" ما قبل خمسة عشرا سنة ج 2".
شعر قيدار فجأة بشعور غريب و كأن السماء قد إنفتحت أمامه و أن كل ما كان يظنه عابرا في حياته كان جزءا من خطة ما .
تابع سارم سرد قصته :" سلمك والدك لنا و ذهب كالأسد الضاري لينقض على الأعداء بينما قمنا أنا و عمر بالهروب ... مازلت أشعر بالذنب كلما تذكرت هروبنا من ميدان المعركة و ضعفنا في حماية قبيلتنا لكن المهمة كانت هي الأولى و هي .... حمايتك أنت يا قيدار ".
صمت سارم و مد يده لتناول لقمته ثم ارتشف قليلا من الماء ألحقها بلقمة أخرى و بعدها إلتفت إلى عمر مبتسما و قال:"خيبت ظني يا رجل ... لماذا لم تخبره بالقصة ؟".
_" أااااا .... أردت أن ... ليس لدي تبرير لذلك صراحة ". قالها عمر بحرج .
_" لكن على الأقل لو أخبرته لكنت وفرت عني عناء سرد نصف القصة ههههه".
بدى الفتى قيدار شاردا و تائها داخل غابة من الأفكار و سرعانما لاحظ سارم ذلك على وجهه فلوح بيده أمامه و قال :" لا تغص كثيرا إبقى معنى ".
صمت قليلا ثم تابع سرد قصته :" بعد أن هربنا ضعنا داخل الصحراء و يالها من صحراء ، إنها متاهة مفتوحة للجميع لكن المحظوظ فقط من يخرج منها حيا ... بعد أن دخلنا إليها بدأت العواصف الرملية بالهجوم علينا حاولنا السيطرة عليها بإستخدام قوانا لكن رمال الصحراء لم تكن لترضخ أمام سفيهين مثلينا و بسببها ضعنا و افترقنا ، بحثت عنكما كثيرا لكن بلا جدوى فقضيت عاما كاملا في الصحراء أستظل تحت النخيل بجانب واحة لقد كانت بمثابة الجنة على الارض لم أدري أنه من الممكن أن أجد مثل تلك الجنة بداخل صحراء شاسعة ... قضيت ذلك العام أقتات على الغزلان و بعض الفئران ... لكن الأمر السيء في كل هذا هو أنك بمجرد النظر الى مدى شساعة الصحراء ستدخل في دوامة و تهم بقتلك نفسك من الخوف و أحيانا تبدأ بالهلوسة و يظهر أمامك السراب الخادع ... تخيل فقط !! عام كامل داخل صحراء أعاني لوحدي لكن كان قدري بعد ذلك أن أخرج منها سالما".
سكت سارم و كأن تذكره لتلك المرحلة مازال يؤثر عليه لحد الآن .
ظل كل من قيدار و عمر ينتظران بقية القصة لكنه أعرض عن ذلك قائلا :" فل نتوقف هنا ... يبدو لي بأنني لن أستطيع المتابعة كثيرا ... و ماذا عنكما ؟ كيف نجيتما من تلك الصحراء القاتلة ؟".
تنهد عمر بعمق و من ثم شرع في سرد حكايته :" بعد أن إفترقنا بأيام كدنا أن نتوه لحسن الحظ أنه في اليوم الثالث على ما أذكر مرت قافة تجارية من هناك فإصطحبنا أصحابها إلى مدينة زهرة الساحل و عرضوا علي العمل معهم بحيث أمسك أنا فرعهم التجاري في هذه المدينة و في رأس السنة الموالية أتقاسم معهم الأرباح ... بقيت هكذا لمدة أربعة أعوام حتى تمكنت من ضمان حياة لا بأس بها لقيدار و من ثم إنفصلت عنهم بسبب أن رئيس القافة بدأ يشعر بالغيرة و خاف من اتفوق عليه فطردوني فإضطررت للبدأ من جديد و ها نحن ذا كما ترانا عشنا لمدة 15سنة كاملة في سلام حتى طاردنا ألئك المجرمون و لابد من أنهم يعملون إلى جانب فرقة المدرعين الذين داهموا قبيلتنا هذا على حسب زعمي ".
و بعدما إنتهى عمر من سرد القصة مباشرة وقف قيدار و لم يتفوه بكلمة و راح يحدق بكليهما ثم مد يديه لهما و قال :"يبدو أنكما قد عانيتما كثيرا بسببي ... أرجوا أن تسامحوني " . بدأت الدموع تتسلل من جفنيه لم يستطع إخفاءها ، فقام عمر إليه و إحتضنه بشدة ثم مسح الدموع من عينيه و قال له بصوت حنون :" لا تبكي فهذا هو الواجب لو كانت مسألة حمايتك تزعجني لرميتك حينها في الصحراء و لا أبالي بك بعدها لكنني لم أفعل ... لقد أدركت أنه في الحياة يجب عليك أن تضحي بجهدك و شبابك من أجل حماية الناس الضعفاء و إلا فلا معنى لوجودك أبدا هل فهمتني يا ... بني".
كانت وقعت كلمة "بني" على قلب قيدار دافئة لدرجة أنها جعلته يحتضن عمر لا إراديا و هناك أمام الطاول كان سارم يشاهد كل هذا بصمت مضيقا عينيه بطريقة مريبة لكنه سرعانما أخفاها لما إلتفت عمر إليه فقام من مجلسه قائلا :" يبدو أن الليل قد دخل علينا بدون أن ندري ..." ضرب كفيه بسرعة و تابع :" تفضلا الى الغرفة المجاورة رجاءا ".
قادهما سارم إلى مكان نومهما و من ثم أطفأ سراج الغرفة و ذهب لي نام في غرفة الإستقبال ، غرق عمر في النوم مباشرة بينما قيدار ظل مستيقضا واضعا يديه خلف رأسه ناظرا إلى السقف و ضوء القمر يدلي بوهجه على وجهه ...." لماذا تغيرت الحياة فجاة أمامي هكذا ؟ لم أعد أشعر أبدا بكوني قيدار فتى عمر ، يبدو لي ان هناك شيئا ناقصا ،ما هو السبب الذي جعل ... والدي !! يتركني بين يدي عمر و سارم و يضحي بنفسه ؟ أجل ، يبدو ان هناك أمرا ناقصا في كل هذه القصة ".
كانت كل هذه التساؤلات تدور في ذهن قيدار و لم تفارقه طيلة الليل .
و فجأة قطع صوت إنغلاق الباب حبل أفكاره فقام ليتفقد ما حدث
ليتفاجأ بأن سارم غير موجود في الغرفة ... سارم قد غادر .
يتبع ...
✳️✳️✳️