المشهد الثاني :" لقاء بصديق قديم".
نط ثلاثتهم بالترتيب أمام دكان عمر و قيدار و من ثم تقدموا ببطء و إستل أوسطهم سيفه و حدق للحظة بتفاصيل الدكان .
لاحظ عمر حضورهم فأوجس منهم خيفة بعدها قام مباشرة آمرا قيدار بإحضار الفأس المعلق على الجدار راح الفتى ليحظره مسرعا حينها تقدم الثلاثة و توقفوا عند الدكة فمد أحدهم يده ملامسا القماش بينما الذي في الاوسط و الذي يتبين من هيأته أنه زعيمهم او قائدهم إمال رأسه ناحية اليسار ناظرا الى الداخل فحجب عمر عنه المشهد بجسده و قال بثبات :" ما الذي جاء بكم إلى هنا ؟" .
_" أهكذا هي طريقتك في الترحيب بعملائك ؟", قالها الملثم بسخرية ثم أردف قائلا :" يبدو لي أنك تاجر فاشل فمنظر هذا الكم الهائل من الاقمشة المكدسة و التي قد أكلها الغبار يدل على ذلك ". سكت هذا الاخير لوهلة ثم رفع بصره إلى عمر قائلا بلهجة تهديد :" لا أريد ان يطول لقاؤنا لذا إستسلم و سلم الفتى إلينا بدون أيت متاعب ، إتفقنا ؟؟".
إبتسم عمر مستهزءا ثم حدق إلى أظافره بعدم إهتمام و من ثم قال بهدوء تام :" و ماذا إن رفضت ذلك ؟ هل ستقلني مثلا ؟! ... يبدو لي أنكم انتم هم الفشلة الحقيقيون تأتون إلى هنا و تهددون تاجرا وسط هذا الكم من الناس و الباعة و تنتظرون مني الاستسلام و تسليم نفسي ... حقا !!!". ضحك الملثم ضحكة جافة ثم رد :" يا رفاق يبدو لي بأنه من الصعب تنفيذ مهمتنا بسهولة ". أومأ تابعاه الآخران موافقان و في لحظة غير متوقعة شق الملثم عمامة عمر البالية بسيفه إلى نصفين بدون أن يخدشه، شعر عمر بالخطر فتراجع إلى الخلف فناوله قيدار الفأس بعدها تقدم مهرولا صوبهم و رفع فأسه عاليا و هوى به محاولا إصابة الملثم من رأسه لكن الآخير صد الضربة بسيفه و ما لبث أن تقدم ملثم آخر بخنجره يريد فخذ عمر إلا أن عمر تفاداه و حرك فأسه بطريقة إحترافية قاطعا أصابع ذاك الملثم فتراجع متألما ، تقدم آخر قافزا على الدكة فتبعثرت البضاعة على الارض ،تصدى له عمر لكن المكان كان ضيقا و غير مناسب للقتال فإضطر إلى نقل المعرك خارج الدكان .
بدأت أصوات ضربات المعدن تصدح عاليا فإنتبه المارة لما يجري فتجمعوا لمشاهدة هذا النزال الذي دار بين عمر لوحده و ثلاثة رجال مجهولين ، كان عمر يتفاداهم بسهولة و براعة لكن قائد هؤلاء لم يكن سهلا كذلك فهو يبدي براعة عالية في إستخدام السيف .... الضربات كانت تتتابع بدون توقف و الغبار من حولهم إرتفع حتى غطى كامل المشهد فلا ترى إلا شرارات إصطكاك الاسلحة فيما بينها .
و أثناء المعركة شعر عمر بشيء من الوهن و بدأ التعب يستولي على جسده .
_" يبدو لي أن كل هذه السنوات الخالية من المشاكل قد جعلتني أفقد لياقتي ... يال الحسرة !". قالها عمر متأسفا .
كان عمر متأكدا من شيء واحد و هو أن هدف الملثمين الرئيسي هو قيدار و هذا ما جعله يحاول قدر الامكان إبعادهم عنه فبدأ يلتفت يمينا و شمالا باحثا عن رمل في الأرجاء ... كان يفكر بكل هذا و في نفس الوقت يتصدى لهجمات الملثمين الذين قد لاحظوا الضعف الذي قد أخذ يستولي على خصمهم و هنا همَّ قائدهم بتنفيذ حركة خطيرة أودعت بعمر ملقى على الأرض منهكا لكن لحسن حظه قد وجد جرة بجانب الخيمة التي وقع بجانبها مملوءة بالرمال البيضاء الناصعة .
إبتسم عمر بثقة و هو ملقى على الارض في وجه الملثم الذي يوشك ان يهوي عليه بسيفه فرفع عمر يده بطريقة غريبة ثم ... (ففففف) إرتفعت ذرات الرمل في وجه الملثم حاجبة عنه الرؤية فنهض عمر بطريقة محترفة و ضربه بقدمه عند بطنه فهوى متدحرجا إلى الخلف .
_" مستحيل !!!!" . قالها الملثم و عيناه بارزتان من الدهشة .
لكن ما زاد دهشته أكثر هو الرمال التي كانت تطوف و تلتف حول عمر بطريقة جد عجيبة .
لاحظ تابعاه الآخران ذلك فإتخذا وضعية قتالية إلا أن عمر تفاداهما و ركض هاربا ناحية دكانه فأمسك قيدار من يده و أخذه هاربا ناحية شوارع الحي و بينما هما يركضان و عند الزقاق على جهة اليمين سمعا صوت صفير فإلتفتا ناحيته ليجدا شخصا آخر يشير لهما " من هنا هيا " .
لحقا به عبر الزقاق الضيق و التي كانت رائحته عطنة لدرجة جعلت قيدار يتقيأ ، كانت هيأة الشخص توحي بأنه مجرم أو قاطع طريق و هذا ماجعل عمر يتخذ مسافة الأمان .
_" لا تقلقا ... فانتما حاليا بيد شخص يحفظ طرقات و أزقة هذه المدينة شبرا شبرا ". قالها الشخص و هو يصعد جدارا قصيرا .
_" تقول هذا و كأننا سنثق بك من أول لقاء ". قالها عمر و عيناه مثبتتان على السيف القصير المعقوف المربوط عند خاصرة الرجل.
لم يرد الرجل إلا بضحكة ارتفعت للحظة ثم إنطفأت بعدما شاهد الملثمين يركضون في الجانب الآخر من الزقاق فإضطر إلى تغير مسار الهرب و سلك زقاقا آخر لم يختلف كثيرا عن سابقه .
_" لا تقلقا فنحن سنصل إلى الجانب الشمالي من المدينة هناك حيث ستكونان بأمان .... آمل ذلك بالطبع هههههه". قالها الرجل .
و هنا تكلم قيدار بعد فترة من الصمت :" ما هو سبب مساعدتك لنا ؟".
تحرك حاجب الرجل الأيمن بطريقة غريبة ثم أجاب :" يمكنك القول بأنني فاعل خير فقط ... هناك ناس يحتاجون إلى المساعدة فساعدتهم ... هذا كل ما في الأمر".
_" فاعل خير!!! ... من الناذر حقا أن تجد أناسا مثل هؤلاء".
_" لاتقلق حيال هذا الأمر يا ولد فأنا لن أطلب منكم المقابل فلتعتبروها أشبه بهدية تعارف أو شيء من هذا القبيل ".
ضيق عمر عينيه شاكا في كل كلمة تخرج من فم هذا الشخص الغريب .
بعد فترة من الاختباء خرجوا من الزقاق ،لتستقبلهم طرقات واسعة ، مصقولة كأنها زينت للملوك .
على جانبين إصطفت أشجار في نظام هندسي بديع و كلها من نفس النوع و الطول تقريبا و كأنها تحرص الأرصفة الحجرية ، كانت بيوت هذا الحي مبنية بطريقة فنية أقواس و أعمدة مزخرفة ، قباب صغيرة من الطوب على السطوح ، نوافذ زجاجية تعكس ضوء الشمس ، و رائحة الليمون و الياسمين تفوح في الأرجاء .
و قف قيدار مذهولا ، و عيناه تتجولان بين المنازل و الاشجار و الناس الذين ارتدوا ملابس أنيقة .
و فجاة قال بدهشة و هو ينظر إلى أحد النوافير الصغيرة المنقوشة :" ... و كأننا قد دخلنا مدينة أخرى !!! هل أنتم متأكدون أننا لم نغادر مدينتنا ؟؟".
ابتسم الملثم تحت وشاحه ثم ضحك قليل و هو يقول :"إنها نفس المدينة ... إلا أنها ليست متاحة للجميع ".
و بالنظر إلى عمر فهو لم يبدي أي تعجب او ذهول و كأن هذه الممرات تحفظ خطواته جيدا .
واصل الغريب قيادتهم عبر ممرات الحي الراقية ، ثم انعطف جهة الشمال عبر زقاق آخر قصير ليدخلوا حيا آخر كان هذا الحي لا يختلف كثيرا عن حيهم القديم من حيث الشكل لكنه كان نظيفا نسبيا و شوارعه متسعة قليلا إلا ان جدرانه المائلة و نوافذ منازله المحطمة كانت تخبر عن فقره .
دخلوا بيتا من طابقين ،بابه الخشبي مفتوح ، و من داخله تعالت أصوات و ضحكات و طفل يبكي عند الزاوية كان البيت عبارة عن مأوى للفقراء و المتشردين غرفه متناثرة و به مطبخ جماعي و ناس قد لبسوا ثياب الفقر .
فور دخولهم إستقبلهم رجل طاعن في السن رحب بالملثم كأنه يعرفه منذ زمن و من ثم دلهم على شقة صغيرة خالية في الطابق الثاني دخلوا إليها و أغلق الملثم الباب و من ثم سحب وشاحه ببطء و إلتفت ناحية قيدار و عمر و تحدث الصدمة .
_" سارم !!!". قالها عمر بصوت متهدج .
ابتسم الرجل و كانت في إبتسامته مرارة العائد من الموت :
_" مازلت تتذكرني يا رفيق الكفاح؟! ".
عانقا بعضهما بشوق و قيدار ينظر إليهما و هو لا يفهم ما يحصل الآن .
_" لقد ظننت أنك قد مت منذ زمن؟؟ ". قال عمر متسائلا بصوت يملأه الدهشة و الاهتمام في نفس الوقت .
رد سارم مبتسما :"لقد ظننت ذلك أيضا ههههه". صمت ملتفتا إلى قيدار ثم أردف :" لكنني قد عدت ... من أجل الأمانة ".
نظر الفتى إليه متعجبا متسائلا ، قطع سارم حبل تساؤلاته بكلمات زادته حيرة :" أنا هو وصيك الثاني يا قيدار كما أوصاني أباك من قبل و ها أنا ذا قد وجدت الأمانة التي ضاعت مني قبل زمن بعيد".
يتبع ...
⚜️⚜️⚜️