تنويه :
"الفصل لا يناسب من كانت عنده هشاشة نفسية او وسواس قهري ".
المشهد الثامن: "على عتبات الجنون".
كان القمر يتضاءل فوق السماء،وجهه يتضائل يوما بعد يوم ، و قيدار جالس تحت نوره الباهت، ساكنًا كحجر نُسي في العراء. لا صوت يعلو فوق صمت أفكاره المشوشة، ولا حركة تتجاوز رعشة قلبه المضطرب.
"ما الذي سمعته للتو؟ هل كان حقيقيًا؟ أم أن الجنون بدأ ينسج خيوطه حول رأسي؟"
أسئلة تدور كالسكاكين في داخله. شيء ما انكسر... شيء ما انبعث من ظلمة لم يعرف أنها تسكنه. كان قيدار لأول مرة يشعر أنه غريب عن نفسه، وكأن هناك كيانًا آخر يتنفس بداخله.
"هل أنا أنا؟ أم أنني صدى لشيء آخر؟ هل بدأت... أفقد ذاتي؟"
في الجوار، عند مدخل الكهف، كان عمر مشغولًا بإشعال نار العشاء، يحاول أن يمنح الليلة دفئًا ولو بسيطًا. سارم، على غير عادته، ظل جامدًا في مكانه، عيناه لا تفارقان قيدار، كأن شيئًا في داخله قد التقط إشارة لم يفهمها بعد.
قال عمر، متظاهرا بالهدوء:
"ألم يتأخر الوقت على التأمل، يا سارم؟"
لكن الفتى لم يرد. ظل صامتًا، متيقظًا كأنه ينتظر حدوث شيء.
تقدم عمر أخيرًا نحو قيدار، وبلطف وضع يده على كتفه، لكن فجأة، انهار جسد الفتى على الأرض، مغشيًا عليه، وعيناه مفتوحتان كأنما رأت شيئًا لا يُحتمل.
"قيدار!!" صرخ عمر بذعر، يوقظه، يهزه، يبحث عن أي علامة للحياة.
لكن قيدار لم يتحرك. سارم، رغم كل شيء، بقي جامدًا، غارقًا هو الآخر في دوامة من الأسئلة. لم يستفق إلا عندما صرخ عمر باسمه بشدة. ارتجف قليلًا، رمش بعينيه، ثم ركض ناحيتهما. جثا على الأرض، وبدأ يصفع قيدار بخفة، محاولًا إعادته، لكن دون جدوى.
حملاه معًا إلى داخل الكهف، وألقيا الماء على وجهه. لحظة من الصمت... ثم فجأة فتح قيدار عينيه بطريقة غريبة، ونهض ببطء دون أن يلتفت إليهما، يمشي بخطى ميت يحلم، حتى وقف عند نفس الصخرة التي كان يتأملها سابقًا.
رفع يديه ببطء، ثم قال بصوت غريب خشن:
"أنتم... مخلوقان مزعجان... لقد آلمتماني."
ارتفعت خيوط من الرمل من حوله كأنها تنفست، ثم نظر إليهما بنظرة جامدة لكنها تحمل مهابة لا تشبه قيدار أبدًا. أطلق الخيوط نحوهما، لكنهما تفادياها.
لم يعدا يشعران أن قيدار أمامهما، بل شيء آخر. كيان غريب سكن جسده. بدأت معركة قصيرة لكنها حادة، انتهت حين تمكن عمر من نسج خيوط رملية قوية حوله لتقييده، بينما أمسكه سارم من الخلف بإحكام.
اقترب عمر منه، قلبه يتقلب بين الخوف والشفقة، وهمس له:
"قيدار... عد إلينا، أرجوك..."
وهنا، بدأ المشهد ينقلب إلى الداخل، إلى الأعماق.
... قيدار في مكان مظلم، لا شيء فيه إلا الفراغ، وسكون يشبه الموت. صوت خافت، دافئ، كأنما جاء من زمن الطفولة:
"قيدار..."
فتح عينيه ببطء، هامسًا:
"عمر؟... أأنت؟"
ثم، كأن شيئًا انكسر، عاد وعيه فجأة. استيقظ في الواقع، محاطًا بسكون متوتر، نظر حوله بذعر، ثم رأى عمر، واحتضنه بشدة. كان جسده يرتجف كأن البرد اخترقه من الداخل.
"أنا... بدأت أخاف، عمر... لم أعد أعرف نفسي... لقد... فقدت السيطرة، لم أعد أنا... لم أعد..."
ثم، من فرط التعب، أغمي عليه من جديد.
حل عمر خيوط الرمل عنه، وحمله إلى الداخل، وأسنده برفق على فراش من القماش. جلس إلى جانبه يراقبه، وسارم بجانبه صامت، قلق، كأنما لا يزالا ينتظران... شيئًا لم ينتهِ بعد.
_" علينا ان فعل شيئا حيال هذا الامر و بسرعة ". قالها سارم و تعابير القلق بدأت تسود وجهه .
أجاب عمر و عيناه لا تتحركان عن قيدار :" إن الأمر بدأ يقلقني حقا ... لم ارى في حياتي حالة مثل هذه من قبل (التفت عمر ناحية سارم بملامح حزينة و اردف) نحن نفقد الفتى يا سارم ... الأمانة! لقد بدأنا نفقدها ".
_" لا يوجد أي شيء مقلق حيال الأمر ... علينا أن نوضح له الأمر فقط عندما يصحو" .قال سارم و الثقة تشع من عينيه.
_" ماذا سنوضح له ؟ هل سنقول له أنك قد أصبحت ... لا أدري ماذا ؟ وحشا !! ".
_" لا ... هذا مر طبيعي عندما يكون لأول مرة فأنا قد واجهت حالة مثل هذه من قبل و شعرت حيناها بشعور غريب و لم افهمه و لازلت لا افهمه لحد الان لكن كل ما عليه فعله هو عدم الاستسلام للوضع فقط و تجاهل ماحصل حتى يتعافى بالكامل ".
اخفض عمر رأسه ببطئ مستسلما للوضع بينما راح سارم لينظر مجددا الى جرة البول و في هذه المرة لاحظة شيئا عجبا ، لقد تحولت النبتة الى اللون البني فإبتسم و نظر الى الرمال تحت لوهلة ثم قام عائدا إلى الكهف و اعطى الجرة لعمر بصمت فتنتولها متسائلا و القى نظر داخلها فتعجب هو الآخر مما حصل فأشاح ببصره نحو قيدار ثم التفت إلى سارم و قال صوت يملأه السرور :"يبدو أنه وقته ... إنه على أعتاب ان يصبح محاربا ".
يتبع ...