المشهد الخامس :"الرمال و الهوية ".

حل الليل ... و بدأ الجو يصبح باردا ، إستيقض سارم من نومه و تفقد المكان بعينيه النصف مغلقتين ثم قال بصوت خافت :" لا أدري لما علي فعل كل هذا ... ".

_" سارم !!! لقد إستيقضت يا رجل ". قالها عمر بحماس .

نظر إليه سارم لوهلة ثم وجه بصره ناحية قيدار الواقف أمام صخرة واضعا يديه خلف ظهره رافعا رأسه إلى السماء و هو ينظر إلى القمر فإبتسم و قال بتهكم :" ما بال هذا الفتى قد أصبح حكيما فجأة ؟ ".

لم يرد عمر بأي شيء و إكتفى بإبتسامة قصيرة سرعانما إختفت ، و في وقت غير متوقع يسألهم قيدار سؤالا تركهما مندهشين ....

_" هل أنتما مجبوران على حمايتي حقا ؟؟؟".

لم يرد كلاهما فإستدار ناحيتها و نظر إليهما بنظرة جادة و كرر السؤال :" هل أنتما مجبوران على حمايتي ؟؟ ... قولا".

أخفض سارم رأسه و سكت أما عمر فتجمد مكانه يحدق في عيني قيدار ، تلك العينين اللتين لم يرى فيهها يوما هذا القدر من الثبات و الوعي .... لقد أدرك عمر لتوه أنه لم يعد ينظر إلى قيدار فتاه الصغير بل إلى قيدار الذي أصبح واعيا ... الفتى قد استيقض .

في هذه اللحظة بالذات إتسعت بؤبؤاه و بدأت ذاكرته ترجع به إلى يوم السقوط .

" حينها كان داخل خيمة متوشحا سيفه و على خصره جرة صغيرة مليئة بالرمل و أمامه مباشرة يقف رجل خمسيني ملامحه مألوفة له لحية بنية تميل الى الحمرة و شعره مظفر ينسدل ختى قفاه يرتدي ملابس الحرب ، كانت الأجواء تنذر بخطر مترقب و جميع من في الخيمة كلهم يتجهزون في هذه اللحظة تحدث صاحب الظفيرة مع عمر و كانت كلماته تزلزل القلوب :" إسمعني يا عمر اليوم هو اليوم الذي إنتظرته طوالي عمري و قد كنت أخشى حدوثه في وقت كهذا، ربما لم تكن قريبي ولا من نفس عرقي لكنك كنت مثل أخ من الدم و ساندتني كثيرا ...عمر أنا أثق بك لهذا سأوكل إليك مسؤولية حماية الوريث و إني على ثقة تامة بأنك ستنفذ مهمتك ولو كلف ذلك حياتك ... أنا اليوم سأموت من أجل القبيلة و أنت ياعمر ستحارب من أجل القضية إلى ان تموت و أتمنى أن نلتقي في الضفة الأخرى في أرض السلام " . بدأ هذا المشهد من الذاكرة يتلاشى ببطئ و عاد عمر إلى الحاضر ، إبتسم إبتسامة أنارت وجهه و من ثم تقدم بخطوات هادئة ناحية قيدار فوضع يده اليمنى على كتفه وقال محدقا في عينيه :" اليوم ...هو اليوم الذي إنتظرته طوال عمري و قد شعرت بالفخر و الرضا بعد أن رأيتك هكذا يا قيدار أنا حقا فخور ... آسف لأنني كنت قاس معك لكن هذه هي طبيعة العمل ولا أنكر أنني تعلقت بك و يحزنني فراقك لكن اللحظة تبدو لي بأنها إقتربت و لم يبقى الكثير على الفراق ".

نظر قيدار إليه مستهجنا كلام عمر و فجأة بدأت الدموع تحاوط مقلتيه و كعادته لم يستطع كبحها فإضطر إلى مسحهما و قال وشفتيه ترتجفان :" لا ... لا أريد أن نفترق بعد كل هذا ... لا أريد ، فأنت بمثابة الأب بالنسبة لي ".

إحتضنه عمر بحنان وقال وعيناه تنظران إلى القمر :" لا تقلق يا ول ... أقصد لا تقلق يا رجل ".

شعر قيدار بالكشعريرة فور سماعه لهذه الكلمة كما أنها أعطته دفعة قوية للمضي قدما في هذه الحياة كما أن هذه اللحظات فتحت عينيه على شيء أكبر مما كان يتخيله ، في هذه الأثناء قام سارم من مكانه و تقدم باتجاههم و وضع كلا يديه على كتفيهما وقال :" هل إنتهيتما من تبادل المشاعر الجياشة ؟؟؟ ... أظن أن الجو مناسب جدا للرحيل فالصحراء باردة في الليل و هذا مناسب جدا لإكمال الرحلة ... هيا بسرعة ".

سارع كلاهما لجمع أغراضهما و إمتطوا أحصنتهم مجددا و قبل أن ينطلقوا نظر سارم بثبات ناحية الصحراء و أخذ نفسا عميقا و قال :" فل ننطلق " .

ركض ثلاثتهم مقتحمين مدخل الصحراء عازمين على أن يتغلبوا عليها هذه المرة .

لقد كانت رمال الصحراء كثبانا هلالية الشكل و كأنها أمواج إنسيابية متلاحقة ، اشجار النخيل كانت موزعة في الأرجاء بشكل منظم و كأنها تحرس هذا المكان و الصبار يرفع سيقانه الشائكة و كأنه يقول "مرحبا بكم في درب الألم" . على أي حال ، كانت عينا قيدار تمسحان المكان بذهول و عند ملاحظته للنسيم يحرك قمم التلال الرملية تذكر اللحظة التي إستخدم فيها عمر تلك القوة عند قتاله للملثمين الثلاثة فحول نظره إلى عمر سائلا إياه :" لقد تذكرت عندما كنت تقاتل الملثمين أن إستخدمت نوعا من .... القوى السحرية لتحرك بها الرمال كيف تمكنت من ذلك ؟" .

فكر عمر مليا قبل أن يقول :" إنها تسمى ميزة التحكم في الرمل إنها قدرة يمتلكها أغلب سكان هذه الضواحي".

أضاف سارم معقبا على كلام عمر :" إن ميزة الرمل أقرب إلى ما يسمى بالهوية فمن لا يمتلكها فهو ليس إبن هذه البيئة و بالرمال نعرف الناس أهم منا أم من مكان آخر".

رفع قيدار يديه عن لجام الحصان و حدق فيهما لوهلة و قال :" هل يمكنني أن أتعلمها ؟؟؟".

نظر عمر و سارم إلى بعضهما في نفس الوقت متعجبين ثم أجابه سارم قائلا :" بالطبع لكن بعد معرفة ما إن كانت لديك القابيلة أم لا فإذا ثبت ذلك علمناك ".

رد عمر :" من الواضح جدا أنه يمتلك القابلية يا سارم فوالده كان يتقن إستخدامها ".

_" لكن هذا لا يكفي فهناك أناس لهم آباء يستخدمون الميزة بينما أبناءهم لا يمتلكون القابلية لفعل ذلك و أحيانا العكس ". قال سارم.

في هذه الأثناء قبض قيدار كفه بعزم كأن الإرادة تجمعت في راحة يده و قال بحماس :" أنا أريد أن أتعلم إستخدامها .... اليوم " .

يتبع ....

✳️✳️✳️✳️

2025/07/04 · 90 مشاهدة · 900 كلمة
نادي الروايات - 2026