في لندن عام 2025، كان الجو باردًا والأمطار الغزيرة ترتطم بالنافذة. كنت جالسًا أمامها، أتفقد البريد وأنا أشرب الشاي الأخضر الصيني بالقرب من المدفأة. كانت الساعة تشير إلى العاشرة ليلًا، وقد فرغت للتو من حل قضية قتل معقدة.
وسط كومة الرسائل، لمحت ظرفًا أسودَ غريبًا، كُتب على ظهره بماء الذهب: "دعوة إلى اجتماع المحققين العِظام". استغربت الأمر، فالرسالة كانت بلا اسم مرسل.
فتحتُ الرسالةَ، وكان مكتوبًا فيها:
إلى العقل الذي يرى الخيوط حيث يرى الآخرون تشابكًا،
لقد أثبتَّ مرارًا وتكرارًا أنك ترى ما لا يُرى. ولكن، هل يمكنك حل اللغز الذي لا يملك أجزاءً؟
لهذا السبب، يا سيد "ليو موريارتي"، تم اختيارك، بصحبة ثمانية من نظائرك حول العالم، لاجتماعٍ يكتنفه الضباب والغموض.
قضيةٌ قديمة مرّ عليها الزمن، ستعود لتتنفس الهواء من جديد. قضية "السماء الباكية"، التي وقعت في ذلك القصر المشؤوم الذي أُطلق عليه اسم "قصر المطر".
أدعوك للسفر إلى اليابان، وتحديدًا إلى جزيرة أوشيما المعزولة. ستكون بوابتك إلى لغزٍ أكبر من مجرد جريمة.
ننتظرك هناك يوم السبت المقبل. التفاصيل الإضافية ستصلك في الوقت المناسب.
مع خالص التحيات،
الـمُضيف
قرأتُ الرسالة مرة، ثم مرتين، ثم ثالثة، محاولًا عبثًا أن أكتشف خيطًا أو رمزًا مخفيًا بين الكلمات. لا فائدة. لم يكن هناك شيء، باستثناء أمر واحد شدّ انتباهي: ملمس الورقة. لقد كانت عتيقة، لا بمعنى أنها استغرقت وقتًا طويلًا في البريد، بل أن الورق نفسه كان قديمًا، وكأنه صُنع في زمن آخر.
تساؤلات لا تنتهي دارت في رأسي. كيف عرف "المُضيف" موقعي؟ الأمر ليس مستحيلًا تمامًا، فاسم "ليو موريارتي" له صدى في دوائر معينة. لكنهم لا يعرفون اسمي الحقيقي، فأنا أساعد الشرطة عن بعد وهوية مكتبي هذا سرية...
تركتُ هذه الأفكار جانبًا. الأولوية الآن للتحري عن "قصر المطر".
توجهت إلى مكتبي، وفتحت حاسوبي وبدأت أبحث. لم أجد شيئًا يُذكر، سوى إشارة عابرة إلى أن قصرًا مهجورًا على جزيرة أوشيما يعود لعائلة "أوشيما" التي تحمل الجزيرة اسمها. بعد ساعات من البحث بلا طائل، أدركت أن "ليو موريارتي" قد وصل إلى طريق مسدود.
حسنًا... حان الوقت إذن لإيقاظ هويتي الأخرى، الشخصية التي لا تعرفها الطرق المسدودة: الهاكر الأسطوري "زيرو".
تحولت واجهة حاسوبي إلى شاشات سوداء تتراقص عليها الأكواد. في دقائق معدودة، اخترقت جدران الحماية لملفات شرطة طوكيو. وهناك، في الأرشيف الرقمي المنسي، وجدتها. قضية أُغلقت منذ سنوات: "حادثة قتل في قصر أوشيما". راح ضحيتها جميع أفراد العائلة، وأُغلقت القضية رسميًا باعتبارها انتحارًا جماعيًا، لكن التقرير الأولي كان يشير بوضوح إلى "اشتباه في وجود طرف خارجي"... قاتلٌ لم يُعثر له على أثر.
وبينما كنت أتعمق في الملفات، تجمد كل شيء فجأة. شعرت بوجود دخيل في نظامي. ثم، ظهرت رسالة على الشاشة، كُتبت بنفسها حرفًا حرفًا:
"لا تتسرع، عزيزي موريارتي. يوم السبت ستعرف كل شيء."
وقبل أن أتمكن من تتبع المصدر، مُسحت البيانات أمامي. ليس فقط الملفات التي كنت أقرأها، بل كل أثر لوجودي في النظام. وكأن "زيرو" لم يكن هناك قط.
تسمّرت في مكاني، والبرد يسري في عظامي. لم يكن السؤال كيف عرفوا مكان "ليو موريارتي". السؤال المرعب حقًا كان... كيف، بحق الجحيم، عرفوا بوجود "زيرو"؟
في نفس الوقت، على الجانب الآخر من العالم - طوكيو، اليابان.
بعد مطاردة استمرت لعام كامل، سقطت أخيرًا أكبر شبكات تهريب المخدرات في البلاد. والفضل في ذلك يعود إلى عميلة واحدة من الشرطة السرية التابعة للأمن العام: سايوري آماي.
"كان يومًا صعبًا وطويلًا، سيدي". قالت آماي للضابط المسؤول وهي تخلع سترتها الواقية. "مهمتي انتهت هنا. سأقدم تقريري للمركز ثم أذهب للمنزل، فإجازتي تبدأ من الغد".
أومأ الضابط برأسه بامتنان واحترام.
بعد أن قدمت تقريرها الرسمي ووقعت الأوراق اللازمة، شعرت آماي بثقل العام كله يزول عن كتفيها. أخيرًا، بدأت إجازتها.
عادت إلى شقتها الهادئة، وعندما أدارت المفتاح في القفل، لم تشعر بالمقاومة المعتادة. كان الباب مفتوحًا. تجمدت في مكانها، يدها ما زالت على مقبض الباب. حاستها كمحققة دقت ناقوس الخطر في رأسها. "أنا متأكدة أنني أغلقته هذا الصباح."
في حركة صامتة وسلسة، أخرجت مسدسها من الحافظة المخفية عند خصرها، وبدأت تتفقد البيت بحذر. غرفة تلو الأخرى، لم تجد أي أثر لأحد. لا شيء في غير مكانه، ولا نافذة مكسورة. تنهدت بارتياح قائلة لنفسها: "يبدو أنني نسيت إغلاقه فعلًا. يا لي من خرقاء".
أعادت سلاحها إلى مكانه، ودخلت لتأخذ حمامًا دافئًا يزيل عناء النهار. وعندما خرجت، مرتديةً ملابس منزلية مريحة، وشعرها البني ما زال مبللًا يقطر ماءً على كتفيها، لمحته.
ظرفٌ أسود أنيق، يقف بتباهٍ على طاولة القهوة. ظرفٌ لم يكن هناك قبل ساعة.
أدركت في تلك اللحظة أن حدسها الأول كان صحيحًا، وأن أحدهم كان في منزلها بالفعل. تفقدت المكان مرة أخرى بسرعة، لكنها وجدت أن كل شيء في مكانه، لم يُسرق أي شيء.
جلست على الأريكة، وشعور البرد لم يعد مصدره شعرها المبلل. فتحت الظرف بأصابع ثابتة، لتجد في داخله نفس الكلمات التي وصلت قبل ساعات إلى محقق عبقري على بعد آلاف الأميال في لندن.
قرأت آماي الرسالة، لكن عينيها تسمّرتا على ملاحظة إضافية في أسفل الورقة، كُتبت بحبر أحمر حاد:
"لا تفكري بإخبار أحد، ولا حتى الأمن العام. وإلا، سينتشر ما حدث في أوساكا قبل عامين."
تلاشى لون وجه آماي، وارتسمت عليه نظرة من الرعب الخالص. اجتاحتها قشعريرة جليدية وشعرت بأنفاسها تنقطع. أوساكا... ذلك السر الذي دفنته في أعمق بقعة من ماضيها، كيف وصل إلى يد هذا الشخص؟ لقد تحولت الدعوة الغامضة في لحظة إلى ابتزاز صريح.
مشهد: ليو موريارتي - لندن
وفي نفس الوقت في لندن، وعلى عكس الرعب الذي شعرت به سايوري، كان ليو هادئًا بشكل مقلق. ارتسمت على وجهه ابتسامة باردة، تبعتها ضحكة خافتة.
بأصابع سريعة، أخرج هاتفه وحجز تذكرة ذهاب فقط على الدرجة الأولى إلى طوكيو. همس لنفسه وهو يؤكد الحجز: "قبلتُ تحديك أيها 'المُضيف'. أتجرؤ على تحديي أنا؟ حسنًا... أنا قادم".
بعد مرور ساعتين، وبينما كان يضع آخر قطعة من معداته التقنية في حقيبة سفر أنيقة، رنّ هاتفٌ قديم على مكتبه. هاتف لا يستخدمه إلا لعدد قليل جدًا من جهات الاتصال. التقط السماعة.
أتاه صوتٌ من الطرف الآخر بلهجة أمريكية واضحة:
"Long time no see, Mr. Moriarty."
أجابه ليو ببرود، وبلهجته البريطانية المعهودة:
"It seems you are also going to Japan, Mr. William."