عليك أن تحافظ على ميزاتك أمام أقرانك و منافسيك لكي ... (نظر إلى الجميع بثقة و أكمل) لا تفقد مكانتك و ترتقي على السلم ... آمل أن كلامي كان واضحا لك سيادة الوزير ؟".
لم يستطع اي أحد منهم فهم كلمة من كلماته و عندما لاحظ ذلك من ردود أفعالهم ابتسم مشفقا ثم غادر هو الآخر .
✳️✳️✳️
أمام باب غرفة قيدار وقف الامير فراس حاملا معه كتابا تحت ابطه ، كان يقف مترددا فيما إن كان سيطرق الباب عليه أم لا ؟ لكنه اتخذ قراره بسرعة و دق الباب بلطف شديد و من خلف الباب علا صوت قيدار:
_" أدخل ".
دفع الولد الباب ثم قدم رجله اليمنى بهدوء ثم توقف مكانه معتذرا :
_" أنا آسف على الإزعاج يا سيد قيدار ".
قطب قيدار حاجبيه مستغرب ثم قام من فراش و تقدم ناحيته و قال بصوت رقيق :
_" أي الازعاج في هذا الامر يا حضرت الامير فأنت في منزلك و أنا مجرد ضيف لذا لا داعي للاعتذار اطلاقا ".
شعر فراس بالسعادة ثم ركض متجها ناحية السرير ثم ألقى بمِقعديه على الغطاء المنفوخ و قال بصوت مشرق :
_" كيف هو حالك اليوم ؟".
_" كالعادة لقد مر شهر تقريبا منذ مجيئي إلى هنا و لقد خضت معركة تدريبية أخرى قبل أسبوع من الآن بحضور الملك نفسه ".
_" هل ابليت حسنا ؟".
حك قيدار رأسه بخجل :
_" تق.....ريبا ... لكن مهاراتي في استخدام السيف اصبحت لا بأس بها ".
نظر اليه الولد بحماس و قال :
_" هل يمكنك أن تريني ذلك ؟!".
رمش قيدار عينيه سريعا قائلا :
_" لا أظن أن هذا الأمر ممكن هنا ،فأنت كما تعلم ... انا ممنوع من استخدام الاسلحة في هذا المكان ".
_" لم اقصد هنا بل في ساحة التدريب ، هل يمكنك ؟".
شعر قيدار ببعض الانزعاج في داخله لكنه أخفى ذلك كي لا يُشعر الأمير بالسوء و يتسبب في فقدان ثقته فهو قد أصبح مؤخرا ينظر إليه كبطاقة إضطرارية في حال فشلت كل مخططاته .
لاحظ الامير سكوته لذا ابتسم متفهما الامر و إضطر لتغيير الموضوع :
_" لقد بدأت أقرأ كتابا هذا الأسبوع ... أنا حاليا في الصفحة 265 إنه كتاب عن مغامرة شاب كان يتجول في أنحاء العالم يريد أن يفهم أصل القوى و من أين أتت لكنه أصبح شريرا مع مرور الوقت بسبب طمعه الزائد بعدما انحرف عن هدفه، لكنه بدأ يصبح مملا لذا اصبحت اترخى في قراءته ... اصبحت اقرأ ثلاث صفحات فقط يوميا ".
قال قيدار بستياء :
_" على الأقل أنت تجيد القراءة ... أنا لم أتعلمها ابدا منذ صغري ".
حدق الامير فيه متعجبا :
_" ماذا ؟!!! لا تجيد القراءة؟!!".
نكس قيدار رأسه بحرج فقال الامير مبتسما :
_" لا بأس ... من اليوم سنعلمك القراءة ".
_" كيف ؟!" . رد قيدار مستهجنا كلام فراس .
_" الأمر سهل جدا يمكنك تعلم القراءة في غضون شهرين لكنني سأعلمك في غضون (أممممم) دعنا نرى ؟ (وضع يده على ذقنه مفكرا) في غضون أسبوع و بضعة أيام ".
_" مستحيل !!! ". قيدار متعجبا .
_" لا يوجد شيء مستحيل مادام هناك إمكانية لفعل ذلك فهذا هو العالم أريد منك فقط أن تسلملي تركيزك و بعضا من وقتك ".
فكر قيدار مليا قبل أن يقول :
_" و بما ستنفعني القراءة ؟".
قهقه الامير بلطافة الصغار و رد:
_" القراءة يا رجل شيء ممتع جدا ... لقد تعلمتها في سن السادسة و منذ ذلك الوقت إلى الآن قد قراءت العشرات من الكتب و مئات المخطوطات و زدت من قدراتي المعرفية ( أخفض فجأة صوته و قرب شفتيه ناحية اذن قيدار بعدما نظر يمنة و يسرة) لقد قرأت كتبا عن الحرب حتى هل تصدق هذا ؟".
_" تقرأ عن الحرب في هذه السن ؟ فعلا!".
_" و ما الضير في هذا ؟ كلنا سنخوض حربا يوما ما كما أنني أحب الإضطلاع على كل شيء فلم أجد مانعا من أن أقراء كتبا عن الحروب ".
خطرت فكرة على بال قيدار فجأة بعد أن استمع الى كلام الامير فراس ، لقد زادت رغبته أكثر في نيل ثقته و استحسانه :
_" ما رأيك ياحضرت الأمير بأن تصبح تقرأ علي كتابا في كل مرة تأتي فيها إلى زيارتي ؟".
إستبشر الولد لدرجة جعلته يقفز من الفرحة قائلا :
_" طبعا ولما لا ... فلم يرغب أحد من إخوتي أبدا بسماع او قراءة كتاب معي من قبل لذا أنا موافق ".
ركض الامير مغادرا دون توديع للمرة الثانية ، قيدار الآن يشعر بأنه قد نال بالفعل ثقة فراس و أنه من اليوم سيصبح بمثابة أداة لكن ضميره يؤنبه لذلك ...
_" كيف أستخدم براءة الولد في خطتي ؟ ماذا لو علم هذا بعد فترة ؟ ماذا لو علم بأني أستغله لمصلحتي ؟ يجب علي أخذ الحذر و عدم اظهار أي مشاعر ليس في مكانها ".
قام من السرير ناظرا إلى المرآة قائلا في نفسه:
_" الفتى مميز جدا إنه يذكني بمقولة عمر قالها لي عندما كنت في مثل سنه تقريبا :( المحارب قوته كلها في بدنه و سيفه أما العلماء فقوتهم في عقولهم و أفكارهم ) يبدو لي بأن هذا الولد إن تابع على هذا المنهاج سيصبح رجلا عالما أو ... شيء أعظم من هذا بكثير ".
✳️✳️✳️
كان الامير فراس يركض سعيدا عند بهو القصر و في طريقه صادف الامير يزيد الذي توقف قائلا له بصوت خشن :
_" ماذا تفعل هنا يا ولد ؟".
عبس فراس في وجهه رادا:
_" لا شأن لك بما أفعل إهتم بشؤونك ".
لم يستطع يزيد ان يرد عليه او ان يعنفه فهو يعلم بأن أخاه الصغير هو المفضل عند والدهم و انه ان تم لمس شعرة واحدة منه فقط فلن يستطيع تخيل العقاب الذي سيحل به .
تابع الأمير فراس الركض حتى خرج من هذا الجناح بينما أكمل يزيد سيره حتى توقف هو بدوره أمام باب غرفة قيدار ، حدق فيها لمدة قصيرا و قلبه يحترق غيظا و يريد الانتقام لكنه تذكر عقابه فإضطر للابتعاد متعظا بما حصل له سابقا ، نظر إلى يديه ثم قال بغضب :
_" ما الفائدة من القوة اذ كنت لن أستخدمها أبدا ".
و في لحظة يأس ضغط على قبضتيه و اردف :
_" لن أستفيد شيئا من البقاء هكذا علي أن أفعل شيئا حتى أستعيد أولا لقبي ( فجأة فتح عينيه بطريقة مريبة جدا ثم قال بصوت منخفض) ثم أنتزع والدي عن عرشه ههههه سأفعل ذلك ، نعم ... سأنتزع منه عرشه فأنا لست ضعيفا و لدي القوة ، لدي بالفعل عنصر الرياح و ميزة الرمل بهما سأقارع أبي و أخلعه حينها فقط سأتمكن من فعل ما أريد و لن يقف أحد في طريقي ههههههههههه ".
✳️✳️✳️
بالعودة إلى فراس فهو الآن مستلق على سريره و عيناه تتنقلان بين الحروف و السطور ، بدى و كأنه لا يقرأ كتابا عاديا و هذا ما كانت تبديه تعابير وجهه .
كُتب على وجه الكتاب عنوان بخط واضح و مزخرف " أساطير من القرون البائدة " من العنوان مباشرة تفهم بأن الذي بين يديه ليس أي كتاب عادي من الكتب التي يقرأها عادة بل كتاب من نوع آخر ، و عند أحد السطور بدأ الفتى يقرأ بصوت مرتفع قليلا ... نصا سيبقى محفور في ذهنه لمدة طويلة ....
_" لم يكن بشر اليوم كبشر الأمس ، طباعهم تغيرت ، نفوسهم قد تلوثت ، هم جميعا بلا استثناء داخل وهم كبير و لا يُعلم من واضع هذه الستائر ، أعينهم عليها غشاوة منعتهم من رؤية الحقيقة لكن الأمل قد عاد إليهم بواسطة التعاليم النورانية المقدسة التي نادى بها المعلمون الأولون و بعد أن كانت هذه التعاليم بمثابة المصباح الذي أنار للبشرية طريقهم حرفها الملاعين و صاغوها لتناسب معاييرهم مخفين عن الناس حقيقتها و مع مرور الوقت أرادت البشرية البحث عن الحقيقة لكن مع الاسف تلك التعاليم ضائعة و بدأ العديد منهم في اتخاذ خطوات لفهم ما يجري حولهم كلٌ على حسب مجهوده بعضهم مات قبل أن يصل و بعضهم قد ضاع في الطريق و بعضهم قد وصل بالفعل و تركوا لنا حكمتهم لكن قليل هم المستمعون ... قليل جدا هم الذين يلقون الأسماع و يفهمون ما يقال لهم ".
أغلق فراس الكتاب ببطئ وسط شرود قد خيم على عقله كما أنه قد بدأ يشعر بكشعريرة جعلت كامل شعر جسده ينتصب و من وسط هذا الذهول التفت ناحية نافذة الغرفة فوقع بصره على شهاب قد اختفى بلمح البصر و قال بصوت هادئ :
_" هل نحن مغفلون بالفعل ؟!".
و من هذه اللحظة بالذات قد غرست البذرة التي ستحول حياة هذا الولد إلى الأبد .
يتبع ...