_المشهد 20 : " ذكريات من الماضي السحيق ".
مرت حوالي ربع الساعة كاملة و الفتى يحدق في الكتاب ، لقد بدى شارد الذهن و كلمات النص الذي قرأه لا تزال تتردد في عقله .
في داخله اختلطت مشاعر الرهبة مع مشاعر الحماس لم يعرف أيهما سيبدي إلا أنه إكتفى فقط بالجلوس في صمت و محاولة فهم مكنونات النص ...
_" التعاليم النورانية المقدسة !! ماذا يعني هذا ؟! و هي ضائعة الآن ... أما البشر فهم مغفلون محبوسون وسط وهم كبير ولا يعرف من واضعه (أمممم) غريب ، هل علي أن أسأل أبي ؟ ربما هو يمتلك جوابا ، نعم ... من المستحيل أن لا يمتلك جوابا عن شيء كهذا ".
قام الفتى راكضا إلى جناح والده ، وقف عند الباب مترددا ثم رفع يده ببطئ و دق بهدوء شديد ثلاث دقات متتالية .
_" من ؟". الملك من خلف الباب .
شعر فراس برعش خفيفة ثم رد و شفتاه ترتجفان :
_" إنه أنا ... فراس".
_" فراس !! أدخل يا فتى ".
دفع الباب ثم دخل ، كان والده متكئا على سريره لا يغعل شيء ... نظر إلى فراس بعينيه مثقلتين و قال بعد أن تثاءب :
_" لماذا جئت في هذا الوقت المتأخر ... ألم تأتك جاريتك لتحكي لك قصصا قبل النوم كما كانت ؟".
_" لا ... أنا لم أعد أحب قصصها و استبدلتها بالكتب ، أصبحت أطلب كتابا من مكتبة القصر كل ليلة و أقرأ ".
_" أهاهاهاهاهاها ... بني تعال إلي ".
تقدم الفتى عند والده فإعتدل الملك و أجلس ابنه بجانبه و قبَّل جبينه قائلا بسعادة :
_" من المدهش سماع هذا حقا ... هل قمت بإستبدال جاريتك بكتاب ؟".
_"نعم ".
_" أهاهاهاهاهاهاها ... لقد (أهههه) لقد أعجبتني يا فتى لم أظن أبدا بأنك لا تحب قربهن على عكس أخوك الأحمق ذاك فهو يقضي معضم اوقات فراغه مع الجواري .على أي حال، قلي ما هو سبب مجيئك ؟".
ظل الفتى صامتا و الملك ينتظر رده و بعد تفكير مطول قد حرك فمه قائلا :
_" هل سمعت من قبل عن التعاليم النورانية المقدسة يا أبي ؟".
نظر الملك ماروان الى الارضية مضيقا عينيه ثم قال بصوت جاف و رخيم :
_" من أين جئت بهذه الكلمات ؟".
شعر فراس بالرهبة و ذلك لأن تعابير وجه والده قد تبدلت فجأة ، بدأت قطرات من العرق تبرز من جبينه ثم بشفتين مرتجفتين قال :
_" لقد قرأت كتابا ... (ابتلع ريقه بصعوبة ثم اردف) و بعد أن وصلت لأحد الصفحات وجدت نصا يتحدث عن تعاليم مقدسة و أن البشر كلهم واقعون في وهم كبير ".
صمت الولد و بالمثل فعل الأب ... لم يرد بأي كلمة غير أنه مط شاربيه ثم قال بعدها بسرعة :
_" من الجميل قراءة الكتب لكن ليست كل الكتب تحتوي على معلومات صحيحة مئة بالمئة ، لا تصدق كل ما تقرأه ...(قاطعه الفتى قائلا بحماسة):
_" لكن ... تلك الكلمات أشعر و كأنها حقيقة ... لقد شعرت بإحساس غريب لامس أعماقي ، لقد قرأت العديد من الكتب لكن هذا كان أعجبهم ".
وضع الملك كفه على رأس أبنه ثم قرب جبهته حتى لامست جبهة فراس وقال :
_" لا تفكر كثيرا ... إذهب إلى النوم و غدا سآتي إلى جناحك لنقرأ هذا الكتاب سويا ونرى إن كان صادق حقا أم لا ، إتفقنا ؟".
هز الفتى رأسه موافقا ثم نط بسرعة عن السرير و غادر دون أن يودع والده حتى كما يفعل دائما لكن ... الملك ماروان قد عرف حقا ما المقصود و هذا ما كان ظاهرا من شروده بعد ان خرج الفتى من غرفته و قد لاحت في ذاكرته جملة مشابهة قبل عدة سنوات أثناء تنصيبه كملك ...
_ قبل 20 عام :
( في مثل هذا اليوم إعتلى الأمير ماروان من آل شيام عرش بلاد سادارا في عمر 26 سنة و في قاعة العرش إجتمع الوزراء 13 و معهم واحد آخر ، رجل بلحية بنية و ملامحه تعكس حكمة و خبرة سنوات و ملابسه متواضعة و هذا مايوحي بأنه رجل زاهد و متقشف ... في تلك الأثناء وقف أمام الملك المتوج و قال بعد أن حياه :
_" مولاي الملك ماروان ... لقد حكم ملوك سلالة شيام كامل قارة الصحراء لمدة عقود و ذلك بمساعدة قادة القبائل العشرة و قد عاهدو كافة الأهالي بأنهم سيحفظون حقوقهم و يحمونهم بكل قوتهم و الاهم من هذا كله لقد وعدوهم بالحفاظ على ... صحائف التعاليم المقدسة لكن ، أجدادك المتأخرون قد خانو عهد آبائهم الأوائل و قد نسو حفظ تلك التعاليم و تركوها خلفهم و إلتهوا بالصراع مع باقي الملوك و التوسعات التي استنزفت خزائن الدولة لقد إتنهجو نفس نهج ملوك هارما و هورسو الذين سبقوهم قبل عدة قرون ... بسبب هذا تناسى الناس تعاليم معلمهم و قد خيم الغبار على الصرح ذو الأركان الأربعة و لم يعد يُزار منذ سنوات لذا .... أنا أطلب من جلالتك أن تعيد إحياء ذلك الصرح و نشر التعاليم من جديد ".
بقي الجميع صامتا ، لكن الملك قد أبدى إعجابه كثيرا بكلام هذا الوزير و كاد سيعطي موافقته على هذا القرار لولا تدخل أحد الوزراء الذي خرج عن الصف منحنيا ناظرا بعينين ماكرتين نحو غريمه و قال :
_" يبدو أن الوزير أُويس بدأ يخرف باكرا يا مولاي ... يبدو بأنه لا يعلم بأن تلك الكلمات التي يتفوه بها هنا محظورة ، ألا تسمع ما يقول يا مولاي ؟! ... لقد نعت أجدادك بالناكثين للعهود و كأنه يشير إلى أن إنقلاب أسرة الهلال الذهبي علينا كان مبررا ".
رد الملك بصوت جهوري :
_" لم يقل هذا أبدا أيها الوزير ممدوح ... بل كان يرينا أين الخطأ الذي وقع فيه أجدادنا و لم يشر أبدا لشيء مثل ماقلته ".
إبتسم الوزير ممدوح بمكر غير ملحوظ و قال :
_" أنا أعرف أمثال هؤلاء ، إنه يتلفظون بمثل هذه الجمل المنمقة لكي يترقو ثم يحكمو سيطرتهم على الملك نفسه بحكم قداسة الصحائف التي يتحدث عنها إنه يحاول اللعب على الوتر المقدس لكي يصل إلى مبتغاه لذا كن حذرا من مثل هؤلاء ".
شعر الوزير أويس بالمهانة فرفع صوته قائلا :
_" مولاي ، لقد خدمت في بلاطكم لمدة 30 عام ... و كنت مستشارا لأبيك و عمك من قبلك و قد كنت أنصحهم بمثل مانصحتك اليوم لكنهم لم يستمعو الي و ظلوا يهملون نصائحي و أنا اليوم أريدك أن تصلح الخطأ الذي قد وقعا فيه لكن هذا الوزير يحاول أن يتهمني بتهمة لا دليل عليها ".
_"أهاهاهاهاها ... الوزير أويس ، لا دليل عليها ؟! كلماتي لا دليل عليها ؟ إذا قلي ... ما هو سر المراسلات التي وجدنها في غرفتك تلك الرسائل التي كنت تتبادلها مع أحد جنود قبيلة الهلال ؟ ".قال ممدوح .
رفع الملك حاجبيه منتظرا حجة أويس الذي قال :
_" ذلك الجندي هو إبني ... كنت أحاول إقناعه بترك صفوف جيش المنقلبين لكنه رفض ".
_" إذن كل تلك المراسلات كانت حقيقية ؟" قالها ممدوح بتهكم .
أخفظ أويس رأسه و قد بدى بموقف ضعيف بسبب مراسلاته مع إبنه ، وقف الملك واضعا يديه خلف ظهره و برزت عينيه بطريقة مهيبة ثم خطى خطوتين إلى الأمام و قال بصوت مزلزل :
_" منذ صغري كنت أنظر أليك أيها الوزير على أنك رجل متزن و ذو علم و حكمة لكنك خيبت ظني لم أتخيل يوما بأنك ستخوننا (تتتتتت) يال العار ".
شعر أويس بشيء من المهانة و الذل حتى أنه لم يستطع تحريك لسانه ليدافع عن نفسه و بإشارة من إصبع الملك ماروان غادر الأخير القاعة و نظرات ممدوح الماكرة تحدق به من الخلف .)
الحاضر :
لم يتخيل الملك أبدا بأنه سيتذكر هذا الموقف في هذه اللحظة ، بدأ يمسح وجهه بكفيه بطريقة لا إرادية محاولا إذهاب الأفكار عن رأسه ثم بسط جسده ناظرا إلى السقف المزخرف بزخارف نباتية و حيوانية وظل يحدق بها حتى خطفه النعاس .
✳️✳️✳️
في الجهة الأخرى قيدار باسط نفسه على فراشه يفكر كعادته في حال عمر كما أنه بدأت تساؤلات تجول في ذهنه عن إختفاء راجي كل هذه المدة حتى أنه قد شعر بالقلق حيال ذلك .
_" أين اختفى ذاك الخادم فجأة ؟ هل نسي خطتنا أم ماذا ؟ يبدو أنني أخطأت مرة اخرى لأنني وثقت به دون أن أجرب صدق نواياه ... أنا حقا إنسان غبي ، لماذا أقع في نفس الخطأ دائما ؟!".
و بينما هو يفكر إذ به يسمع دقات من خلف الباب و قد عرف لم تعود بسرعة فرد :
_" أدخل يا فراس ".
دخل فراس هذه المرة متحمسا على غير عادته فقد كان يبدي حياءه في كل مرة يدخل فيها على قيدار ، تقدم بسرعة و جلس فورا على طرف الفراش فإعتدل قيدار قائلا:
_" من الغريب أن تأتي في هذا الوقت ؟".
رد فراس بخجل :
_" هل شعرت بالإنزعاج ؟!".
_" لا أبدا ... بل إستغربت فقد فليس من عادتك أن تأتي في مثل هذا الوقت !".
_" لقد جئت لكي أقرأ عليك كتابا و أريد منك أن تنصت جيدا و في نفس الوقت سنبدأ في أول درس ".
قال قيدار متعجبا :
_" أول درس في ماذا؟".
قطب فراس حاجبيه ثم رد :
_" مابك يا فتى ؟ هل نسيت الاتفاق ؟".
صك قيدار جبهته ضاحكا و قال :
_" آاااا لقد نسيت الأمر ، لا بأس فلنبدأ ".
بدأ الأمير الصغير يتلو على قيدار نصوصا من كتابه و يعلمه الحروف و طريقة كتابتها كذلك ، أُعجب قيدار بقدرة الولد على الشرح و التوضيح في هذا العمر الصغير و شعر بنوع من الغيرة فجأة .
_" لم أتخيل أبدا أنه سيأتي يوم و أتعلم فيه القراءة يا فتى ". قال قيدار .
_" أرأيت ؟ لقد قلت لك بأن تعلم القراءة و الكتابة شيء سهل و خصوصا إذا كان المتعلم في سن كبيرة و لديه وعي كافي لفهم ما يتعلمه على عكس الاطفال فهم على الأغلب لا يعون ما يتعلمون بل يحفظون فقط ".
مط قيدار شفتيه مفكرا وقال :
_" لكنني مازلت لم أجد أي شيء رائع في القراءة كما تقول ... ما هو الشيء المميز في القراءة ؟".
ابتسم فراس قائلا :
_" لا يمكنك الشعور بروعة القراءة حتى تتعلمها جيدا كما أنه يجب عليك إمتلاك مخيلة واسعة أيضا".
_" مخيلة ؟!".
_" نعم ، بدونها فلن تجد أي لذة في القراءة فهي بمثابة عالم كبير تصنع فيه ماتحب وقت ماتحب ".
_" إذن علي صنع مخيلة ".
قهقه فراس عاليا ثم رد و الدموع تحاوط عينيه من شدة الضحك :
_" المخيلة شيء في عقلك وليست شيء مادي تصنعه ".
شعر قيدار فجأة بالإحراج و أدرك لتوه بأنه فتى جاهل بكل ما تحمله الكلمة من معنى .
_" إذن المخيلة هي عالم وهمي يتمركز في أذهاننا ، صحيح ؟".
حرك فراس رأسه قائلا :
_" بالضبط ".
_" أممممم ... شيء غريب ".
_" دعني أخبرك بشيء ".
_" تفضل ".
_" أنت عندما تفكر ألا تتجسد خيالات في عقلك ؟".
فكر قيدار مليا ثم أجاب بتردد:
_" نعم ... لماذا ؟!".
إلتفت فراس إليه وقال:
_" أنت بفعلك لذلك الشيء كنت تستخدم مخيلتك ".
ذُهل قيدار فجأة بينما علت صوت ضحكات فراس في أرجاء الغرفة فتعابير وجه قيدار جعلته لا يتمالك نفسه أبدا .
_" لقد فهمت للتو بأنك فتى جاهل ".
قالها فراس فجأة ثم غادر و قبل أن يغلق الباب خلفه إستدار بوجهه قائلا :
_" غدا ستكون حصتنا الثانية ".
ابتسم قيدار مغمضا عينيه برضا ثم ألقى بنفسه على الفراش وسط أكوام من الأفكار المتداخلة ، إدراكه بجهله جعله يعيد النظر إلى مسار خطته و قد شعر بأن الفتى سيكتشف خطته يوما ما فذكاءه ليس عاديا إن الفتى كان موهوبا و يبدو بأن إستخدامه لن يكون سهلا أبدا.
صورة الوزير أويس .