بعد بضعة أيام، أشرقت شمس هادئة على منزل آدم.
كان الصباح جميلًا على نحوٍ يكاد يكون مستفزًا؛ سماء صافية، ونسيم خفيف يتسلل من النوافذ، ورائحة الطعام تملأ أرجاء المنزل.
جلست أسرة آدم حول مائدة الإفطار.
أما ليان، فكان منشغلًا بشيء واحد فقط...
الشكوى.
— المدرسة عذاب حقيقي...
قالها وهو يعبث بطعامه بضجر، ثم تابع متذمرًا:
— لا أفهم لماذا أضطر للذهاب كل يوم. وكأنهم يستمتعون بتعذيب الطلاب.
رفعت تالا عينيها إليه بنظرة ساخرة، بينما بقي آدم هادئًا يتناول إفطاره.
وقبل أن يرد أحد...
رن جرس الباب.
توقف ليان عن الكلام، ثم تنهد بعمق وكأن الجرس أعلن عن كارثة شخصية.
لم يكن آدم رجلًا مغرورًا أو مبالغًا في إنفاقه، رغم المكانة التي وصل إليها. لذلك لم يكن في المنزل عدد كبير من الخدم كما قد يتوقع البعض.
كان لديهم بستاني، وطباخ، وسائق.
أما فتح الباب...
فكان غالبًا من نصيب أفراد العائلة.
نظر ليان نحو والده باستنكار.
— أبي... لماذا، بحق خالق الكون، لا توظف خادمة؟
ثم دفع كرسيه ونهض متذمرًا.
— سئمت من هذا.
اتجه نحو الباب بخطوات كسولة، بينما لم يهتم آدم كثيرًا بكلامه.
فتح ليان الباب.
لكن الكلمات التي كانت على وشك الخروج من فمه اختفت تمامًا.
وقف أمامه رجل في الأربعين من عمره تقريبًا.
كان شاحب الوجه، وثيابه تبدو في حالة يرثى لها، وكأنه قطع مسافة طويلة دون أن يهتم بمظهره أو بحالته.
حدّق ليان فيه باستغراب.
ثم قال بلهجة متعالية:
— ماذا تريد أيها العجوز؟ ألا تعرف بيت من هذا؟
لم يجب الرجل.
فقط رفع عينيه نحوه.
وفي اللحظة التالية...
تغير كل شيء.
كانت نظرته مخيفة.
لم تكن نظرة غضب عابرة، ولا نظرة رجلٍ منزعج.
كانت نظرة حادة، عميقة، تخترق من يقف أمامها وكأنها سهام تُرمى مباشرة إلى صدره.
اختفت السخرية من وجه ليان.
تجمد في مكانه.
ولأول مرة منذ وقت طويل، لم يجد كلمة واحدة يقولها.
كان هناك شيء في عيني الرجل جعله يشعر بأنه يقف أمام شخص لا ينبغي الاستهانة به.
ثم جاء صوت آدم من خلفه:
— من الطارق؟
اقترب آدم من الباب، وما إن وقعت عيناه على الرجل حتى اتسعتا بدهشة حقيقية.
تغيرت ملامحه تمامًا.
— ...تامر؟
صمت للحظة، وكأنه يحاول التأكد من أن عينيه لا تخدعانه.
ثم ابتسم.
— صديقي تامر!
اقترب منه وعانقه بحرارة.
— أين كنت؟ لقد اشتقت إليك!
ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجه تامر.
— وأنا أيضًا اشتقت إليك.
ثم ألقى نظرة جانبية على ليان، وقال بنبرة مازحة:
— لكنني لم أكن أعلم أن لديك ابنًا كهذا.
نظر آدم إلى ليان، ثم ضحك بخفة.
— لا تأخذ كلامه بجدية. لا يزال صغيرًا... ويعاني من فترة شباب صعبة.
عبس ليان قليلًا، لكنه لم يعلق.
كانت عيناه لا تزالان معلقتين بتامر.
كان هناك شيء غريب في هذا الرجل.
شيء لم يستطع تفسيره.
---
بعد دقائق، جلس تامر مع آدم داخل مكتبه.
أغلق آدم الباب خلفهما، ثم جلس في مقعده بينما جلس تامر أمامه.
ساد الصمت للحظات.
ثم تغيرت ملامح تامر.
اختفت الابتسامة.
قال بصوت منخفض:
— اسمع يا صديقي...
رفع آدم عينيه إليه.
— هناك من يتآمر ضدك.
انعقد حاجبا آدم.
— ماذا؟
— هناك أشخاص يريدون زوالك.
ساد الصمت.
بقي آدم ينظر إليه لثوانٍ، ثم قال:
— لكنني لا أظن أن لدي أي أعداء.
ابتسم تامر ابتسامة خافتة، لكنها لم تحمل أي مرح.
— ليس هناك شخص ناجح إلا وله أعداء.
ظل آدم صامتًا.
ثم أطلق زفيرًا طويلًا، وأسند ظهره إلى مقعده.
— حسنًا... سنناقش هذا الموضوع في وقت لاحق.
نظر تامر إليه للحظة، ثم ابتسم.
— كما تريد.
وبشكل غريب، تبدد التوتر.
بعد دقائق، عادت الأحاديث القديمة بينهما، وتحولت الجلسة إلى ضحكات ونكات عن أيامٍ مضت.
كان من الصعب على أي شخص يسمعهما أن يتخيل أن الحديث قبل قليل كان عن مؤامرة تهدد آدم.
لكن خلف تلك الضحكات...
بقيت كلمات تامر معلقة في مكان ما داخل عقل آدم.
هناك من يتآمر ضدك.
---
بعد فترة قصيرة، طرقت تالا باب المكتب ثم دخلت.
كانت تحمل ابتسامة لطيفة على وجهها.
— مرحبًا.
التفت تامر إليها.
فابتسمت وقالت:
— أهلًا بك، سعدت بلقائك اسمي تالا وأنا ابنة آدم.
رد تامر بابتسامة:
— وأنا سعيد بلقائك يا تالا.
جلست للحظات، ثم نظرت إلى والدها باستغراب.
— أبي، ما العلاقة التي تربطكما؟
نظر آدم إلى تامر.
ولمعت في عينيه ذكريات قديمة.
قال بهدوء:
— هذا هو الشخص الذي لولاه... لما كنت ما أنا عليه الآن.
ضحك تامر وقال:
— أنت تبالغ قليلًا.
هز آدم رأسه.
— لا أبالغ.
ثم نظر إلى تامر مباشرة.
— لولا المبرمج تامر، لما كنت هنا أصلًا... ولما صعدت إلى المكانة التي وصلت إليها اليوم.
توقفت تالا عن الكلام.
أما تامر...
فاكتفى بابتسامة صغيرة.
نظرت تالا إلى تامر باهتمام، وكأنها تحاول أن تستوعب كلام والدها.
— مبرمج؟
أومأ آدم.
— نعم. كان تامر من أفضل المبرمجين الذين عرفتهم في حياتي.
ضحك تامر بخفة وقال:
— هذا الكلام من الماضي يا آدم. لقد مر وقت طويل منذ أن عملت في البرمجة.
— لكنك لم تتغير.
قالها آدم بابتسامة، ثم أضاف:
— ما زلت تقلل من قيمة نفسك كما كنت تفعل دائمًا.
ابتسم تامر، لكنه لم يرد.
أما تالا فبقيت تنظر بينهما، وقد ازداد فضولها.
— وماذا كنتما تفعلان معًا؟
تبادل آدم وتامر نظرة قصيرة.
ثم قال آدم:
— كانت بيننا أيام طويلة من العمل... وأيام أطول من المشاكل.
ضحك تامر.
— بل كانت المشاكل بسببك أنت.
— بسببي؟
— ومن غيرك؟
ضحكت تالا، بينما هز آدم رأسه مستنكرًا.
— يبدو أنك لم تتغير فعلًا.
ساد جو من الألفة داخل المكتب، وكأن السنوات التي ابتعدا فيها عن بعضهما لم تكن موجودة.
لكن تالا لاحظت شيئًا لم ينتبه إليه الاثنان.
منذ أن دخل تامر إلى المنزل، كان آدم يتحدث معه براحة واضحة، إلا أنه كلما اقترب الحديث من الماضي، تغيرت نبرة صوته قليلًا.
وكأن هناك أشياء كثيرة لم تُذكر.
أشياء بقيت مدفونة خلف السنوات.
وفي تلك الأثناء، كان ليان قد بقي خارج المكتب.
لم يكن مهتمًا كثيرًا بما يدور بينهم، لكنه لم يستطع نسيان نظرة الرجل عندما فتح له الباب.
كانت نظرة غريبة...
ومزعجة.
حاول أن يقنع نفسه بأنها مجرد نظرة عابرة، ثم تجاهل الأمر وعاد إلى مائدة الإفطار.
أما داخل المكتب، فقد استمر الحديث بين آدم وتامر، وانتقلت أحاديثهما من الماضي إلى الحاضر شيئًا فشيئًا وانقضى حديثهما حتى غطى الظلام المكان وغابت شمس يوم آخر.
في صباح اليوم التالي، توجه آدم إلى شركته كعادته، لكنه ما إن دخل مكتبه حتى لاحظ اضطرابًا غير مألوف بين الموظفين.
تقدم نحو مكتبه، فتناول أحد التقارير الموضوعة أمامه، وما إن قرأ السطر الأول حتى تجمدت ملامحه.
أسهم أحد فروع شركته كانت تهوي بصورة مخيفة.
رفع آدم عينيه عن التقرير، وتذكر فورًا كلمات تامر أثناء الاجتماع.
هناك من يراقبكم... وهناك من يريد إسقاطكم.
قلب آدم صفحات التقرير بسرعة، حتى وقع نظره على ملاحظة أثارت قلقه أكثر:
"ظهور مستثمر جديد يشن تحركات واسعة في السوق ضد شركات المجموعة."
قطب آدم حاجبيه وقال:
— لماذا لا نرفع دعوى قضائية؟
أجابته السكرتيرة، بينما كان المحامي يقف إلى جوارها:
— حاولنا دراسة الأمر، لكن المشكلة أن تحركاتهم لا تتضمن مخالفة واضحة. هم ينشرون دعايات تحريضية، نعم، لكنها تتم بطريقة غير مباشرة، ولا يوجد دليل قانوني كافٍ لإدانتهم.
ساد الصمت.
ظل آدم يحدق في التقرير، ثم وضعه على الطاولة بعصبية.
— إذن هناك شخص يحاول تحطيمي... ولا أستطيع حتى مواجهته.
اشتد توتره، فاتجه إلى المغسلة وغسل وجهه بالماء، ثم رفع رأسه نحو المرآة.
لأول مرة منذ سنوات، شعر أن ما بناه طوال حياته قد يكون مهددًا بالسقوط أمام عينيه.
لكنه لم يسمح للخوف بأن يشلّه.
عاد إلى مكتبه، واتخذ مجموعة من الإجراءات الاحترازية لحماية أسرار الشركة ومعلوماتها، وبدأ بمراقبة تحركات المستثمرين والمنافسين عن كثب.
ومرت الأيام...
ثم الأسابيع...
ثم الأشهر.
حتى انقضى نحو ستة أشهر.
وفي أحد الأيام، دخل الرجل الذي كان قد حذر آدم أثناء الاجتماع السابق إلى مكتبه.
كان وجهه جادًا على نحو غير معتاد.
قال وهو يضع ملفًا سميكًا أمام آدم:
— قلت لك.
رفع آدم رأسه باستغراب.
— قلت لي ماذا؟
جلس الرجل، ثم فتح الملف.
— بعد بحث طويل، اكتشفت أن معظم المستثمرين الذين اشتروا أسهمًا في تلك الشركات لا يعملون لحسابهم الخاص.
تغيرت ملامح آدم.
تابع الرجل:
— إنهم يتبعون شركات وهمية... وشخص واحد يقف خلف هذه الشبكة كلها.
قلب صفحة أخرى.
— والأسوأ من ذلك أنهم أضافوا بندًا في بعض العقود يسمح لهم بالتحكم في الموظفين الذين لا يشغلون مناصب إدارية.
حدق آدم فيه بعدم تصديق.
— ولماذا؟
أجاب الرجل:
— لأن ذلك منحهم إمكانية الوصول إلى معلومات داخلية مهمة... معلومات عن شركتكم، تحركاتكم، خططكم، وحتى بعض صفقاتكم.
توقف لحظة، ثم قال:
— وكل تلك المعلومات كانت تُسلّم إلى منافسينكم.
شعر آدم وكأن الأرض انسحبت من تحت قدميه.
أخذ نفسًا عميقًا، ثم قال بصوت مضطرب:
— ومن هو رئيس الشركة المنافسة؟
نظر الرجل إليه للحظات.
ثم أجاب:
— محسن تامر.
تجمد آدم.
— ماذا...؟
صمت لثانية، وكأن الاسم وحده كان كافيًا لإرباك كل أفكاره.
— تامر؟!
وقبل أن يكمل جملته...
انفتح باب المكتب.
دخل تامر بهدوء، وكأن شيئًا لم يحدث.
توقف آدم عن الكلام.
ابتسم تامر، ثم أغلق الباب خلفه.
وقال:
— هل تعرف لماذا أنا هنا؟
لم يستطع آدم الرد.
ظل ينظر إليه، محاولًا استيعاب الحقيقة التي بدأت تتكشف أمامه.
عندها أطلق تامر ضحكة قصيرة، ثم قال بنبرة تحمل سخرية واضحة:
— في النهاية... هذا هو الفرق بيني وبينك.
اقترب خطوة.
— أنت ربيت ابنك على الدلال...
ثم ابتسم ابتسامة باردة.
— أما أنا، فقد ربيت ابني على تربية الرجال.
اتسعت عينا آدم.
لم يعد يسمع شيئًا سوى دقات قلبه.
كل التحذيرات...
كل الخسائر...
كل الأشهر التي قضاها وهو يحاول حماية شركته...
بدأت تتجمع أمامه في صورة واحدة.
ترنح آدم للحظة، ثم سقط مغشيًا عليه.
---
بعد وقت قصير، كان آدم في المستشفى.
ظل جسده ساكنًا، بينما كانت الأسئلة تتصارع داخل عقله قبل أن يغيب تمامًا عن وعيه:
لماذا فعل تامر هذا؟
متى بدأ كل شيء؟
وماذا سيحدث بعد ذلك؟
وهل بعد كل هذا العناء...
سينتزع منه تامر كل شيء؟
أم أن للقدر رأيًا آخر؟
يتبع...