1 - البداية والنهاية

تبدأ حكايتنا كما يبدأ كل شيء جميل، بحلم.

الفصل الأول

“إني أخاف تلك الليالي بحق. لا أنساها أبدًا. تدور في ذهني مرارًا، كأنها لعنة لا تنام. تجعلني أهذي… تفقدني صوابي. تلك

الليالي بالذات، هي التي تدفعني للشك. الشك في كل شيء.

تنام هذه المدينة البائسة عند أول أعتاب الليل، مدينةٌ أرهقتها الحرب، أنهكتها وامتصت روح الحياة منها، فأكسبتها هذه العادة:

النوم الباكر؛ خشية الأصوات المرعبة التي تبدأ بالتجوال عند احتلال اللون الداكن للسماء، وبدء التجوال المسائي للطائرات، وعزفها

لأنغامها المعهودة الممزوجة بالانفجارات.

لكن ذلك ولى، وانتهت الحرب. ومع ذلك، ظل شبحها مرسومًا في الأفق.

لا أذكر أين قرأت تحديدًا أن الأحياء لا يشهدون نهاية الحرب أبدًا؛ إما أن تأخذهم حفاوتها، أو يُؤسرون بشبحها إلى الأ بد.

وإحدى أولئك المأسورين – الذين لم يحالفهم الحظ بالخيار الأول – كان عمر.

عاجزًا عن النوم، يبصقه طيفه و لا يستسيغ طعمه، هالكًا كالجثة أمام سريره المغطى ببعض الأوساخ، وبعض الثياب المرمية هنا

وهناك.

وطبعًا، رائحة العفونة التي استأسدت بالغرفة وأعلنت انتصارها.

كان هناك، وحيدًا، يشهد أمسيةً أخرى من أمسيات مدينته الجميلة.

منهكة… لكن ليلها لا يخلو من الصمت البهي، ورائحة الورود اللطيفة. لعل هذه الرائحة الفريدة لإزهار الياسمين، هي العزاء الوحيد

لسكان هذه المدينة.

ومع ذلك، لم يكن عمر يرى في الياسمين عزاءً، بل سخرية. كأن الطبيعة تختار أجمل لحظاتها حين ينهار كل شيء.

كان يتساءل أحيانًا إن كانت تلك الزهرة تنمو من رماد الجثث، أو إن كانت جذورها تتغذى على الخوف والخذلان.

جلس على طرف السرير، ظهره محنيّ، يداه بين ساقيه كأنه ينتظر حكم ً ا بالإعدام.

لم يكن في انتظاره أحد؛ لا رسالة، لا طَرق على الباب، و لا حتى فكرةٌ جديدة تلهيه عم ّ ا هو فيه.

فقط ضجيج الصمت، ورائحة الغرفة الكريهة، وصرير الساعة القديمة التي لا يعرف إن كانت ما تزال تعمل فعلاً، أم أنها فقط

تتظاهر بذلك لتؤنس وحدته.

“لمَ لا أنام؟”

سأل نفسه للمرة الألف، دون انتظار جواب. كان يعرفه مسبقًا.

تعريق النوم لديه مرادف للغرق… للذوبان في عالمٍ لا يملك فيه السيطرة.

وقد كره ذلك، حقًا.

وهناك… في ذلك العالم تحديدًا، يبدأ كل شيءالحلم الاول

استيقظ عمر وسط حقلٍ ممتدٍ من الزهور، لا نهاية له.

شمس ٌ توسطت السماء، ترسل أشعتها الذهبية على الأفق، تنشر وهج ً ا ناعم ً ا يرقص فوق رؤوس الزهور.

رائحة الأزهار عبقت في الأرجاء، وطنين النحل ارتفع في أذنيه كأن الطبيعة تغني.

كانت، بلا شك، إحدى تلك الأ يام الصيفية المشعّة… من النوع الذي يبدو كما لو أنه هُج ِّ ن في ذاكرة الطفولة، لا في الواقع.

جرّ عمر جسده ببطء، والشكوك لا تفارقه.

لم يكن يتذكر أين هو، ولا كيف جاء إلى هذا المكان.

نظر حوله، ثم انحنى والتقط زهرةً صفراء كانت تحيطه.

استنشقها ببطء، فاندفعت رائحة زكيّة في صدره كأنها تُحيي فيه شيئًا غائبًا منذ زمن.

راح يتأمل الحقل الجميل، بعينٍ لا تزال مرتابة.

لكن… سعادة غريبة بدأت تتسلّل إليه.

شعورٌ نسي حتى كيف يُوصف، نسي إن كان قد شعر به من قبل… أم أنه وُلد الآن فقط، ليُنتزع بعد قليل.

شعورٌ بالراحة، دافئ، بسيط… كأن العالم كله صمت قليلاً ليمنحه هذه اللحظة.

ترك جسده ينساب بين الأزهار.

حتى لمح سورًا خشبيًا طويلا ً ، مطليًا بطلاء أبيض باهت، بدأ يتقش ّ ر وينح َ ل ّ مع الزمن — كأنه يهمس بشيء ينتظر خلفه ، اسرع

خطاه نحوه بوتيرة ثابته لعل بعض الشكوك تندثر من باله ، او ان يجد بعض الاجوبة للاسئلة التي تحيط به ، وصل مقطوع

الانفاس يلهث بشدة استجمع ما بقي من قوته وقفز من فوقه،

وفجأة…

أسودّت السماء بسوادٍ قاتم، قاتل، لا نجوم فيه و لا ظلال، لحظة عبور عمر لسور الحقل.

كأن النور قد قُتل.

كأن الزمن توقف فجأة لينتظر شيئًا فادح ً ا.

اجتمعت الغيوم فوقه، بمشهد يشبه القيامة.

انكمش الضوء، انحبست الأنفاس، وتحج ّ ر النسيم في الهواء.

لم يعرف عمر: هل كان هذا إنذارًا بقدومه؟

أم ترحيبًا تراجيديًا، يليق بسيد الرعب؟

ثم… جاء.

من بين الضباب الأسود، ظهر.

بجسدٍ نحيل، ساقان طويلتان بشكل غير طبيعي، كأن جسده يرفض الجاذبية لكنه يُجبر عليها.

كان يجرّ عكازًا حديديًا كأنما هو من يحمل الأرض، لا العكس.

وعيناه… آه، عيناه.

كانتا عاريتين من الملامح. مجوّفتين، كأن السواد سكن فيهما وسدّ كل معنى.

اقترب بخطى بطيئة، ثقيلة.

ومع كل خطوة، كانت الزهور من حوله تذبل.

تخسر ألوانها، وتسقط أوراقها ببطء مؤلم.

كأن الحياة نفسها تنكمش هربًا من حضوره.

وهناك، في تلك اللحظة —

وُلد الكابوس، أو الحقيقة.“الآخر”

هناك، وُلد

اقترب… أكثر، فأكثر.

أنفاسه تتدفّق في كيان عمر، تنهشه، تمزّقه، تُدمّره ببطء.

خَرّت قدماه، لم يعد يقوى على الوقوف.

بدأ بالتأتأة… بل بالهذيان.

الحروف اشتعلت في فمه كأنها تخوض حربًا،

ولم يستطع أن يصوغ كلمةً واحدة.

ثم همس “الآخر”

بحروف ٍ متقطّعة، مشوّهة، لكل حرف ٍ منها أثرٌ عميق على وعي عمر الجريح.

كأنها تحفر فيه بنار، تكوي روحه.

– استيقِظ

وفجأة، ارتج ّ ت الأرض تحت قدميه.

كل شيء انهار في لحظة: الحقل، الغيوم، الصمت، الزهور… وحتى جسده.

سقط عمر، كأنما س ُ حب من داخله.

ثم —

استيقظ.

شهقةٌ حادة خرجت من صدره، كأنه عاد من الغرق.

عَيْناه اتسعتا في العتمة، وارتجف صدره بأنفاس ٍ لاهثة.

الظلام خفيف، ضوء الشارع يتسلل من النافذة.

الغرفة… غرفته.

الرائحة الكريهة، الثياب المرمية، الساعة القديمة تئن في الزاوية.

مدّ يده ليتأكد أنه مستيقظ فعلا ً .

لم يكن متأكدًا.

رفع رأسه ببطء، كأن شيئًا لا يزال يحوم في الهواء.

ثم همس لنفسه، بصوت ٍ خافت:

“حلم .. حلم مجرد حلم"

بدأ يكررها مراراً كأنه بصدد محاولةٍ لاقناع روحه وعقله بها، واخيراً تنفس الصعداء .

لكن الصمت في الغرفة كان ثقيلاً، أشبه بصدى ما تر كه الحلم في أعماقه.

نهض ببطء من سريره، كل حر كة ثقيلة كما لو كان جسده لا يزال غارقًا في ذلك الحقل اللامتناهي. تقدّم نحو النافذة، وألقى نظرة

خافتة إلى الخارج. ضوء الشارع المتسلل كان وحيدًا، يشق العتمة بهدوء، لكنه لم يستطع أن يطرد ذلك الشعور الغريب الذي بدأ

يتسلل إليه: شعور بأن شيئًا ما لم ينته بعد.

حزم أمره، وقرر الخروج من الغرفة. أغلق الباب خلفه برفق، لكن صدى صريره بدا أكثر إزعاجاٍ منذ أخر مرة وولسخرية لم يذكر

متى كانت هذه المره اساساً على وجه التحديد، متى غادر مستنقعه القذر،

نزل الدرج بهدوء نحو الشارع، خطواته كانت مترددة، و كأنه يتبع قوة خفية تجذبه إلى مكان ٍ مافي الطريق، لم تكن أفكاره مرتبة. كان يتساءل إن كان الحلم مجرد انعكاس لعقله المتعب، أم أنه رسالة من شيء أعمق. شيء لا

يستطيع أن يفهمه بعد.

وبينما يسير، وجدت قدماه تقوده إلى السوق القديم. مكان لا يزوره عادة، لكنه لم يستطع المقاومة. كان كأن الحقل الذي رأاه في

الحلم ينتظره هناك.

وصل إلى السوق، حيث تداخلت روائح البهارات والزهور مع أصوات الباعة والمارة. وبين تلك الفوضى المعتادة، جذب انتباهه شيء

على جدارٍ متهالك.

لوحة قديمة معلقة بشكل مهمل، تظهر حقلا ً من الزهور يشبه تمامًا الحقل الذي رآه في حلمه.

اقترب ببطء، وأمسك بالإطار بيد مرتجفة.

كانت اللوحة توقيعها غامض، لكنها لم تكن مجرد لوحة. كانت بداية سؤال، بداية رحلة قد لا يجد لها جوابًا

الفصل الثاني

شتدّ الليل ُ ظلمةً، وخفتت أصوات المدينة، وحل ّ صمت ٌ رهيب.

تحت وطأة هذا السكون، وبين جدران غرفته الأربع التي بدت كأنها تضيق عليه، بقي عمر مستيقظًا، مخمورًا من هول هذا اليوم

الفظيع.

ها هي الليلة الثانية تطرق بابه.

كان مستلقيًا، يحاول أن يُقنع نفسه بمنطقٍ ما عم ّ ا حل ّ به، ممسكًا باللوحة بيده اليمنى، وقد تدلّت من طرف السرير.

نطق أخيرًا، كأنما يحادث ظلمته وبعض الحشرات المعلقة على الجدار:

ــ أمرٌ طبيعي، طبيعي جدًّا… لا بد أنني رأيتُها من قبل، في السوق ربما… علقت في ذهني، هذا كل ّ ما في الأمر

فكر

ــ ربما… ربما يمكنني تكرار الأمر.

بشكلٍ أفضل هذه المرّة.

نعم، لمَ لا؟

أن أجعل عقلي يحلم بما أريد.

فكرة بسيطة… وممكنة جدًا

مدّ عمر يده ووضع اللوحة برفق إلى جانبه.

جلس في سريره، وعيناه معلقتان بالسقف المظلم.

أدرك أنه لن يقدر على رسم الحلم في ذهنه… ففكر:

ــ لماذا لا أكتبه؟

سحب دفتراً صغيرًا من تحت الوسادة، وأمسك القلم.

يداه ترتجفان قليلاً، لكنه بدأ يكتب:

سماء ملبّدة، حقل أخضر يمتد بلا نهاية،

شجرة يتيمة تقف وسطه،

واللوحة معلّقة على جذعها.

وفجأةً تذكّره… الوجود المرعب.

تذكّر شعوره بالخوف، وتجم ّ دت أطرافه.

بل إن ذاكرته امتدت إلى الواقع، وشعر فعلا ً ببرودة زحفت على جسده.سقط القلم من يده، وتوتّرت أنفاسه

قرأ ما كتبه بصمت، ثم أغلق الدفتر، وأسند رأسه إلى الوسادة.

وبعد لحظات من السكون…

غاب عن الوعي.

فتح عينيه، فوجد نفسه في حقل أخضر كما كتب.

السماء ملبّدة، والهواء ثقيل برائحة المطر.

في وسط الحقل، تقف شجرة يتيمة…

وعلى جذعها، كانت اللوحة.

اقترب منها ببطء.

لكن حين دقّق النظر، لاحظ أن شيئًا ما ليس كما كتبه.

اللوحة لم تكن معلّقة…

بل محفورة في الجذع، وكأن الشجرة نفسها رسمتها.

والصورة التي تحويها… لم تكن واضحة. كأن شيئًا ما محي وجهه.

همس لنفسه بقلق:

ــ هذا ليس تمامًا ما كتبتُه

استدار ببطء…

فرآها.

كانت تجلس هناك، محاطةً بالأزهار، تتحس ّ سها برويّة، وابتسامة لطيفة على محياها.

عيناها تتلألآن، تزهو ألوانهما بشدّة، مزيجٌ بديع من لون العسل الصافي ووهجٍ زمردي ّ لامع.

شعرها مجعّد، طويل، حالك السواد، يتحرك بخفّة مع نسيم الحقل، وبشرتها ناصعة، منثورة بالشامات، كأنّ آيةً من السماء قد

انعكست عليها،

-جميلة، جميلةٌ جداً

ردد عمر في سره، بينما يتأملها بدهشة لا تُخفى.

لحظات ٌ معدودة حتى رفعت رأسها نحوه، بنظرةٍ متأملة، وابتسامة خفيفة في عينيها،

ثم أشارت له بالاقتراب.

قالت، بصوت ٍ ناعم لا يخلو من فضول

– لم أرك من قبل… هل أنت جديد هنا؟

تردد، ثم أجاب بارتباك:

– نعم… جديد.

أومأت برأسها، كأنها تقيم وجوده في صمت. ثم قالت ببساطة:

… أنا س ُ هى.

“جديد

– حسنًا، سيد

ابتسم، وتمتم:

– عمر

كشرت عن أنيابها عنوةً، كأنها قطة تدافع عن مساحتها الخاصة:

– حسنًا يا عمر… أنت تعلم أنك متطفل على حديقتي، أليس كذلك؟

ارتبك، وردّ بشيء من الذهول:

– حديقتك؟

أومأت بفخر طفولي:

– نعم، حديقتي. هذه البقعة الساحرة، حقل الورود، النسيم… كلّه مكاني السري منذ سنين.

وأنت؟ جديد. وهذا يجعلك المتطفل، أليس كذلك؟

ثم زفرت، وقالت بعصبية مبالغ فيها:

– ثم إنني لا أطيق مشاركة هذا المكان مع أحد. يكفيني أن لا ينتشر خبره بين أولئك المزعجين في القرية !بدأ عمر بحك ِ رأسه منزعجاً :

– جميل.. حتى في احلامي اواجه شكاوى الناس

ثم رفع نظره نحو س ُ هى وقال بنبرة ساخرة خفيفة:

– اطمئني، سأُغادر قبل أن أفسد ترتيب الزهور

رمقته بنظرة متفحصة، ثم رفعت إحدى حاجبيها وقالت ببرود مصطنع:

– ترتيب الزهور؟

ضحكت بخفة وأضافت:

– وهل تظن أن الزهور تنتظر تعليماتك؟ دعنا نأمل فقط ألا تذبل لمجرد أنك مررت من جانبها

ساد صمت ٌ خفيف بعد سخريتها، كأن الحقل نفسه حبس أنفاسه.

ثم التفتت س ُ هى إليه، بعينين أكثر هدوءًا، وقالت:

– هل ترغب برؤية القرية؟

تردّد عمر للحظة، نظر إلى الأفق، إلى حيث ينتهي الحقل ويبدأ الغموض.

ثم قال:

– وهل هناك شيء يستحق الرؤية؟

ابتسمت بخفة، لكن عينيها ظلّتا ثابتتين:

– هذا يعتمد على ما تبحث عنه…

بعض الناس يأتون ولا يعودون.

وبعضهم… لا يرون شيئًا أصلا ً .

نهضت، ونفضت بقايا العشب عن فستانها، ثم مدت يدها نحوه:

– تعال

قالتها س ُ هى ببساطة، لكنها أمسكت بيده عنوةً.

كانت يدها دافئة، خفيفة، لكن عمر تجم ّ د.

لم يعتد هذا، خصوص ً ا من فتاة… خصوص ً ا بهذا اليقين.

لم يمنح نفسه وقتًا للتفكير. تر كها تقوده، وتقدّما معًا بين الزهور نحو حافة الحقل.

لكن فجأة…

تسمر في مكانه.

هناك… في أقصى الأفق، ارتفع سورٌ خشبي، أبيض، قديم الطلاء، يتقش ّ ر كجلدٍ ميت.

نفس السور.

اللعنة… هو ذاته من المرة الماضية.

كل شيء فيه — زاويته المائلة، بقعة الطلاء المفقودة، الظلال خلفه — لم يتغير.

كأن الحلم قرّر أن يعيده إلى الج ُ رح نفسه

أحس ّ ت س ُ هى بتعرّق يده ورجفته الطفيفة، فنظرت إليه بنصف ابتسامة:

– ما بك؟ هل تخشى القفز من الأسوار؟

يالك من ساخرٍ شجاع.

ثم أشارت إلى السور وقالت بثقة:

– راقبني فقط… واتبع خطواتي.

تقدّمت نحوه بخفة. أمسكت بالحواف بيدين خفيفتين، واستجمعت قواها، ثم قفزت بخفّةٍ مدهشة، كأنها تفعل ذلك كل يوم.

أما عمر، فتسم ّ ر مكانه.

الذكريات داهمته فجأة.

الكيان… الضباب… الزهور الذابلة…

كل شيء اندفع نحوه كريح باردة في منتصف الظهر.

لكن صوت س ُ هى قطع ذلك كله كالسهم:

– هيا أيها الطفل المُدلل! ليس لدينا اليوم بطوله!

تنفّس بعمق.ردد في داخله كمن يرتدي قناع البطولة:

ما أسوأ ما قد يحدث؟ إنه… مجرد حلم.

شدّ كتفيه، استجمع ما تبقّى من عزيمته حاول تقليد الحر كات البهلوانية ألتي راها منذ قليل وقفز.

تنفس الصعداء، لم يحدث شيء كانت سهى تراقبه بفضول ٍ شديد وشعورٍ بالغرابة لكنها تجاهلت ذلك الإحساس الدفين، وحاولت

دفنه كما تُدفن الشكوك الصغيرة في زحمة اللحظة،

شرع عمر بالانبهار من جمال القرية والمنظر الخلاب المحاط بها، فقد كانت محتضنةً بالأشجار من كل جانب كأنما الغابة قد ولدتها

بوسطها، وأجوائها العليلة أسراه فنسمة الريح العليلة لم تفارق محياه، كانت البلدة جميلة فعلاً فالبيوت الخشبية كانت من التصميم

الرفيع المترف، ونافورةٌ جميلة من الطوب الحجري العتيق قد توسطت ساحة المدينة، ومن حولها اكتظّت العربات والأكشاك الصغيرة،

، هذه الحياة، هذا الشعور بالطمأنينة لم يكن ليخالج عمر في مدينته المنكوبة،

”قلب القرية النابض”

فلا عجب أن لقبها أهل القرية بـ

فالناس هنا سعداء تعلو وجوههم ابتسامة الصباح، وروحهم مملؤة بالأمل .. الأمل اكثر ما كان يفقده واقعه.

راقبت سهى تعابير الدهشة على وجهه عمر و لاشك ان بعض احاسيس الانتصار قد نالت منها ممزوجةٌ بقليلٍ من الفخر لكي

تشكل طبقاً من الكبرياء لقريتها الصغيرة :

-كفاك اندهشاً دعنا نتجول قليلاً

بدأا السير بمحاذاة الرصيف الحجري في السوق، تمسك سهى يد عمر بحماس ٍ طفولي، كأنها تري طفلا ً الحياة لأول مرة. تنقله

بين أزقّة قريتها المفضلة بحيوية، فتارةً تريه كشك الزهور الذي طالما أحبته، تتوقف أمامه مستنشقة عبيره العابق، متأملة ألوانه

المتناغمة. وتارةً تصطحبه إلى بقعةٍ صغيرة اعتادت اللعب فيها وهي طفلة، تشير إليها بعينين تلمعان بالذكريات.

كان عمر يقابل تصرفاتها الطفولية بابتسامة دافئة وهدوءٍ حنون، يشعر بشيء غريب يتحرّك في داخله… سعادة خفيفة، اشتياق

لأمرٍ لم يعرفه منذ زمن.

كان هناك حماس، ولهفة خافتة، وإحساس مبهَم بالانتماء.

وهكذا… أمضى الثنائي نهارهما في فرحةٍ متزايدة، ناسيًا عمر — ولو للحظات — كل الهموم.

حل َّ المساءُ جالبًا معه نجومه البراقة، ولعل َّ أجمل إطلالةٍ في الأرياف هي رؤية النجوم في ليلةٍ شتوية صافية. تشدُّك بروعتها

وبعدُها عنك، كأنك تحاول لمسها بلا جدوى، وهذا البُعدُ ذاتهُ ما يجعلها مميَّزة؛ حين تنظر إليها من بعيدْ، تصبح كل ُّ الأشياء أكثرَ

سحرًا وغموض ً ا.

عادا بهدوءٍ إلى الحقل الذي اختاراه لقاءً لهما، و كأن الليل يرتدي أثوابه السوداء بأبهةٍ خاصة. تلألأت النجوم فوقهما كحراشف

فضية، وزادت رائحة الزهور المندمجة بهواء المساء المنعش من خ ِ ضم السحر؛ فكونا معًا عبيرًا لا يُنسى، ومرآةً لعاطفةٍ تخطت حدود

الكلام.

جلسا معًا تحت الشجرة اليتيمة، التي بدت في الليل أقل رهبةً وأكثر حنوًّا.

كانت سهى تحرّك أصابعها على العشب، ترسم دوائر لا نهائية كأنها تبحث عن شيء بين الندى.

قالت فجأة، بصوت خافت:

– أخبرني… ماذا تفعل عادةً في مدينتك تلك؟

لم يُجب مباشرة. تردد للحظة، ثم قال:

– لا شيء مميز. أقرأ… أكتب أحيانًا… وأتظاهر أنني بخير.

ابتسمت ابتسامة جانبية، دون أن تنظر إليه:

– التظاهر؟ هذه هواية منتشرة جدًا.

أومأ، ثم أضاف:

– لكن هنا… لا أشعر أنني بحاجة للتظاهر.كل شيء يبدو… أكثر صدقًا.

نظرت إليه عندها، ببطء. كان في عينيها شيء غريب، شيء يشبه الحنان، لكن فيه أيض ً ا سؤال ٌ غير منطوق.

همست:

– غريب أن تقول ذلك. فأنت لا تعرف هذا المكان إلا منذ يوم واحد.

قال، كأنه يفكر بصوت ٍ عال ٍ :

– أحيانًا… يكفي يوم واحد.

ساد صمت ٌ جديد. لكن هذه المرة، لم يكن صمتًا فارغًا.

بل كأن الزمن نفسه خفّف من وطأته، ليمنحهما لحظةً من سكينة نادرة.

مدّت سهى يدها بهدوء، وقطفت زهرةً بيضاء صغيرة.

ثم، دون كلمة، ناولتها له.

قالت، وعيناها معلقتان بالقمر:

– احتفظ بها… فقط لأنني شعرت أنها تُشبهك.

أخذها ببطء. كانت ناعمة، عطرة، ولكن في قلبها برودة خفيفة كأنها خرجت من حلمٍ قديم.

تأمّلها عمر طويلاً، ثم قال:

– وهل تنتمي الزهور فعلاً إلى من نُهديها لهم… أم تبقى دائم ً ا هنا؟

ردّت، و كأن السؤال لم يفاجئها:

– لا أعلم… لكن بعض الأشياء، حين نعطيها، تبقى فينا.

ثم نهضت ببطء، ونفضت ثوبها من العشب. نظرت إليه بعينين نصف ناعستين، نصف مشغولتين.

– سأتجه للمنزل. أمي لا تحب أن أتأخر كثيرًا، حتى لو كنت ُ في حلم.

ضحك:

– أليست هذه حديقتك؟ ألا يمكنك ِ البقاء متى شئت ِ ؟

ابتسمت:

– حتى الحدائق السرية لها أبواب… وأحيانًا تُغلق فجأة.

لوّحت له بخفة، ثم استدارت تمشي نحو القرية، وخطاها بين الزهور تبدو كرقصة لا يسمعها أحد.

وبقي عمر وحده، يحمل الزهرة، تحت سماءٍ تزداد اتساعًا…

كأن الحلم نفسه بدأ يهمس في أذنه:“ما الذي تبحث عنه؟ وإلى أين تظن أن هذا يقودك؟

استفاق عمر ببطء، كأن نومه لم يكن راحة، بل عبورًا من جهةٍ إلى جهة.

أحس بثقلٍ في جسده، ودوارٍ خفيف في رأسه، كأن ذاكرته تُقاوم العودة.

نهض من السرير، وهو لا يزال يشعر بملمس العشب على كفيه، وبرائحة الزهور عالقة في أنفه…

لحظات، ثم تذكّر كل شيء.

سهى. الحقل. القرية. الزهرة البيضاء.

رمش عدة مرات، قبل أن يلتفت إلى المنضدة بجانبه…

وتجم ّ د.

الدفتر.

كان مفتوح ً ا.

تقدّم نحوه بخطوات ٍ مترددة، وقلبه يخفق كما لم يخفق منذ زمن.

نظر إلى الصفحة، ثم جلس ببطء، كأن ساقيه لم تعودا قادرتين على حمله.

كل شيء… مكتوب.

مشهد الحقل. لقاء سهى. كلماتها، ابتسامتها، السور الأبيض… بل حتى عبارته السخيفة عن الزهور، ضحكتها، وتفاصيل القرية.

كل شيء، بحروف مرتّبة، واضحة، بخطّ يده.

لكنّه لم يكتبه.

لم يلمس القلم بعد المشهد الأول. هو متأكد. تمامًا.

مرّر إصبعه على السطور الأخيرة كمن يختبر صدقها. كانت حقيقية. حبرها جاف ّ ، لكنها لم تكن هناك ليلة أمس.

همس لنفسه بصوت ٍ أجش ّ:

– هذا… مستحيل.

أغلق الدفتر بسرعة، كمن يخشى أن تقفز منه الكلمات.

نهض، وسار في الغرفة جيئة وذهابًا، كأن الجدران تضيق، كما في الليلة الأولى.

ثم توقف فجأة، ونظر إلى يده.

كانت تمسك زهرةً بيضاء.

نفسها.

ذُهل.

سقطت من يده على الأرض، وبدأت تتلاشى…كأنها لم تكن

الفصل الثالث: اضطراب

الليلة الأولى – أمل

في تلك الليلة، دخل عمر إلى سريره كمن يدخل إلى باب ٍ سري ّ في ذاكرة طفولته.

عيناه معلّقتان بالسقف، وقلبه ينبض بإيقاعٍ غريب — ليس خوفًا، بل توقًا ناعم ً ا لا يعرف مصدره تمامًا.

فتح دفتره، جلس في وضعية نصف منحنية تحت ضوءٍ أصفر خافت، وبدأ يكتب:

سماء صافية هذه المرة، والشجرة تميل قليلا ً ناحية الغرب، تحتها سهى… ضاحكة، تمد يدها نحوي كأنها تعرفني منذ و لادتي.

توقف. رسم خطًا صغيرًا أسفل الجملة، كما يفعل الشعراء حين ينهون بيتًا غير مكتمل.

أعاد قراءة ما كتب. ثم أغلق الدفتر، وضعه بجانب الوسادة، واستلقى.

تسلل البرد إلى أطرافه، لكنه لم يهتم.

ما كان يعنيه هو أن يعود. فقط أن يرى وجهها مرة أخرى.

أن يعود للحقل… ولو لدقيقة.

أغمض عينيه… وهمس:

– سهى…

استفاق عمر فجأة. لم يكن صوتًا أو حر كةً أيقظته، بل ذلك الصمت القاتل الذي يرافق غياب الحلم.

كانت الساعة تشير إلى الرابعة وسبع دقائق.

جلس بهدوء.

لا أثر لأي شيء.

مدّ يده بتوجس إلى جانبه، حيث ترك الدفتر.

فتحه ببطء… وما زالت الصفحة كما هي. لا حبر جديد، لا سطر جديد.

لا حقل. لا شجرة. لا سهى.

قطب حاجبيه، كمن يتفاجأ من خيانة صغيرة.

– ربما… جسدي متعب.

حاول أن يقنع نفسه، أن يصوغ من الحرمان من الحلم سببًا منطقيًا.

لكنّ قلبه كان قد بدأ يُقرع من الداخل… قرعًا خفيفًا لا يسمعه سواه.

⸻الليلة الثانية – إنكار

في الليلة الثانية، استحم عمر بماء بارد.

قال في نفسه إنّ التوتر هو ما منعه من الحلم، وإنّ طقوس ً ا هادئة ستعيده إلى حيث يجب أن يكون.

فرش سريره بدقةٍ لم يعتدها، ثم جلس على الكرسي أمام المكتب، ممسكًا بالقلم كما لو أنه يوقّع عقدًا مع الحلم.

كتب هذه المرة وصفًا دقيقًا: عدد بتلات الزهرة البيضاء، لون ظلّها على الأرض، نغمة ضحكة سهى، وحتى ميلان حاجبها الأ يسر

حين تغضب.

كأنه كان يكتب استدعاءً سحريًا.

ثم أغلق الدفتر، وأطفأ الضوء، وتوس ّ د وسادته بهدوء مفتعل.

لكن عقله لم يكن هادئًا.

كان يلاحق التفاصيل، يحفظها، يعيد رسمها على جدران ذهنه… كما يُقلّب عاشق ٌ صورة من يحب حتى في العتمة.

أغمض عينيه… وتنفّس ببطء.

ثم…

لا شيء.

ظلمة.

فراغ.

لا شجرة. لا ألوان. لا لوحة.

فقط ثقل في الرأس، كأن النوم كان حمولة لا راحة.

جلس في سريره، محدقًا في الظلام، كأن الجواب فيه.

تمتم لنفسه كمن يوبخ عقلَه:

– لا بأس… لا بأس… سأحاول غدًا.

لكن صوته كان أضعف من الليلة الماضية.

وذلك القرع في قلبه… لم يهدأ.

الليلة الثالثة – شك

هذه الليلة، لم يكتب شيئًا.

ظل جالس ً ا أمام الدفتر المفتوح، دون أن يلمس القلم.

نظر إلى الصفحة كمن يشك ّ في قدرتها على الاستجابة.ماذا لو أن كل ما حدث كان مجرد حلم عادي؟ مجرد صورة عابرة؟

فكر في أن يقرأ كتبًا عن الأحلام. أن يبحث. أن يجد تفسيرًا علميًا.

لكن في داخله، كان يعرف…

.

ما رآه لم يكن “مجرد حلم”

اللوحة تغيّرت. الزهرة كانت في يده. والدفتر… كتب من تلقاء نفسه.

استلقى دون كتابة. أدار وجهه ناحية الحائط، كطفل يهرب من العتمة عبر اتجاه جسده فقط.

أغمض عينيه، ببطء، كمن يستسلم.

استفاق… دون أن يشعر أنه نام.

كان النور شاحبًا، والهواء ساكنًا.

نهض. نظر إلى الدفتر.

فارغ.

صفحة الأمس كما هي.

لا حرف جديد. لا خيال.

عندها فقط، همس لنفسه:

– شيء ما… تغير

الليلة الرابعة – انهيار

تلقى عمر الليل كغريب لا مرح ّ ب به.

نام، لكنه لم يغط في سبات.

كانت عينيه تفتحان وتغلقان بلا إرادة، كل مرة تستيقظ فيها كانت الدنيا تبدو أكثر غربة، أكثر برودة.

تذكّر صوت سهى، ابتسامتها، اليد الدافئة التي مدتها له.

لكن في هذه الليلة، تلك الذكريات تحولت إلى ظلال قاتمة، تقفز بين الذاكرة والشك.

جلس على حافة السرير، يلهث، كمن يهرب من وحش لا يرى.

أحس أن الأرض تحت قدميه بدأت تهتز، والحيطان تقترب منه ببطء، تحاصره.

نظر إلى الدفتر المفتوح على الطاولة، لكن الحبر كان باهتًا، الكلمات التي كتبها في الليالي السابقة كأنها تُمحى تدريجيًا.

أمسك بالقلم، حاول أن يكتب، لكن يده كانت ترتجف بشدة، فأسقطه على الأرض.

ثم استلقى مرة أخرى، لكن النوم لم يأت ِ ، واستمرّت العينان تتلألأان في ظلام الغرفة.همس لنفسه بصوت ٍ متقطع:

– هل أنا أفقد عقلي؟

وفي تلك اللحظة، سمع صوتًا… كأنه همس خلف الباب، صوت خافت، لا يمكن تمييزه، لكنه… ناداه باسمه.

تجم ّ د في مكانه، لم يتحرك.

لم يجرؤ على فتح الباب.

والغرفة امتلأت بصمت ثقيل، كأن شيئًا ما كان ينتظره في الظل

نهار غير مكتمل

في صباح اليوم التالي، خرج عمر من منزله كمن يهرب من جدران بدأت تتنفس.

كان كل شيء من حوله طبيعيًا: ضوء الشمس يداعب الأرصفة، الباعة يصيحون بعروضهم اليومية، حتى الهواء كان عليلا ً على غير

العادة.

.

حاول أن يقنع نفسه أن النوم السيئ لا يعني شيئًا، وأن عليه أن يتنفس، أن يتحرك، أن “يكون طبيعيًا”

خطا في الشارع بخطوات ٍ بطيئة.

كانت المدينة تبدو كما هي… وربما هذا ما أرعبه.

مرّ على المقهى الذي يجلس فيه عادة، ألقى نظرة على الواجهة الزجاجية… رأى انعكاسه فقط، شاحبًا كأنه لم ينم منذ أسبوع.

فجأة، وبينما كان يهمّ بعبور الشارع…

انطفأ كل شيء.

لا تدريج، لا غروب.

كأن النهار انكسر، وتبعثر ضوؤه دفعةً واحدة.

الناس حوله اختفوا.

الشارع بات فارغًا تمامًا.

الهواء تغيّر… أصبح أثقل.

الرؤية بدأت تضيق. كأن الليل ليس مجرد غياب الشمس، بل حضور شيء آخر.

مدّ يده إلى جيبه ليتأكد من وجوده.

لامس هاتفه. ضغط زر الإضاءة.

لا شيء. لا شاشة. لا ضوء.

ثم بدأ يسمع… همسات.

من كل الجهات، بلا مصدر.

كأن المدينة نفسها تناديه، بصوت ٍ يشبه صوته، لكنه أبرد، وأبطأ.”

عمر…

جفل.

تراجع خطوتين.

ثم — كأن أحدًا ضغط زرًا سحريًا —

عادت الحياة.

الضوء…

الناس…

الصوت…

الشارع.

كل شيء عاد كما كان.

سيدة تمرّ بجانبه تدفع عربة طفل، رجل يبيع كعكًا ساخنًا، شاب يضحك في هاتفه.

لا أحد انتبه لما حصل.

لا أحد توقّف.

لا أحد تغيّر.

إلا هو.

وقف في منتصف الشارع، يتنفّس كمن خرج من تحت الماء.

نظر إلى السماء… كانت زرقاء.

لكنه لم يعد يثق بها

—————

كان الليل قد شارف على الانتهاء، لكن شيئًا في جوفه بدا و كأنه يرفض الانسحاب.

الساعة تشير إلى الثالثة وثلاث وعشرين دقيقة.

استلقى عمر على سريره، يحدّق في السقف. لم يكتب شيئًا. لم يقرأ شيئًا.

كل ما فعله هو الصمت.

الغرفة ساكنة، إلا من صوت تكتكة ضعيفة لساعة الحائط، كأنها تُعدّ أنفاسه.

أغمض عينيه.

لكن… لم تمر سوى لحظات، حتى أحس بشيء غريب.

صمت ٌ أعمق حل ّ في الغرفة، كأن الهواء نفسه توقف.

لا تكتكة. لا ضوء من النافذة.

كأن الزمن نفسه قد تجم ّ د.

فتح عينيه ببطء.

كانت الغرفة كما هي… تقريبًا.لكن هناك شيءٌ ما.

ظل ّ .

يقف عند طرف السرير.

عمر لم يتحرك.

عيناه مفتوحتان، ثابتتان، وقلبه يخفق بصوت ٍ لم يسمعه من قبل.

الظل كان طويلا ً ، نحيفًا، ثابتًا.

ثم، بهدوءٍ لا يُطاق، تقدم خطوة.

فظهر وجهه

عيناه سوداوان بالكامل، بلا بياض، وكأنهما ثقبان يبتلعان كل ضوء.

بشرته شاحبة، كأن الدم تركها منذ سنوات.

وشفتاه لا تتحركان، لكن صوته… خرج من كل مكان

صوت ٌ خافت يخرج من صدره مع كل شهيق، كأن الهواء يدخل كهفًا فارغًا لا قاع له.

توقّف عقل عمر. لم يصرخ. لم ينهض.

بقي مستلقيًا، قلبه يخبط خبطًا متسارعًا في صدره، كأنما أراد الهروب من الداخل

جلس على الكرسي الوحيد في الغرفة — ذلك الكرسي الذي لم يجلس عليه أحد منذ شهور.

كأن له حقًا قديم ً ا في المكان.

مدّ يده إلى الدفتر.

فتحه.

قلب الصفحات واحدة تلو الأخرى، بلا استعجال.

ثم استقر على الصفحة الأخيرة.

ابتسم.

ثم رفع عينيه.

حدّق في عمر بصمت… وانتظر أن يقول شيئًا

“أنت تأخرت…

لم يتحرك.

“لم أعد أحتاج إلى دعوتك…

نهض الآخر من الكرسي… ببطءٍ مَرَضيّ.كأن العظام لا تعرف الحركة، لكنها تتحرك رغم ذلك.

اقترب.

خطوة،

ثم أخرى،

ثم وقف إلى جوار السرير مباشرة.

انحنى.

اقترب وجهه من وجه عمر… حتى كاد يلامسه.

ثم همس بصوت ٍ أقرب إلى صوت الحريق تحت الأرض:

“إن أردت َ الحقيقة… لن أعود إلى الظلال.

وبعدها — دون أن يبتعد — جلس على الكرسي من جديد

—لنبدأ الجلسة

لم يستطع عمر ان ينطق بأي كلمة، الحروف تلاشت، والكلمات تتقطع داخل فمه، اما صوته فقد تخلى عنه ببساطة امام هاذا

الحضور المهيب.

قلب الأخر صفحات الدفتر من جديد، ببطىء شديد ومع كل حر كةٍ له كانت مشاعر عم ّ ر تتهاوى وتكاد تصل إلى القاع.

—أرى انك تحاول تكرار حلمك، او مواصلته إن صح التعبير، مشوق.. سهى اليس كذلك انها فتاة لطيفة،

حاول عمر ان يجتمع شتاته ان ينطق بكل صعوبة بأحرف صغيرة متقطعه ليشكل كلمته :

—أأ..نتت.. تتعرف؟

—مذهل ! مذهل.. استطعت الكلام من أول جلسة لنا، أقر بشجاعتك، اما بخصوص سؤالك بالطبع اعرف، من تعتقدني ياعمر ؟

أنسيت اول لقاءٍ لنا ؟

—السور

—بدأ الاخر بالكتابة على الدفتر ببطئ..لا ليس السور، أنسيت ؟ لكنت كنت دائماً معك .. بطفولتك أنسيت ؟ لقد حميتك من

الذكريات الموجعة من وحدتك

انفجر المٌ شديد بعقل عمر ،لم يعد يتسطيع التفكير ، المٌ خالص بدا بنهش عقله ، كهرباءٌ مؤلمة صعقت جميع اجزائه.

قال الاخر متنهداً :

—يبدو أن وقتنا قارب على النهاية

فرقع بأصابع يده فظهر مجسمٌ صغير للقرية بين كفه

—أتريد العودة ؟هز عمر رأسه وهو يمسك برأسه بكل قوة من شدة الألم حتى ان بعض ً من خصلات شعره قد تقطعت ، استمر بهزء رأسه و كامل

جسده ببطئٍ على السرير ذهاباً وإياباً.

—حسناً اذاً سأساعدك،

فرقع باصابعه ببطئ وفجأةً حل الظلام .

الفصل الرابع: فقدان السيطرة

المشهد الأول: العودة

استفاق عمر وسط الحقل.

لم يكن سقوطًا، و لا صحوة، بل انسيابًا مفاجئًا إلى عالمٍ صار مألوفًا أكثر من الواقع.

كانت الشمس في منتصف السماء.

الريح تداعب الزهور، والنسيم له رائحة يعرفها جيدًا.

نهض ببطء.

.

“الآخر”

عقله لا يزال يرتجف من ليلته السابقة… من

لكن ما إن رأى سهى جالسةً هناك، نفس الفستان الأ بيض، نفس الحر كات، نفس الا بتسامة،

حتى تهدّج صدره، وتسارعت خطواته.

لم يتمهل.

لم يتأكد.

لم يمنح نفسه حتى ثانيةً للتفكير.

ر كض نحوها، وضم ّ ها.

ضم ّ ها بشدّة، كأنّ هذا الحضن هو المخرج الوحيد من كل الظلام.

دفن وجهه في كتفها، وارتعش صدره…

كأنّه عاد طفلا ً خائفًا يبحث عن دفء لا تفسير له.

لكن جسدها تصلّب فجأة.

– هـ… هيه!

صرخت بصوت ٍ مصدوم، وأبعدته بكلتا يديها.

– ما الذي تفعله؟!

تراجع خطوة.

عيناه دامعتان، أنفاسه متسارعة، وكأنّ صدره سينفجر.

حدّقت فيه، ثم قالَت، وقد بدأت ملامحها تنقبض:

– أهذا نوعٌ من المزاح؟ثم بصوت ٍ أقرب للعتاب:

– ألسنا بالكاد نعرف بعضنا؟

تجمد عمر.

كأن الكلمات ضربته في صدره مباشرة.

– البارحة… السوق… النجوم… نسيت ِ ؟

رمشت سهى، ثم نظرت إليه بدهشة صادقة:

– بالطبع لا… لم أنس َ .

ثم خفّت نبرتها:

– ولهذا استغربت.

نظرت إلى عينيه، كأنها تحاول قراءة شيء فيها لا تفهمه:

– هل حدث شيء؟

فتح فمه ليجيب… لكن لا صوت خرج.

أي ّ شيء سيقوله لن يبدو منطقيًا.

هو نفسه… لم يعد متأكدًا من المنطق.

قال أخيرًا، بصوت منكسر:

– أنا آسف.

ساد صمت.

نسمة بردت أجواء الحقل، و كأن كل شيء تجم ّ د للحظة.

ثم قالت سهى، بابتسامة باهتة:

– حسنًا… على الأقل، هذه بداية غير مملة لليوم

ضحك عمر ضحكة قصيرة، لكنها مختنقة.

لم يكن بخير.

ومع ذلك، سار معها.

تجو لا قليلا ً ، صامتين في البداية، ثم تبادلا بعض الأحاديث الخفيفة.

أراد عمر أن يتمس ّ ك بأي إحساس طبيعي، أن يقنع نفسه بأنه عاد إلى أرض مألوفة.

لكن… لم تدم الراحة طويلا ً .

في السوق، كان الهواء مختلفًا.

كثيف، رطب بشكل غير مبرر، كأنهم داخل غرفة مغلقة لا سماء فوقها.

بينما كانت س ُ هى تشرح له عن صاحب كشك العسل، لمح عمر رجلا ً يقف خلف الناس.في أقصى زاوية السوق.

لا يتحرك.

وجهه غير واضح، ظلّه أطول من جسده.

حدّق عمر فيه.

شعر بظهره يتجمد.

حاول رفع يده ليشير، لكن عندما التفتت س ُ هى… لم يكن هناك أحد.

– ما بك؟

سألت.

هز رأسه.

– لا شيء.

لكن قلبه؟

شيء فيه تغيّر.

كأن أحدهم دس ّ سم ً ا صغيرًا في روحه، لا يُميت… لكنه يُربك كل شيء

في وقت ٍ لاحق، بينما كانت سهى تُرِيَه زاويةً مهجورة من القرية، قال عمر فجأة:

– هل يمكنني الجلوس قليلا ً ؟

– بالطبع.

جلس على عتبة خشبية قرب أحد البيوت القديمة.

أمسك رأسه.

أغمض عينيه

عندما فتح عينيه…

كانت القرية خالية تمامًا.

لا ضجيج. لا سوق. لا س ُ هى.

حتى الريح… صامتة.

نهض.

الأكشاك نفسها، البيوت نفسها…

لكنها فارغة من الحياة.

خطا خطوة.

فسمع صدى صوته.

كأن المكان جوف ٌ معدنيّ كبير.

ثم، رأى الناس.

يمشون.

ببطء.بعيون مفتوحة، لكن بلا جفون.

كل واحد منهم يكرر نفس الجملة:

– لقد تأخرت… لقد تأخرت… لقد تأخرت…

اقترب منهم، حاول لمس أحدهم، لكنه اختفى كالدخان.

التفت.

رأى ظلاً بين الأشجار.

ليس بشريًا تمامًا.

شيء ما فيه مائل، كأن جسده لا يعرف قوانين التوازن.

اقترب.

وكلما اقترب، بدأ الظل يبتسم.

وكانت نفس الابتسامة.

.

ابتسامة “الآخر”

– لا…

همس عمر.

أغمض عينيه من جديد، بكل قوته

استفاق مجددًا، في نفس العتبة.

الشمس لا تزال ساطعة.

س ُ هى تنظر إليه، قلقة.

– لقد نمت فجأة، هل أنت متعب؟

حدّق بها طويلا ً .

يريد أن يقول لها ما رآه… لكنه خاف.

خاف أن يختلط الحلم بالحلم بالحقيقة،

خاف أن لا تكون هي

حين قاما ليكملا طريقهما، التفت عمر للخلف…

وهناك، بين حقل الزهور والبيت القديم،

كان هناك كرسي خشبي،

يجلس عليه شخص، لا يُرى وجهه،

يكتب بهدوء في دفترٍ جلدي ّ

لم ينم عمر في تلك الليلة داخل الحلم.

أو ربما نام ولم يشعر، أو لم يستيقظ أساس ً ا.

كل شيء تكرّر كأنه يُعاد من داخله لا من خارجه.

خطواته بين الأزقة، الأحاديث، الضوء، رائحة الزهور…

كلها متشابهة.لكن شيئًا ما في عينه الداخلية تغيّر.

كان يرى التشققات.

الطفل الذي مرّ بجانبه بالأمس…

يمرّ الآن بنفس الطريقة، بنفس السعال، بنفس انسكاب الماء من دلوه.

نفس النظرة في وجهه حين يلتفت.

نفس اللحظة.

أمسك رأسه فجأة…

ثم نظر إلى سهى.

كانت تضحك، تشير إلى شيء بعيد، تتكلم بحرارة عن شخص ٍ ما من القرية.

لكن صوتها بدا بعيدًا، كأنها تحت الماء.

أراد أن يرد… لكن لم يستطع.

كلما حاول، خنقته كتلة من الهواء لا تُرى.

كأن هناك من لا يريد له أن يتكلم.

مشيا معًا على الرصيف الحجري، مرّا بالساحة، الناس يضحكون…

لكن الضحكات كلها بنفس النغمة، نفس المقطع.

كأن أحدهم يسج ّ ل ويعيد تشغيله.

ثم مرّت قطة سوداء.

توقفت.

نظرت إلى عمر مباشرة.

بقيت تحدّق فيه.

لم تتحرك.

لم تسر، لم تلتفت.

ظلّت عيناها عليه، حتى اختفت سهى خلف أحد الأزقة.

تبعها — وهو لا يدري إن كان يمشي… أم يُساق.

في المقهى الخشبيّ الصغير عند زاوية السوق، جلست سهى على الطاولة، وطلبت شيئًا لا يسمعه.

جلس عمر مقابلها.

وجهه شاحب.

أنفاسه غير منتظمة.

رمقته بنظرة قلقة:– عمر… أنت بخير؟

… لا أعلم.

– بدا عليك التعب اليوم… وكأنك لم تنم.

نظر في عينيها.

هناك… صدق.

براءة.

وحضور غامض لا يعرف إن كان صديقًا أم فخًا.

انخفض صوته:

– س ُ هى…

– نعم؟

– ما رأيك إن قلت لك ِ… إننا لسنا هنا؟

قطبت حاجبيها:

– ماذا تعني؟

رفع يده المرتجفة، وأسندها إلى الطاولة.

اقترب أكثر.

– أعني… أن هذا… كلّه حلم.

قال الكلمة.

لكن قبل أن تصل إلى سمع سهى —

توقّف الزمن.

الريح توقفت.

صوت الناس، حركة الأشجار، الدخان، أوراق الشجر…

كل شيء تجم ّ د.

.

“عدم الفهم”

حتى وجه سهى.

تجم ّ د نصف تعبيرها على

وعمر؟

كان الوحيد الذي لا يزال يتحرك.

ثم…

صوت خافت من خلفه.

ببطءٍ مرعب، التفت.

كان هناك.

.

“الآخر”واقفًا عند مدخل المقهى.

نفس العينين، ثقبان في عالمٍ لا ضوء فيه.

نفس الشحوب، نفس الا بتسامة التي لا تُبتسم.

لكن الآن… يرتدي قميص ً ا يشبه قميص عمر.

مشابهٌ له… أكثر من اللازم.

خطا خطوة.

صوت الكرسي وهو يتحرك تحت ثقله كأنما هو الصوت الوحيد في العالم.

– كان عليك أن تعرف يا عمر…

تجم ّ د عمر مكانه.

لا صوت.

لا نفس.

اقترب الآخر، وجلس إلى جانبه.

مدّ يده إلى فنجان القهوة المجمد، وأداره ببطءٍ لا يُطاق.

– هناك قاعدة واحدة فقط في هذا المكان.

نظر في عينيه مباشرة.

– لا تقول الكلمة.

وضع الفنجان.

– حين تعترف أنك في حلم، يا عمر…

تفسد كل شيء.

ابتسم، لكن ابتسامته هذه المرة… كانت فارغة كأنها مجرد عضلات.

– هل تعرف كم استغرق عقلك لصنع هذه القرية؟ هذا السوق؟ هذه الطاولة؟ هذه… الفتاة؟

نظر نحو سهى المجمدة.

– أنت صنعتها.

– بيدك، بذاكرتك، بخوفك، وبـ…

صمت لحظة، ثم همس:

… وحدتك.

–أراد عمر أن ينهض، أن يصرخ، أن يقول إنه لا يريد هذا، أنه يريد الحقيقة.

مدّ يده إلى جبهته، ولمسها بإصبعه.

لكن “الآخر”

وفجأة… رأى.

انفجرت صورٌ داخل عقله:

طفولته وحيدًا في الغرفة

الدفتر الأول

اليوم الذي توفي فيه والده

رعب أول كابوس

الليل الطويل

وجه أمّه وهي لا تراه

كلّها في لحظة واحدة.

صرخ.

لكن لا صوت خرج.

الآخر نهض ببطء، وعاد يسير نحو الخارج.

– لقد كُسرت القاعدة يا عمر…

– تعال، يا عمر. حان الوقت لتتذكّر.

مدّ إصبعه، ولمّا لامس جبهة عمر،

لم يحدث صوت…

لكن العالم انكسر.

•••

فتح عينيه على ظلمةٍ رمادية.

لكن هذه لم تكن ظلمة الحلم.

كانت ظلمة الغبار.

السماء مغبّشة بالدخان.

المطر ينهمر على شكل طلقات ٍ خرساء.

والأرض وحل، لا طريق فيه، بل زقاق طويل مثل ندبة، يفصل البيوت كأنها جراح.

صوت قذيفة يتردد في الخلفية،

ثم انفجارٌ بعيد…

ثم صراخ.

كان جسده… أصغر.

يداه نحيلتان.

قلبه صغير جدًا، لكنه يضرب صدره كما لو كان يبحث عن مهرب.كان عمر… طفلا ً .

في نحو السابعة.

نفس الوجه، لكن بشحوب ٍ أعمق،

وعينان مفتوحتان أكثر من الطبيعي، كأن العالم أجبره على ألا يغمضهما بعد الآن.

جثةٌ سقطت أمامه.

رجل.

كان يركض، لكن صدره تمزّق.

بعض الدم سقط على وجه الطفل،

لكنّه لم يمسحه.

الرجل نظر إلى عمر لحظة قبل أن تنطفئ عيناه.

ثم… استلقى إلى الأبد.

عمر لم يصرخ.

لم يركض.

لم ينادِ.

بل تجم ّ د.

صوت في عقله بدأ يعلو:

قُل شيئًا.

قُل شيئًا، الآن.

انطق. حرّك شفتيك. أرجوك.

لكنه لم يفعل.

حلقه كان كالصخر.

صوته اختفى، كأن أحدهم قطعه بحبلٍ في الداخل.

فتح فمه،

لكنه لم يُصدر سوى شهقةٍ صغيرة، ثم لا شيء.

خلفه… صرخة.

امرأة.

“لااااا! لاااااااا!!”

•لكنه لم يلتفت.

لم يقدر.

كان جسده كله مشلو لا ً ،

إلا من دمعةٍ واحدة، خرجت بلا صوت، ومشت على خده كأنها تعرف الطريق من قبل.

من بعيد، رجلان يركضان.

واحدٌ منهما يقترب.

أمسك بذراع الطفل، شدّه بقوة.

لكنه لم يُبدِ مقاومة.

لم يصرخ.

.

لم يقل: “اتركني”

بل ظل ّ يسير بصمت، يجرّه الآخر كما تُجرّ دمية مكسورة.

الزقاق الآخر…

كان أضيق.

والهواء فيه ساكن، ميت.

وهناك…

كانت امرأة تُطرح أرض ً ا.

وشخصان فوقها.

وصرخاتها ممزوجة بالوحول.

لكن عمر؟

عمر لم يتقدم.

وقف عند مدخل الزقاق،

والدم يتدفق من فمه… دون أن يصرخ.

**

هكذا وُلد الصمت.

من هنا بدأت الوحدة.

**

ثم بدأ المطر يشتدّ… لكنه لم يكن ماءً.

بل أوراقًا.صفحات من دفاتر ممزّقة، تطير في السماء.

كلها مكتوبة بخطّ يد صغير:

“لا تقل شيئًا.

“ابق َ صامتًا.

“الذكريات تقتلك.

**

وفجأةً — اختفى كل شيء.

ورجع عمر إلى جسده الحالي،

راكعًا على الأرض البيضاء، يتقيّأ الهواء، يحاول التنفّس كما لو أنه غريق خرج للتو من قبره.

الآخر… واقف ٌ أمامه، كالظل ّ الطويل الذي لا يسقط.

قال بهدوء:

– كنت هناك يا عمر.

كنت معك، من البداية.

– تلك الليلة…

حين توقف كل شيء،

حين قررت أن لا تصرخ، أن لا تبكي، أن لا تتكلم…

– حينها، وُجدت ُ أنا.

رفع رأسه، بصعوبة.

والكلمات خرجت من فمه كأنها أول كلمات ٍ ينطقها منذ الطفولة:

– أنا… كنت ُ طفلا ً .

رد الآخر، وهو يبتسم ابتسامة خفيفة لا تصل إلى عينيه:

– لا، يا عمر.

– كنت َ شيئًا مكسورًا… يشبه الطفل.

الفصل الخامس : تجلي

في وسط فراغ لا حد له،

حيث لا جدران، لا سقف، ولا أرض،

وقف كرسيان قديمان، يكسوهما الغبار، متقابلان.على الكرسي الأول جلس عمر، مُرتبكًا، متردّدًا،

، وجهه شاحب كظلٍ بلا روح، عيناه سوداوان تشعّان بعمقٍ مظلم،

وعلى الآخر جلس “الآخر”

.But only in their dreams can men be truly free. ‘Twas always thus, and always thus will be“

-

– اقتباس ٌ جميل اليس كذلك؟ قال الاخر بكل هدوء.

ابتسم الآخر ابتسامة باردة، ثم قال:

— الحرية الحقيقية ليست في العالم المادي، بل في العالم الذي تخلق فيه نفسك.

في الحلم، لا تملك القيود الجسدية قوة عليك.

لكن، كما ترى، هناك ثمن لهذه الحرية.

مد يده ببطء، وكأنها تخترق الهواء.

— ما رأيك أن نتحدث عن ذلك؟ عن الثمن.

نظر عمر إليه بحذر، لكنه شعر بأن الأسئلة العميقة بدأت تحاصر عقله.

— وماذا لو أردت الهروب من الحلم؟

ماذا لو أردت الحقيقة؟

ابتسم الآخر بابتسامة لا تصل لعينه وقال:

— الحقيقة؟ قلت الحقيقة ماهي الحقيقة ! كيف تعلم ماهو واقع فعلاً ؟

فرقع باصابعه فتجسدت سهى أمامه ، سحب سكيناً من جيب معطفه الصغير شد شعرها بخفة ووضع السكين على حنجرتها.

— اتقول ان هذا حلم؟ ما رايك هل اقتلها إذن ، ما المانع ؟ هل توجد حدود اخلاقية بالاحلام !

ارتجف عمر بشدة ، بدأ الدوار والالم يعبث بدماغه

—لا تقترب منها !

—أهدى لن ااذيها ، رمى السكين على وجه عمر و كاد ان يفقع عينه، هل تشعر بالالم؟ فرقع باصبعه مرةً اخرى فاختفت سهى.

بدا الدم يسيل من جبين عمر، شعر بالم شديد وبدا علقه يشد الألم عليه كذلك لكنه ظل ساكناً يهز بمكانه.

—هل اقتنعت ؟ هنالك الم إذاً هذا حقيقي يا صديقي اليس كذلك؟الحقيقة قد تكون أكثر مرارة من الحلم، وقد تكون عبئًا لا تحتمل

عمر أغلق عينيه بقوة، يحاول أن يبعد الألم والدوار، لكنه لم يستطع التملّص من وقع الكلمات والصورة التي رأىها.

كان يقف على حافة انهيار، بين عالمين لا يملك فيهما شيئًا سوى تلك الأسئلة القاتلة.

فتح عينيه، نظر إلى “الآخر” الذي لا يزال جالس ً ا، ابتسامته تخفي سخرية قاتلة

— هل ستدع سهى تذهب حقاً وتتخلى عن هذا الواقع ؟ الاحلام تأتي ببطئ وتذهب بسرعة كما تعلم، ستراها كلما اغلقت عينك،

انها شيء نقي أوافقك أحسنت الاختيار ؟ هل تعتقد ان هناك انسان حقاً بهذه الصفات بمكان ٍ اخر ، سوا بالاحلام كما تحب ان

تسميها؟

ارتجف عمر بشدة تأتأ :

— ماذا تريد مني ؟ابتسم الاخر ابتسامة النصر ،

—لديك سؤال ياعمر فلتساله ،انني بعقلك اعرف كل شيء افكارك ومشاعرك .. فلتسأله ،

رددا معاً وبنفس الوقت السؤال ذاته :

"ما السبيل لحلم ابدي ؟"

وهنا وفقط هنا ابتسم الاخر اخبث ابتسامة ، ابتسامة الشيطان المنتصر ، شعر بالفخر لطفل الذي لطالما رباه لهذه اللحظة لهذه

الجملة بالذات وقال بهدوء :

— هذا سؤال تعرف اجابته ياعمر..

2026/03/26 · 9 مشاهدة · 6481 كلمة
قصي
نادي الروايات - 2026