_ المشهد 21 : " الإنطلاقة الفاصلة " .

التذكير بأحداث الفصول الماضية :

( قيدار إستطاع تأليف قلب الامير فراس و استمالته لجانبه ، الأمير فراس يقرأ نصا غريبا من كتاب يجعله يدخل في حيرة و يستفزه للبحث أكثر ، الملك ماروان يسترجع ذكرايات من ماضيه بعد أن سأله إبنه الأصغر عن التعاليم المقدسة ، الأمير يزيد يتخذ مسار التمرد و التخطيط للإطاحة بوالده ) .

تنويه :

في آخر الفصل يوجد بعض الصور تخص الأجواء داخل قصر شيام .

✳️✳️✳️

بعد شهر آخر :

إجتمع كل من قيدار و فراس و راجي في غرفة قيدار ، جلس ثلاثتهم في وضعية مثلث على سجاد أزرق مزخرف متقابلين ، كانوا يتبادلون النظرات في صمت كثيف ساد الغرفة بأكملها و مع وجود فراس هنا نستنتج بأن قيدار قد إستطاع إستمالته و إقناعه .

وضع راجي يده على ذقنه في وضعية تفكير وقال :

_" لقد مر وقت طويل بما فيه الكفاية و لم نحرز تقدما بعد ؟".

رد قيدار متهكما :

_" صحيح لا أدري من كان السبب في هذا ؟ هل هو أنت يا ترى ؟".

لم يبدى راجي أي ردة فعل و قال :

_" حسنا ... أهدافنا واضحة ، نحن نريد الخروج من هنا ( نظر فراس إليه مبتسما بريبة ) قيدار يريد إخراج عمر من السجن أما أنا فأريد التخلص من كوني خادم ولا أريد أن أصبح أداة في يد الملك ... قيدار لقد أنجزت أول خطوة في مسارك و هو نيلك لثقة الملك فأنت قد تمكنت هذه الفترة من التقرب إليه لدرجة قد جعلته يعتمد عليك في بعض الأعمال ... (قاطعه فراس قائلا):

_" أمرك غريب حقا يا راجي ! لماذا تريد الخروج و أنت تعيش هنا أفضل بكثير مما كنت تعيشه في قبيلتك ؟".

نظر إليه راجي قائلا :

_" إنه شيء لا يفهمه إلا من عرف الحرية لذا لا أظنك تفهم يا سيدي الأمير ".

فكر فراس مليا ثم قال :

_" الحرية ! هل هذا يعني بأنك لست حرا هنا ؟".

_" الحرية شيء أفضل بكثير من أن تختزلها في العيش الرغيد ... الحرية هي أن تختار ماتريده و أن تحب و ترضى بما تختاره هذا على الأقل ما أومن به أنا ".

_" كلام جميل و مؤثر فعلا ... لقد فكرت في شيء كهذا من قبل ، لكنني كنت أسكت تلك الأفكار قائلا لنفسي بأنني في أفضل مكان في العالم و أنني أمتلك كل ما أريده ". قال فراس .

إبتسم راجي له قائلا :

_" لا تقلق يوما ما ستتحرر من سجنك هذا لكنني لن أضمن لك العيش الرغيد بعد الآن ".

_" لا يهمني ... أريد فقط أن أرى العالم الخارجي و أن أجرب ... الحرية ". قالها فراس بطريقة جعلت قيدار يشعر بالكشعريرة فوقف قائلا بحماس :

_" سنتابع خطتنا حتى نحقق هدفنا و نحصل على حريتنا ".

إلتفت راجي ناحيته بنظرات جادة فجأة و قال له بنبرة هادئة :

_" بعد أن تخرج و تكسب حريتك ألم تفكر بشيء آخر ؟".

بدأت علامات الإستفاهم تدور فوق رأس قيدار فأردف راجي :

_" الإنتقام ... هل تظن بأن عمر كان يربيك هكذا فقط و يعتني بك بدون مقابل ؟".

إنصدم قيدار من ما قاله راجي ثم راح يرد عليه بتكأكأ :

_" لكنه قال لي ي يوما ما بأنه يفعل هذا فقط لأنه مأمور بحمايتي ولا يمتلك أي دافع آخر يجعله يفعل هذا !".

قاطعه راجي بكلام صادم فجأة :

_" لقد كذب عليك ببساطة ... لقد فعل هذا لكي يجعلك تختار طريق الإنتقام بإرادتك و ليس بالإكراه لأنه لو علمك هذا منذ البداية لتراخيت في تحقيقه لكن إن إعتنقت الفكرة بكل وعي و إرادة فستفعل أي شيء لتنفذه ... و الآن قلي من هو سبب معانتك منذ البداية ؟".

فكر قيدار لوهلة ثم تذكر قصة مداهمة كتيبة المدرعين لقبيلته فحرك شفتيه قائلا :

_" سبب معاناتي هو كتيبة من المقاتلين جاؤوا من بلد ما كما سرد لي كل من عمر و سارم ".

ضحك راجي متهكما ثم قال بعد أن تنهد :

_" مازلت لا تفهم يا قيدار ... الم تتذكر ما قلته لك أول مرة إلتقينا فيها ؟ دعني أذكرك ، لقد أخبرتك مسبقا بأن الملك ماروان قد دبر حيلة للقضاء على قبيلتي و أسرتي بحجة أنهم قد خانو أسرته و أنه أسرني ليستغلني لكنك لم تسأل ماذا لدي لكي يستغلني ؟ بماذا سأفيده ؟".

ابتسم قيدار ببلاهة قائلا :

_" لم أفكر بذلك حقا لقد كنت أفكر بنفسي صراحة ".

_" ألم تلاحظ مدى التشابه في قصتينا ؟ كلانا نعاني من نفس الشيء ... أنا تم إبادة أسرتي و جاؤو بي إلى هنا لكي يستغلوني و أنت طاردوك و جاؤو بك إلى هنا لنفس السبب ، قلي ... ألم يخطر هذا على بالك من قبل ؟".

لم يجب الفتى عليه أبدا لكن كلام راجي قد تمكن منه بالفعل ، أردف راجي :

_" إليك الحقيقة التي أرادني عمر بأن أوصلها إليك ... (فتح قيدار عينه عن آخرهما منتبها) تلك الكتيبة لم تهاجم قبيلتك هكذا إعتباطا بل هجومها كان مخطط له و السبب الخفي وراء هذا الهجوم هو ... ( إنتظر كل من قيدار و فراس الإجابة بكل تركيز و فائق إصغاء) الملك ماروان نفسه ".

شعر كلاهما بالصدمة ، أحدهما شعر بالحقد و الآخر شعر بطعنة وُجِّهت مباشرة إلى قلبه ، أولهما قيدار و الثاني هو ... الأمير الصغير فراس .

وسط هذا الصمت الخانق و الدهشة التي قد إستحوذت عليهما قال راجي :

_" هل فهمت لماذا أبيت الخروج و الهرب من القصر الآن يا قيدار ؟ ".

فور أن قال له راجي هذا لاحت جملة قد قالها له أيضا في أول لقاء لهما عند الشرفة :

_(إعتبره سرا و سأخبرك به عندما يحين الوقت) .

_" إذن هذا هو سرك ؟!". قال قيدار .

في الجهة المقابلة كان فراس قد شعر بأول صدمة له في حياته ، الصبي قد تجمد مكانه دون حراك فهو لتوه قد عرف حقيقة أعز إنسان لديه والده الملك ماروان ، إنتبه راجي للأمر فوضع يده على كتف الأمير قائلا بشفقة :

_" أنا آسف حضرت الأمير لكن هذه هي الحقيقة كما أنك أنت من أردت الإنضمام إلينا طواعية

لذا عليك التحمل ، أحيانا نمر في حياتنا بمحطات تغير نظرتنا عنها ... في هذه الدنيا لا تسير الأمور كما نريد دائما و قد نتعرض لخيبة أمل حتى من الناس الأقرب إلينا لكن الإعتراف بهذا الحال هو الحل و أتمنى أن لا تسيء فهمي يا حضرت الأمير و إن كنت لا تصدقني فلدي الأدلة على هذا و مع الوقت سأكشف لكم كل ما هو مستور لكي لا تظنو بأنني أستخدمكم لمصلحتي وحدي ".

قام راجي من مكانه ثم غادر بصمت تاركا خلفه جوا مضغوطا بالصدمة ، في لحظة يأس قام فراس هو الآخر مغادرا فأمسكه قيدار و قال له :

_" أنا أحتركم كثيرا أيها الأمير لكن بعد هذا لا أظن بأننا سنكون على وفاق بسبب والدك (ضغط قيدار على يديه و الغضب يستعر من عينيه) صباي قد ضاع بسبب والدك و بسببه أيضا حرمت من رؤية والداي و لم أذق أبدا لذة أن يكون لك أب و أم ... فيما مضى كان الأولاد في حيينا القديم يلعبون و يتفاخرون بآبائهم لكنني كنت أتجنبهم لكي لا أتعرض للتنمر ، كان عمر يحكي لي قصصا عن والدي لكنه كان يخفي عني كيف مات حتى إلتقينا بسارم الخائن ".

إنتزع فراس يد قيدار ببطأ ثم رحل و عند الباب كان راجي ينتظر و بصوت خافت قال له :

_" من فضلك حضرت الأمير لا تفسد علينا الخطة بعد أن وثقنا بك فأنت حاليا أملنا الوحيد ... ربما يعد هذا الأمر أنانيا لكننا في حاجة إليك حقا ".

رمقه فراس بنظرة خاوية ثم غادر إلى جناحه .

✳️✳️✳️

بسط فراس نفسه على سريره مستسلما لأفكاره و كلمات راجي تتردد في ذهنه لقد أثرت عليه بشدة كما أنه و في لحظة قد تحطمت صورة والده الرائعة في مخيلته و تناثرت كالزجاج المكسور و لم يبقى سواه فقط مرميا على تلك القطع و في كل قطعة تنعكس ذكرى من ذكرياته الجميلة رفقة أبيه الذي دلله و كان له بمثابة الصديق الحميم .

إنزلقت الدموع بسلاسة على خديه لم يستطع كبحها وراح يقول في نفسه :

_" أبي لما فعلت ذلك ... ألم تكن تقل لي من قبل بأنك ستعيد الخير للملكتنا و تعيد أمجادنا الضائعة ، هل ... هل نسيت مبادئك ؟".

و بيأس نهض عن فراشه و مد يده نحو كتاب و فتحه ليذهب عن عقله التفكير بالأمر لكن القراءة لم تؤدي مفعولها هذه المرة لقد وصل الصبي إلى المرحلة التي تجعله لا يستطيع فيها العودة من مستنقع الأفكار ، وضع الكتاب على فخذيه ببطئ ثم مال برأسه على الوسادة وراح شبح التساؤلات يراوده من جديد .

✳️✳️✳️

عند الرواق المؤدي إلى الشرفة الرئيسية الكبرى للقصر إلتقى راجي بالأمير يزيد و تبادلا نظرات أحدهما كانت نظراته جافة و الآخر كانت عيناه تعكسان حقدا عظيما ، إنحنى راجي له متظاهرا بالإحترام إلا أن يزيد لم يبدي أي إهتمام له بينما لاحت عينا راجي تحدق به من الخلف في حنق و غيظ إلا أنه سيطر عل مشاعره بسرعة و تابع سيره حتى توقف عند الشرفة فرفع رأسه ناحية السماء ناظرا إلى الغيوم التي قد غطت البدر ، عيناه كانت تترقرقان و بؤبؤاه متسعان و راحت ذكارته تستحضر بعضا من اللقطات عن صغره عندما كان يحظى بأسعد اللحظات في قبيلته لقد كانت ذكرى عنه و عن ... أخته الصغرى "ميساء" .

بدأ راجي يمسح عينيه محاولا كبح نفسه عن البكاء ثم تذكر نظرات تلك الفتاة التي رمقته في الرواق قبل شهر و كأن نظراتها مازالت عالقة في ذاكرته تأبى الخروج منها و بصوت هامس قال :

_" لا تقلقي يا أختاه سنخرج من هنا بسرعة لايزال أمامي إلا القليل حتى أنتهي و نرحل من هنا".

✳️✳️✳️

في صباح اليوم التالي :

إجتمع ثلاثتهم مرة أخرى في الغرفة المعتادة ، قيدار كان يبدو من ملامح أنه غاضب و يريد الثأر في هذه اللحظة أما فراس فقد كان يبدو تائها و قد فقد بريقه المعتاد منذ ليلة أمس ، نظر إليهما راجي ثم تبسم مغلقا عينيه و قال:

_" لا تفكرا كثيرا فأنا البارحة لم أقل ذلك لتحطيمكم معنويا بل لحثكم على متابعة الخطة ( اتفت الى قيدار و اردف ) قيدار قد لاحظتك بدأت بلألفة هنا و تراخيت في متابعة الخطة كما أنك نسيت هدفك لذلك أردت إيقاظ نيران الحقد في قلبك اتجاه عدوك لكي تتذكر و يكون الحقد حافزا لك لتتابع طريقك أما أنت يا فراس فقد لاحظت بأنك تحب الحقائق لذا أخبرتك عن حقيقة أبيك كي تبحث أكثر و تعرفها بنفسك و ليس أن تستسلم و تتحطم (إلتفت فراس إليه بعينين تحاولان الخروج من متاهة الافكار) الباحث الحقيقي لا يتوقف عند كلام أحد كأنه الحق المبين بل يتابع بحثه حتى يقتنع بنفسه من يفعل غير هذا لا يكون إلا إمعة لا رأي له يمكن أن يباع و يشترى ولا يبالي لأنه أبله ".

حركت هذه الكلمات أحاسيس كليهما و أعطت لهما دفعة لا بأس بها حتى يتابعا الخطة ، لاحظ راجي فيهما ذلك فتابع قوله :

_" فلنرتب الأولويات و نوزع المهام ... فراس أنت ستتولى أمر البحث في أسرار العمال و الحراس و تعرف كل شيء عنهم ... رواتبهم ، دوامهم ، كل شيء عنهم فأنت الأقرب من المكتبة الملكية التي تحتوي على الأرشيف الخاص بديوان العمال ، قيدار لم يتبقى لك سوى أن أرشدك لكي تتعلم السيطرة على ميزة الرمل فلن تستطيع متابعة الخطة بعد الآن بدون قوة ( قاطعه قيدار قائلا):

_" ألن يثير هذا سخط الملك ؟ ".

_" لا ، لن يعرف الملك بهذا الأمر ".

فكر قيدار لوهلة ثم تساءل :

_" كيف ستتمكن من تدريبي دون معرفة عمال القصر و حراسه؟! ".

_" هذا أسهل ما في الأمر ... هناك ساحة محطمة لم يعد أي أحد يستخدمها أسفل حديقة القصر من ناحية الجنوب و هي مليئة بجرار الرمل سنستخدمها للتدريب و سنحدد يوما في الأسبوع لكن هذا يعتمد على مدى نجاح فراس في آداء مهمته ".

خرج فراس من تيهانه فور سماع إسمه ثم قال بسرعة :

_" نعم ... نعم أعدكما بأن أحاول التوصل إلى معرفة كل معلومة عن عمال القصر ، لكن ما هي الغاية من هذا ؟".

أمال راجي طرف شفتيه الأيمن مبتسما و قال :

_" ستعرف بعد أن تأتي بها ".

يتبع ...

_ قيدار ينظر إلى القمر في ليلة هادئة من شرفة غرفته بالقصر .

_ الملك ماراوان في أيام شبابه .

_عرش ملوك سادارا .

الرسم بهذا الأسلوب لإضفاء اللمسة التاريخية للرواية فقط .

2025/10/15 · 141 مشاهدة · 1971 كلمة
نادي الروايات - 2026