_ الفصل 22 : " المواجهة الحاسمة" .

بخطى ثابتة و هادئة مشى فراس حتى وصل أمام مكتبة القصر ، لقد كانت مكانا عادية ، بعض الطاولات الخشبية المصطفة بجانب بعضها عليها العديد من الكتب و المخطوطات القديمة و في منتصف كل طاولة وضع فانوس كبير يحتوي على ثلاث شمعات و المميز في هذه المكتبة هي رائحة المخطوطات العبقة التي تغزو أنفك لمجرد دخولك إليها .

دخل فراس بدون أي تردد فهذا هو مكانه المعتاد الذي يهرب إليه إذا أتاه وحش الملل ، تابع السير حتى أتى على رجل كبير جالس يقرأ كتابا رفع بصره فور رؤيته للفتى قادم فإبتسم إبتسامة بانت لها أضراسه :

_" أهلا بك مولاي الأمير ... هل تحتاج خدمة ؟".

بادله فراس الابتسامة لكنها كانت فاترة على غير ما اعتاده أمين المكتبة و قال (فراس):

_ " نعم أنا أحتاج مساعدة ".

شبك العجوز أصابعه و قال باهتمام مقربا أذنه بأدب و قال :

_" تفضل يا مولاي ".

تردد فراس مبدئيا في تقديم طلبه لكنه تشجع قائلا :

_" هل يمكنني الإضطلاع على الأرشيف الخاص بعمال القصر ؟".

إستهجن العجوز طلبه و تقطبت ملامحه و راح يحدث نفسه:

_( لماذا قد يطلب الأمير الصغير طلبا كهذا ؟ الفتى لا يبدو على مايرام هذا اليوم ) .

إبتسم العجوز للفتى و قال :

_" هل يمكنني أن أسألك عن السبب؟".

أجاب فراس بثبات :

_" لقد مللت قراءة الكتب العادية كما أنني أريد قراءة كل شيء في هذه المكتبة ... كل شيء بما في ذلك كل المخطوطات او المعلومات التي تخص القصر و عماله ".

رد الأمين بهدوء مختلط بشيء من التأسف :

_" طلبك هذا غير ممكن يا مولاي ".

_" لماذا ؟!". قال فراس بصوت فيه بعض من الإنزعاج .

_" على الأرجح معلومات مثل هذه لا تخزن هنا بل في المكتبة الخاصة بالملك نفسه فهي لا تحتوي على معلومات تخص عمال القصر فقط بل معلومات ( أخفض العجوز صوته فجأة و أردف) في غاية السرية و لا يمكن الإضطلاع عليها ".

_" لكنني قد سمعت ...( توقف فراس متذكرا أن هذا الأمر لا ينبغي أن ينكشف ولا يجب عليه أن يبدي أي شيء او تعبير بسيط قد يؤدي إلى إنكشافه ) لا شيء ، شكرا على مساعدتك سيدي ".

حك العجوز أذنه قائلا بخجل مصطنع :

_" هههه لا داعي لأن تناديني بسيدي فأن مجرد خادم عند سيادتكم كما أنني هنا إن كنت تحتاج إلى أي مساعدة ".

إبتسم فراس له ثم غادر المكتبة و عند الرواق أمسك ذقنه و قال في نفسه :

_( لكن كيف ؟ ألم يقل راجي بأن المكتبة تحتوي على الأرشيف الخاص بديوان العمال؟ ) .

و في هذه الأثناء إستحضرت ذاكرته ماقاله راجي سابقا :

_( فراس أنت ستتولى أمر البحث في أسرار العمال و الحراس و تعرف كل شيء عنهم ... رواتبهم ، دوامهم ، كل شيء عنهم فأنت الأقرب من المكتبة الملكية التي تحتوي على الأرشيف الخاص بديوان العمال ) .

وضع فراس يده على رأسه قائلا بذهول :

_" المكتبة الملكية! كيف غاب عن بالي شيء كهذا ؟ أتذكر أن هناك مكتبة خاصة و صغيرة في جناح والدي لابد أنها هي المقصودة ".

✳️✳️✳️

عند شرفة القصر كان الملك ماروان قد إجتمع بوزيره ممدوح يبادله بعض الآراء ، كان ممدوح يضع يديه خلف ظهره و عيناه مثبتتان على ظهر الملك .

_" لقد مرة خمسة عشرة سنة فعلا و ها نحن قد إقتربنا من الانتهاء ". قال الملك .

إرسمت ابتسامة خبيثة على شفتي ممدوح وقال :

_" لكن يا سيدي أنت لم تعثر بعد على الذي كان يتنصت عليك تلك الليلة و بقاءه كل هذه المدة طليقا سيعرقلنا أكثر ".

قطب ماروان حاجبيه بقلق :

_" بمن تشك أنت ؟".

تقدم ممدوح بضع خطوات إلى الأمام قائلا :

_" من بإمكانه أن يدخل إلى غرفتك بدون إذن يا ترى ؟".

أثارت هذه الجملة فضول الملك و أطلق سمعه مركزا و أردف ممدوح :

_" هناك شخصين فقط يمكنهم الدخول إلى غرفتك بدون ان يعترضهم الحرس دونا عن أبنائك و جواريك ( صمت الوزير لوهلة ثم نظر إلى عيني الملك بثقة و تابع قائلا ) كبير الخدم و نائبه".

حرك الملك ماروان رأسه بعد أن بدأ يستوعب ما يوحي إليه وزيره و قال :

_" أما كبير الخدم فقد قضى قرابة الثلاثة أشهر على فراش المرض و لا أظنه قد يدخل دون أن يحدث ضجة بسبب ثقل جسمه و خطواته لذا يتبقى شخص واحد فقط ...".

و بصوت واحد قال كلاهما :

_" راجي !!!".

أغلق الوزير ممدوح عينيه و قال برضا :

_" بالضبط ... أحسنت يا مولاي ".

ضغط الملك بقوة على الشرفة و مالت حاجباه حتى غطت عيناه من الغضب و قال :

_" لماذا يا ترى قد يقدم هذا الفتى على أمر كهذا ؟".

_" لا تتسرع يا مولاي فهذا مجرد إحتمال و قد لا يكون هو ألا تذكر بأن جاريتك التي كانت معك قد قالت بأنها سمعت صوت أقدام تشبه تقريبا خطوات الأطفال ؟".

ضيق الملك مقلتيه بعد أن تذكر كلماتها ثم رد يديه خلف ظهره و قال بحزم :

_" لا أظن أن أولادي قد يكترثون لشيء كهذا لذا فأنا أرشح بقوة الإحتمال السابق ... راجي هو الوحيد دونا عن أفراد أسرتي من يمكنه الاقتراب من جناحي دون إذن مسبق ".

قال ممدوح معقبا على كلامه :

_" و الأكثر من هذا ... لماذا جاء إلى غرفتك أصلا ، فلو كان ينوي خيرا لكان مجيئه لسبب معين".

إبتسم الملك فجأة و قال :

_" حتى لو كان هو فلست خائفا منه ... فماذا عساه قد يفعل ؟ إنه مجرد خادم مسلوب الارادة و لا حول له و لا قوة ".

قاطعه ممدوح محذرا :

_" إياك و الإستخفاف به يا مولاي ... هل نسيت ما كانت تحترفه أسرته ؟ ".

_" ما الذي كانت تحترفه أسرته ؟".

إقترب الوزير بشفتيه ناحية أذن الملك و قال له شيئا بصوت منخفظ جعل ماروان يفتح عينيه عن آخرهما مندهشا .

✳️✳️✳️

بالعودة إلى جناح قيدار ، هو الآن جلس ينتظر أي أخبار قد تأتيه من راجي أو فراس ، يده كانت على خده ثانيا رجليه على بعضهما بينما راحت ذاكرته تستحضر له بعضا من مشاهد الماضي عندما كان صغيرا يلعب في منزل الخوخة في عمر السادسة في هذه الأثناء دخل خادمه الجديد و الذي كانت إمرأة شابة و هي خادمته الجديدة مكان راجي بعد أن تم إستبداله ، لم يستغرب قيدار وجودها فهو معتاد على مجيئها إلى هنا في بعض الأحيان تقدم له الطعام و تسأل عن حاله من وقت إلى آخر ، إن الشيء الوحيد الذي يحصل له عند دخولها هو ذاك الشعور الغريب بالحنان فالكلمات التي تخرج من فم الأنثى لا تقع على الأذن بنفس النغمة التي تصدر بها من فم الذكور و هذا ما كان ينقص من حياته "الحنان" فقيدار لم يرى أمه قط و لم يستشعر بتاتا دفئ أحضانها ، راودته أفكار للتو لكنه سرعانما تجاهلها بعد أن شعر للخجل في داخله .

تقدمت الخادمة إليه و قال بصوت رقيق :

_" هل هناك أي شيء ينقصك اليوم سيد قيدار؟" .

رد الفتى بتلعثم و وجنتاه محمرتان :

_" لا ، لا ،لا إطلاقا لا يوجد أي شيء ينقصني " .

_" حسنا أخبرني إن كنت تريد أي شيء فقط أرسل حارس الباب في طلبي و إذكر له إسمي فقط "ميساء" و سأحضر فورا ".

حك قيدار رأسه قائلا :

_" حسنا كما تريدين " .

انحنت الخادمة ثم انصرفت و بعد مغادرتها إنهالت عليه أنهار من الأفكار المختلطة المتداخلة مع مشاعر غريبة لم يعتد الشعور بها ، مزيج من الدفئ و الرهبة في نفس الوقت كما أن دقات قلبه كانت تتسارع أيضا بشكل غريب و غير معهود و بينما هو على هذه الحال دخل فراس و معه سجل كامل و على شفتيه إبتسامة عريضة :

_" لقد فعلتها ... لقد أحضرت السجل " .

شعر قيدار بشيء من الانزعاج لكنه كتمه قائلا :

_" جيد فلننتظر فقط عودة راجي حتى نباشرة في تنفيذ الخطة ".

أومأ فراس في صمت .

لكن في أسفل القصر كان راجي واقفا يتقيأ الدم ماسكا واضعا يده على صلبه ينظر بعينيه هادئتان من خلف شعره المنسدل على وجهه ناحية الأمير يزيد ... كان يزيد في حالة من الجنون ،شعره منفوش كالصوف و ملابسه ممزقة كان يضحك بطريقة غريبة و يقول :

_" لقد انتظرت هذه اللحظة لسنوات عديدة ... لقد أهنتك كثيرا ... خطفت منك أختك و أهنتك أمام والدي و الجميع لكنني أشعر بالضيق في كل مرة أرى فيها ثباتك المزيف هذا و هدوءك المريب ... قلي لماذا تتصرف هكذا ؟ ألا تعني أختك لك شيئا ؟ هل فقدت رجولتك و أصبحت ديوثا ؟".

كان راجي في أعماقه يود لو يخرج كل ما في داخله من طاقة و يصبها كلها على يزيد حتى يقتله لكن مهمته لم تسمح له بذلك .

تقدم يزيد ناحيته و أمسكه من شعره ثم انحنى و همس في أذنه بكلمات جعلت عينا راجي تضيق لوهلة ثم عادت الى طبيعتها من جديد و بينما هو على وشك أن يسدد لكمة له إذ به يهوي بقوة حتى إرتطم بالصناديق الخشبية من خلفه ،إلتفت يزيد ليرى من سدد له هذه الضربة الموجعة فتفاجأ بقيدار و فراس من خلفه ينظران إليه بإحتقار حينها فقط أطلق ضحكة عالية و قال :

_" أنظرو من أتى ... الفتى اللقيط و معه ... لا أصدق ، أخي الذي من لحمي و دمي جاءا حتى ينقذا هذا اللقيط الآخر من بين يدي ( قام من وسط الركام ثم تغيرت ملامحه فجأة و أردف بصوت خشن ) يبدو بأنني سأحسم مواجهتي معك هنا و الآن فقط و لا يهمني ماذا سيفعل بي والدي بعد الآن ".

يتبع ....

2025/12/15 · 66 مشاهدة · 1525 كلمة
نادي الروايات - 2026