المشهد السابع :"صوت من أعماق الذات".

بدأ قرص الشمس يصعد من خلف كثبان الرمال ناشرا شعاعه على امتداد الارض العارية ، تحت وهجها المتقد تابع ثلاثة رحلتهم لساعات ينتقلون فوق التلال الرملية بصمت ثقيل، حتى لمحت أعينهم فجوةً بين صخرتين ضخمتين، كهف صغير على طرف كثيب حجري.

توقف سارم، وأشار برأسه نحو المكان.

"فلنستظل هنا، لقد بدأت الرمال تحترق"، قالها بصوتٍ أجش وقد التصق الغبار بوجهه.

ترجلوا عن أحصنتهم، وربطوها عند مدخل الكهف، ثم أسند عمر الجرة في مواجهة الشمس على صخرة مسطحة.

قال سارم وهو يربت على لحيته:

"لننتظر، فالنبات بحاجة إلى ساعات تحت الشمس و بعدها سنرى النتيجة".

جلس الثلاثة داخل ظل الكهف، وقد بدأ العرق ينزلق من جبهاتهم. دقائق مرت، وسرعان ما لاحظ عمر شيئًا غريبًا في تصرفات سارم؛ فقد بدا شاردًا، يتحدث بطريقة مريبة، و يتمتم مع نفسه على غير العادة لكنه لم يلقى اهتماما عميقا بالامر ربما لأن التعب قد نال منه .

مرّت ساعات، حتى ذهب قيدار ليجلب الجرة. عاد بها وهو يلهث من شدة الحرارة، ثم قدمها لسارم الذي تفحصها بعينٍ حادة.

" أمممم ... مع الاسف لم تتحول الورقة الى اللون البني".

قال سارم بأسف مصطنع .

قطّب قيدار حاجبيه، وانسحب بهدوء نحو الخارج.

"قيدار!! توقف، الجو لا يُحتمل"، صرخ عمر.

لكن قيدار رفع يده في الهواء كأنه يطلب منه ألا يتبعه، ثم تابع طريقه وحده، يخطو فوق الرمال المتلظية، كأنها تبخر من تحت قدميه.

ظل يمشي بلا هدف حتى بلغ منطقةً تملؤها نباتات الصبار المنتصبة كالرماح، فجلس على صخرة كبيرة، ثم وثب عنها فجأة وهو يصرخ:

"آااه! إنها تغلي!".

ضحك ساخرًا من نفسه، ثم تمتم:

"مضحك أن أجلس على صخرةٍ أحر من غضبي."

جلس مجددًا فوق الرمال، وراح يتأملها. أخذ يحفر بأصابعه، يملأ كفّه بالرمل ثم يتركه يتسرب من بين أصابعه.

"كيف يمكن أن يتحكم أحد بهذه الحبيبات؟ كيف؟ لا بد أن يكون الأمر أعمق من مجرّد تدريب... لا بد من فهمها أولاً."

نهض وعاد راكضا بلهفة إلى الكهف ليسأل كليهما و عند وصوله وقف امام عمر وقال بحماسة :

"متى كانت أول مرة تحكمت فيها بالرمل؟"

تنهّد عمر، وبدأ بسرد قصته... ذكر له كيف كان في الصغر وسط عاصفة، وكيف انفجرت طاقته حين شعر أن حياته في خطر.

لم يلاحظ قيدار الكثير من الاشياء المهمة في قصة عمر بالرغم من انها كانت مشوقة للسامع .

"لكن... هذا لا يكفي"، قال قيدار بإحباط.

فاستدار نحو سارم، وسأله هو الآخر.

ابتسم سارم، ثم قال:

"اول مرة حررت فها طاقتي ؟؟ دعنا نرى !! ... (توقف ليتذكر قليلا ثم تابع )ان المرة الاولى التي حررت فيها طاقتي كانت عندما امرني شيخ القبيلة بمحاولة التأمل لأنني لم أكن أمتلك التركيز فكان علي التدرب على التأمل و التركيز و في تلك الفترة كان علي القضاء على الشعور الداخلي المزعج لقد كان الامر اشبه بإخضاع وحشٍ بري... تُجبَره على الركوع، ثم تستولي على قوته."

ترددت الجملة في ذهن قيدار كأنها نشيد غامض.

"إخضاع الوحش... هل يقصد الطاقة الداخلية أم شيء آخر؟".

في صمتٍ ثقيل، انسحب من جديد دون أن يشعر به أحد، متجهًا إلى بقعة نائية وسط التلال، حيث لا أحد يراقبه. جلس القرفصاء، وضم يديه إلى صدره، ثم أغلق عينيه.

مرت دقائق... ثم بدأت حرارة غريبة تتصاعد في جسده، وصوتٌ خافت يتردد داخله...صوت غير واضح لقد بدى و كأنه نداء من بعيد إستيقظ قيدار قاطعا جلسة التأمل و قال بإرتباك :" ماهذا الصوت ؟ هل انا اتوهم ام أنه نداء من الخارج ؟ هل كان عمر ؟".

قام الفتى بسرعة الى عمر و سأله :"هل نادى احدكما علي ؟".

نظر كلاهما الى بعضهما البعض فأومأ عمر نافيا و هنا شعر قيدار بإرتياب شديد و شعور غريب ،تنمل تحت الرقبة و دقة قلب قوية و تشنج في منطقة البطن مع بلع متلاحق لريق الفم لقد عرف قيدار لتوه ان تحرير طاقته ليس بالامر الهين وسط كل هذا كان سارم يحدق بقيدار صامتا و كأنه يعرف المرحلة التي يمر بها الولد بالتفصيل لكنه فضل السكوت لأمر في نفسه.

قبض قيدار كفيه و قال محاولا تشجيع نفسه:"يبدو أن هذه هي اول عقبة أمامي سأذهب و أحاول من جديد".

إستادر الفتى مغادرا و في هذه اللحظة قال له سارم كلمات زادت من حيرته أكثر :"لا تستسلم للنداء ياولد ... إياك ان تفعل".

التفت قيدار اليه ببطئ و علامات الخوف قد برزت على ملامح وجهه إلا أنه تابع محاولا تخطي مخاوفه و جلس في نفس المكان و أغلق عينيه ...

بدأ قيدار يفقد الشعور بجسده تدريجيا و هذا ماجعله يشعر بالذعر للمرة الثانية و فتح عينيه بسرعة و شهق شهقة قوية كأنه خرج لتوه من اعماق البحر .

_"لا أصدق !!! ماذا حصل ؟؟ هل ماحدث كان حقيقي ام انني بدأت أتوهم ؟ يبدو ان الصحراء بدأت تجعلني اهلوس كما قال سارم ... لكن علي ان اتابع ،علي ان اصبح محاربا يتحكم بالرمال كبقية فرسان قبيلتنا علي أن أحمل نفس ماحملوه ".

أغلق قيدار عينيه للمرة الثالثة و عزم على اقتحام مخاوفه و بالفعل بدأ ذلك الشعور يستحوذ عليه مجددا و بدأ يفقد الشعور بجسده كذلك و في هذه اللحظة بالذات سمع صوتا ينادي عليه من الاعماق لكنه في هذه المرة كان واضحا ...

“ستندم عما قريب يا ولد... فحياتك لن تكون كما كانت بعد الآن.”

فتح قيدار عينيه بفزع، وتناثر العرق من جبينه.

_"يا إلهي !!! ماهذا؟؟ لا أصدق !!".

أخذ الفتى يتنفس الصعداء كما أنه عاجز حاليا عن فهم الظاهرة التي حصلت معه فجلس و بقي يحدق بالرمل ظننا منه أنه قد بدأ يهلوس او أنه قد فقد عقله .

و بعد فترة بدأ الليل يرخي ستاره ببطء، والقمر يتهيأ ليشهد ولادة شيء ما... شيء لم يحدث منذ زمن طويل.

يتبع...

✳️✳️✳️

2025/07/16 · 226 مشاهدة · 884 كلمة
نادي الروايات - 2026