كان الفجر في قرية "سايلنت شور" لا يأتي بالنور، بل بمجرد درجة باهتة من اللون الرمادي الذي بالكاد يشق الضباب.
في القبو السفلي لمنزل "الدكتور ستيرلينج"، الذي كان يعمل كمشفى ومشرحة مؤقتة، كانت البرودة لا تُطاق، كانت الجدران الحجرية الرطبة تنضح بالماء، ومصباح الكيروسين الوحيد المتدلي من السقف يلقي بظلال راقصة ومشوهة على الجثة المسجاة فوق الطاولة المعدنية.
وقف "آرثر فانس" صامتاً، يرتدي قفازات جلدية رقيقة، بينما كان "الدكتور ستيرلينج" يقف في الزاوية البعيدة، ممسكاً بصليب خشبي صغير، وعيناه ترفضان النظر نحو الضحية.
"سيد فانس، أرجوكم.. دعوا الرجل يرقد بسلام،" قال الدكتور بصوت متهدج، "لقد قتله جون جان برؤيته فقط، إن فتح جثته لن يجلب إلا الغضب على هذه القرية."
التفت آرثر ببطء، وكانت عيناه في ضوء المصباح الباهت تبدوان كقطعتين من الزجاج البارد: "الدكتور ستيرلينج، أنت رجل علم، أو هكذا يُفترض، الغضب لا يقتل الناس، بل الأدوات الحادة أو السموم أو الرصاص هي التي تفعل، وما تراه هنا ليس عملاً منفرداً لروح هائمة، بل هو مسرح جريمة صُمم بدقة ليرعب الأحياء."
أشار آرثر إلى "جوليان" الذي كان يقف خلفه بيده، ففتح جوليان مفكرته وبدأ يسجل الملاحظات.
"إدوار، ارفع المصباح قليلاً،" أمر آرثر.
اقترب إدوار، وحمل المصباح فوق جثة "فيليب موران"، كان وجه الرجل المسن يبدو وكأنه قناع من الرعب؛ الفم مفتوح في صرخة صامتة، والعينان جاحظتان بشكل مرعب.
انحنى آرثر، واستخدم ملقطاً صغيراً لرفع طبقة رقيقة من الرماد الأسود الذي كان يغطي منطقة العنق:
"لاحظ يا جوليان.. الرماد ليس نتاج احتراق مباشر هنا، إنه مرشوش بعناية، انظر إلى الحدود الدقيقة للرماد، إنه لا يتبع الجاذبية، بل يتبع نمطاً دائرياً مرسوماً."
ثم انتقل آرثر إلى يدي الضحية. "الأظافر سليمة، لا توجد آثار كفاح، هذا يعني أن الضحية لم يحاول الدفاع عن نفسه، إما أنه كان مشلولاً، أو أنه فقد القدرة على الحركة تماماً قبل وقوع الجريمة."
"ربما شلّه الخوف يا سيدي؟" اقترح جوليان بصوت خفيض.
"الخوف يشل العضلات، لكنه لا يمنع القلب من النبض بجنون قبل التوقف،" رد آرثر وهو يضغط برفق على منطقة الصدر.
وفجأة، توقف: "دكتور ستيرلينج، تعال إلى هنا."
تردد الدكتور، لكن نظرة آرثر الصارمة أجبرته على الاقتراب.
"انظر خلف الأذن اليسرى،" قال آرثر.
تحت ضوء المصباح القوي، ظهر ثقب صغير جداً، بالكاد يُرى بالعين المجردة، يقع في النقطة التي يلتقي فيها الجمجمة بالعمود الفقري.
"ما هذا؟" همس الدكتور بدهشة، "لم ألحظه بالأمس!"
"لأنك كنت تنظر إلى "الأسطورة" ولم تنظر إلى "الجسد"،" قال آرثر بسخرية لاذعة.
"هذا الثقب أحدثته إبرة رفيعة جداً وطويلة، لقد تم حقن مادة مباشرة في الجهاز العصبي المركزي، مادة تسبب شللاً عضلياً فورياً مع الحفاظ على الوعي الكامل، الضحية يرى كل شيء، يشعر بكل شيء، لكنه لا يستطيع تحريك إصبع واحد."
اتسعت عينا جوليان: "هذا يفسر تعبير الرعب! لقد كان يشاهد القاتل وهو يضع الرماد حوله ويرتب مسرح الجريمة، وهو عاجز عن الصراخ."
"بالضبط،" أكمل آرثر وهو يتجه نحو ملابس الضحية الملقاة جانباً، "والآن، لنتحدث عن الرائحة، رائحة زيت كبد الحوت المحروق التي ذكرها التقرير."
التقط آرثر معطف الضحية، وشم ياقته"، الرائحة قوية هنا، لكنها ليست رائحة حريق سفينة، إدوار، هل تذكر تلك الأعشاب التي رأيناها في القبو المحروق في الغابة؟"
"نعم سيدي، كانت أعشاباً داكنة وذات رائحة نفاذة،" أجاب إدوار.
"تلك هي "أزهار الغسق"،" قال آرثر.
"عندما تُخلط مع زيت السمك وتُحرق ببطء، تنتج غازاً يسبب هلاوس بصرية مخيفة، القاتل حقن الضحية أولاً ليشل حركته، ثم أحرق هذه الخلطة أمام عينيه، الضحية، وهو في حالة الشلل والهذيان، رأى ما أراد القاتل له أن يراه.. رأى جون جان وهو يخرج من الجحيم."
ساد صمت ثقيل في المشرحة، لم يقطعه سوى صوت الأمواج وهي تضرب الجرف الصخري خارجاً.
"سيد فانس،" قال العمدة إليوت الذي دخل فجأة إلى القبو، "لقد وُجدت علامة أخرى على باب الكنيسة قبل قليل، خريطة قديمة لسفينة "العقاب السوداء"، وقد وُضع علامة حمراء فوق منزل.. منزلي أنا."
لم يبدُ على آرثر التأثر، أعاد غليونه إلى فمه وقال بهدوء: "يبدو أن "العائد من الجحيم" لديه جدول مواعيد مزدحم.
جوليان، اجمع معداتك. إدوار، سنقوم بزيارة منزل العمدة، لكن ليس من الباب الأمامي، أريد أن أرى ما الذي يراه القاتل عندما ينظر إلى منزلكم من بين أشجار الغابة."
التفت آرثر إلى الدكتور ستيرلينج قبل أن يخرج: "دكتور، ابقِ هذه الجثة تحت حراسة مشددة، القاتل لا يحب أن تُكشف خدعه، وقد يحاول "تطهير" مسرح الجريمة مرة أخرى."