5 - "الصحراء تنادي من جديد"

المشهد الرابع :"الصحراء تنادي من جديد".

ذهب قيدار ليوقض عمر من النوم فإستيقض الرجل بصعوبة و بدأ يفتح عينيه بتثاقل بعدما تغطت برمال النعاس ففركهما لثوان ثم حدق بقيدار متجهما :" ما بك ؟؟؟ ... لماذا أيقضتني ؟".

_" سارم قد غادر الشقة في منتصف الليل ... يبدو الامر مريبا بالنسبة لي ".

إبتسم عمر مغلقا عينيه و عاد للنوم بعد ان قال :" اذهب الى النوم يا ولد ... فهذا سارم إنه طبعه منذ الصغر ... يحب التجوال خارجا في الليالي الظلماء لذا لا تشغل بالك به كثيرا ".

حرك قيدار بصمت وجهه ناحية القمر الذي يطل عليهم بضيائه من النافذة ثم قال في نفسه :" يبدو لي أن هنالك العديد من الأمور التي يجب علي معرفتها عن هذين الرجلين ... أمرهما غريب ، أم أنه ليس كذلك !!! ربما انا الذي تأثرت كثيرا بسبب حكايتهما ".

عاد الولد الى فراشه و تغطى جيدا ثم سلم نفسه لأحضان النوم .

بعد ليلة طويلة من النوم إستيقض كلاهما على صوت صياح الديك ، فتح قيدار عينيه سريعا و بنشاط و كأنه لم يكن نائما بينما عمر يفتح عينيه بتثاقل كعادته ثم تمدد و تثاءب بعدها جلس محاولا الاستيفاق جيدا في الجهة الأخرى كان الفتى قيدار ينظر إليه مشفقا على حاله و هو يلوم نفسه من الداخل :"كل هذا بسببي ... أنا من تسبب له في هذه المعاناة يا ليتني لم أولد كإبن زعيم القبيلة حينها لما حصل كل هذا " .

_" بماذا تفكر يا فتى ؟؟؟" . قالها عمر قاطعا حوار قيدار الداخلي .

فرد الفتى و ملامح الأسف بدأت ترتسم على وجهه :" أنا آسف ... آسف حقا بشأن كل ما حصل معكما ... فلو لم أن إبن زعيم القبيلة لما حصل معكما كل هذا ".

بقي عمر ينظر إليه بدون أن يبدي أي تعبير ثم قال :" ما هذا الذي تقوله أنت يا فتى؟ ... هل تظن أن الأمر كله بسببك !؟ الأمر أعمق من هذا بكثير ". بعد أن قال عمر مقولته هذه قام من فراشه و إتجه إلى الغرفة الأخرى التي من المفترض أن تكون مطبخا صغيرا و أخذ جرة ماء و شرب منها ثم وضعها على المائدة الصغيرة و قال ناظرا الى ستائر الغرفة الممزقة :" إن إبقاءك على قيد الحياة كانت مهمتي فأنا مساعد زعيم القبيلة لم أنقذك لأنك الفتى قيدار بل لأنك إبن سيدي و هذا من ضمن أولويات عملي فقط ... هل فهمت مقصدي ؟".

أبقت هذه الكلمات قيدار في حالة من الضياع فهو قد أدرك لتوه أن عمر لم يكن ينقذه لأنه أحبه كفتاه "كإبنه بالتبني" بل لأنها طبيعة عمله و هذا ما فتح عقله على باب من أبواب الحياة العجيبة .

و عند زاوية المطبخ يقف عمر ناظرا اليه بنظرات باردة و داخله يقول :" أنا آسف يا قيدار ... علي أن أقول لك هذه الكلمات لكي تتعلم الإعتماد على نفسك و تدرك بأن آداءك لمهمتك في الحياة أهم من مشاعرك ... أنا آسف جدا ... آسف ، آسف ".

بقي كلاهما وسط صمت مدقع حتى دخل سارم و أغلق الباب سريعا و كأنه كان يطارد ثم قال و هو يلهث :" إحملا ما يمكنكما من متاع علينا الهروب من هنا في أسرع وقت ".

_" لماذا ؟؟ ما الذي حصل ؟" . قالها عمر بإهتمام و تعجب .

_" لقد وجدوا منطقة اختباءنا علينا الرحيل من هنا فورا قبل أن يكتشفوا مكان إقامتنا ... هيا بسرعة وضبوا أمتعتكم ".

لم يترك لهما أي فرصة للإستفسار وراح ليتحزم بسيفه القصير و حمل حقيبته الصوفية المليئة بالماء الطعام و بالمثل فعل كل من عمر و قيدار و بعد إنتهائهم من ترتيب أمورهم خرجوا بحذر و أغلق سارم باب الشقة و نزلوا الى الطابق الارضي حيث كان صاحب المكان العجوز ينتظرهم رفقة ثلاث أحصنة مجهزة للركوب نظر سارم إليه و قال متشكرا:" لن أنسى جميلك هذا أبدا يا سيدي و سأحاول أن ارده لك بأي ثمن ".

إبتسم العجوز حتى تكمشت جفونه و رد :"لا داعي فأنت قد قدمت الكثير لنا في الماضي فبسببك ما إستطعنا إكمال بناء هذا المكان ... أعلم أنك لا تحب التحدث عن الأمر لكن خيرك لا يمكنني أن أنساه ما حييت يا سارم لن أنسى خيرك أبدا ".

عانق سارم الرجل العجوز سريعا ثم اتجه ناحية الاحصنة و إمتطى أحدهم و أشار لعمر و قيدار بالركوب فركبت هما الآخران و إنطلقا ... إنطلقا بعيدا و بينما ركض ثلاثتهم بأحصنتهم مبتعدين عن مدخل المدينة "زهرة الساحل" إلتفت قيدار ناحيتها و ألقى نظرته الأخيرة مودعا إياها بعد أن عاش فيها و ترعرع فيها لمدة "15سنة" .

بعد ساعتين من الركض داخل الغابات بدأت ملامح المنطقة تتغير و الأشجار بدأت تتناقص و النبات الأخضر بدأ يختفي شيئا فشيئا كما أنهم بدأوا يتحسسون الرياح الساخنة تلفح جلودهم و على مرأى أعينهم لاحت صورة الرمال الصفراء معلنة عن خروجهم من المنطقة الساحلية إلى الصحراء ، توقف سارم أمام صخرة ملساء عليها ضب الصحاري البني و بدأت أنفاسه تتصاعد فلاحظ عمر ذلك فتوجه إليه بسؤال :" سارم !!! ... مابك يارجل ؟ لثد تغيرت ملامح وجهك فجأة !".

أغمض سارم عينيه بقلق و قال و العرق يتصبب ببطئ من جبينه:" لا شيء ... إنه صداع خفيف ....".

_"حسنا فل نتوقف هنا فحسب و نتابع غدا لا أظن أنهم سيتمكننون من اللحاق بنا لهذا الحد ".

أومأ سارم برأسه بثقل موافقا ، نزل ثلاثتهم من على ظهور الأحصنة فاستند سارم بظهره على شجرة فجاءه عمر بجراب من الماء كل هذا و قيدار ينظر إلى المشهد و داخله يلومه على كل ما يحدث فجلس ببطئ و ضم رجليه بيده و أسند جبينه على ركبتيه و سكت .

بدأت السماء تصبغ باللون الأحمر و ضوء الشمس بدأ يتراجع شيئا فشيئا .... انه المغرب ولازال ثلاثتهم في نفس المكان سارم إستلقى على الأرض نائما و عمر ينظر إلى أكوام الرمال التي تنتظرهم في الجهة المقابلة ، عمر يعرف جيدا ماذا يعنيه هذا ... "ضياع ، تيهان ، سراب ، رمال لا نهائية" كل هذه الكلمات خطرت على باله فور رأيته للصحراء و هذا بالذات ما جعل سارم يفقد توازنه فهم الآن على وشك أن يرجعوا بالماضي إلى نفس المكان لنفس السبب و سيواجهون نفس الوحش .... "الصحراء".

يتبع .....

✳️✳️✳️

2025/06/28 · 30 مشاهدة · 974 كلمة
نادي الروايات - 2026