في صباح اليوم الثالث لدخول شين يوان إلى المرافق السفلى، استيقظ قبل أن يدوي الجرس بقليل.
لم يكن السبب أنه صار منضبطًا فجأة، ولا لأنه نام جيدًا. بالعكس، نومه في الليلتين السابقتين كان متقطعًا، كلما استدار في فراشه أيقظه الألم في كتفه أو فخذه أو أسفل ظهره. لكنه بدأ يفهم شيئًا عن هذا المكان: من يتأخر في الاستيقاظ هنا لا يخسر دقائق فقط، بل يخسر صورته أيضًا. وفي مكان تكون فيه الصورة أول ما يُبنى وآخر ما ينهار، لا يملك الإنسان ترف الإهمال.
فتح عينيه على الظلام الرمادي الخفيف الذي يسبق الفجر.
في الغرفة، كان باي رونغ نائمًا على ظهره، فمه مفتوح قليلًا، وأنفاسه ثقيلة ومنتظمة. أما تشاو فنغ، فكان ملتفًا على جانبه، كأن النوم نفسه لم ينجح في مصالحة كبريائه مع السرير الخشبي الضيق. وحده ليانغ وي لم يكن في مكانه.
جلس شين يوان ببطء، وشعر فورًا بذلك الألم الصامت الذي صار يرافقه منذ الاختبار.
كتفاه قاسيتان.
فخذاه ثقيلان.
أسفل ظهره كأنه يحمل بقايا السلالم الحجرية في العظم نفسه.
مد يده إلى طرف السرير، وأخذ نفسًا طويلًا.
كان يريد أن يشتكي، أن يلعن الطريق والطائفة وهذا الجسد الذي يبدو أضعف كلما طُلب منه أن يصمد. لكنه لم يفعل. لا لأن الصبر فضيلة كبيرة في تلك اللحظة، بل لأن الشكوى لن تنزع الألم عنه، ولن تجعل السرير ألين، ولن تقربه من أي شيء يريده.
نهض.
عند الحوض المشترك في آخر الممر، كان ليانغ وي يغسل وجهه بالماء البارد. التفت حين سمع وقع الخطوات، ثم قال بصوت خافت حتى لا يوقظ البقية:
“أنت أيضًا لم تنم جيدًا.”
لم تكن سؤالًا.
أخذ شين يوان المغرفة الخشبية وسكب الماء على وجهه.
كان الماء قاسيًا حتى كاد يوجعه، لكنه أعاد إليه شيئًا من الصفاء.
قال بعد أن مسح وجهه:
“واضح إلى هذه الدرجة؟”
أجاب ليانغ وي وهو يعيد الماء إلى الحوض:
“حين يكون الإنسان مرهقًا، تتحرك عيناه قبل لسانه.”
نظر إليه شين يوان لحظة.
كان ليانغ وي يتكلم دائمًا بهذه الطريقة، جملة صغيرة، لكنها تصل إلى المعنى مباشرة. لم يكن يحب الكلام الكثير، ولا يتصرف كمن يحاول أن يبدو حكيمًا. ومع ذلك، كان يرى أشياء لا ينتبه إليها معظم من حوله.
قال شين يوان:
“وأنت؟”
“أنا نمت. لكني لم أرتح.”
ثم أضاف بعد لحظة قصيرة، وهو ينظر إلى سطح الماء:
“المكان لا يسمح للإنسان أن ينسى نفسه بسهولة.”
لم يرد شين يوان.
لكنه فهم الجملة. بل شعر بها أكثر مما فهمها.
عادا معًا إلى الغرفة. كان باي رونغ قد استيقظ وجالسًا على طرف السرير يربط حزامه بقوة زائدة، بينما كان تشاو فنغ يحاول إصلاح طرف كمه الممزق بنفور واضح.
قال باي رونغ متذمرًا:
“أقسم أنني أشعر أن ساقيّ ليستا لي.”
قال تشاو فنغ ببرود:
“هذا لأنك استعملتهما أخيرًا بعد عمر كامل من الكسل.”
التفت إليه باي رونغ بعين ضيقة، ثم ضحك ضحكة قصيرة.
“قل ما تشاء. لو جعلوك تحمل الحطب يومًا واحدًا بدل الوقوف عند الأبواب، لرأينا كم يبقى من أناقتك.”
شد تشاو فنغ ثوبه بتوتر خفيف، لكنه لم يرد فورًا.
كان في هذه الأيام أسرع إلى الغضب من المعتاد، وكأن كل ما حوله يذكره بأنه ليس في المكان الذي يريد أن يكون فيه.
قال شين يوان وهو يلبس حذاءه:
“على الأقل نحن الأربعة ما زلنا هنا.”
ساد صمت قصير بعد الجملة.
ليست جملة عظيمة، لكنها لامست شيئًا حقيقيًا. في مكان مثل هذا، البقاء وحده ليس أمرًا بسيطًا.
قال باي رونغ أولًا:
“هذا صحيح.”
أما تشاو فنغ، فاكتفى بأن أشاح وجهه قليلًا. لكن شين يوان لمح في عينيه أنه وافق في داخله.
⸻
بعد توزيع الصباح، عاد شين يوان إلى القاعة الثالثة.
صارت الطريق مألوفة له الآن: الممر الحجري المائل قليلًا، الرائحة التي تبدأ خفيفة ثم تقوى كلما اقترب، الأبنية السفلية التي لا تبدو من الخارج مهمة، لكنها تحمل داخلها ما يجعل حياة المزارعين في الأعلى تمضي بلا اضطراب.
حين وصل، كان فو يان واقفًا عند الباب الداخلي، يتكلم مع مساعد خرج لتوه من الداخل. لم يرفع صوته، لكنه كان من النوع الذي لا يحتاج إلى رفعه. حتى وهو يتكلم بهدوء، يشعر من حوله أن في كل كلمة وزنًا.
ما إن لمح الخدم الجدد حتى أنهى حديثه والتفت إليهم.
“اليوم أسرع من الأمس.”
ثم مرّت عيناه على الوجوه.
“من يبطئ العمل، يبطئ ما فوقه. ومن يبطئ ما فوقه، يظن نفسه صغيرًا أكثر مما هو.”
لم يكن أحد يحتاج شرحًا.
المعنى بسيط: أنتم لستم مهمين، لكن أخطاءكم تصل إلى أماكن مهمة. وهذا وحده كافٍ ليجعل أي خطأ خطيرًا.
بدأ العمل.
أُرسل اثنان إلى العين الخلفية لنقل الماء.
واثنان إلى تنظيف الأوعية الكبيرة.
وسون جي إلى فرز الفضلات النباتية.
أما شين يوان، فأُبقي قريبًا من الأحواض الدقيقة والباب الداخلي.
لم يكن هذا امتيازًا واضحًا بعد، لكنه أيضًا لم يعد خفيًا.
وفهم شين يوان ذلك من أول نظرة رماها إليه سون جي.
لم تكن النظرة عدائية، بل شيء أقرب إلى الإحباط.
سقوطه قبل يومين من مهمة غسل الوعاء الخاص لم يغب عن ذهنه، ورؤية شين يوان في الموضع نفسه كانت تذكره بذلك.
اقترب سون جي حين كانا وحدهما نسبيًا قرب الحوض الجانبي، وقال بصوت منخفض:
“فو يان يثق بك أكثر.”
رفع شين يوان بصره عنه.
لم يعرف هل في الجملة حسد أم مجرد ملاحظة.
قال ببساطة:
“ربما لأنني لم أكسر شيئًا بعد.”
ابتسم سون جي ابتسامة قصيرة، لكنها لم تكن سعيدة.
“أحيانًا أشعر أني أتأخر عن البقية.”
قال شين يوان:
“كلنا نتأخر عن شيء.”
فكر سون جي قليلًا، ثم قال:
“ربما. لكن بعض الناس يتأخرون عن فرصة واحدة فقط، وبعضهم يتأخرون عن أنفسهم.”
كانت جملة أكبر من شخصيته المعتادة، فرفع شين يوان نظره إليه باهتمام.
لكن سون جي لم يضف شيئًا. هز كتفيه، ثم عاد إلى عمله.
بقيت الجملة في ذهن شين يوان قليلًا.
كان هذا ما يفعله المكان بالجميع، ربما. يجعل حتى الأشخاص البسطاء يلتقطون من العالم شيئًا من القسوة والنفاذ.
⸻
في منتصف الصباح تقريبًا، ظهر خه جين.
كان يعمل اليوم في الممر الجانبي بين القاعة الثالثة والمخزن، ينقل صناديق خفيفة ويعيد ترتيب الحبال والسلال. مرّ قرب الحوض الذي يعمل عنده شين يوان، ثم توقف لحظة، كأنه يراجع شيئًا في يده.
قال من غير أن ينظر إليه مباشرة:
“سمعت أنك صرت تدخل إلى الداخل أحيانًا.”
لم يجب شين يوان فورًا.
كان يغسل وعاءً صغيرًا بحذر، والماء ينزل على الحافة الخزفية ببطء.
قال أخيرًا:
“أنا أنفذ ما يطلبونه.”
ضحك خه جين ضحكة خفيفة، لا تحمل مرحًا.
“بعض الناس يبدأون بتنفيذ المطلوب، ثم يظنون أن المطلوب منهم أكبر مما هو.”
هنا رفع شين يوان رأسه.
كان يعرف هذا النوع من الكلام. ليس اتهامًا مباشرًا، بل محاولة صغيرة لجرّ الخصم إلى رد زائد.
قال بهدوء:
“إذًا أنت تفكر كثيرًا في المطلوب من غيرك.”
تصلبت زاوية فم خه جين.
وقبل أن يرد، جاء صوت فو يان من بعيد:
“إن انتهيت من الحبال، فالمخزن لا ينظف نفسه.”
ابتعد خه جين فورًا.
لكن شين يوان، وهو يعود إلى وعائه، عرف أن المسألة لم تعد مجرد ضيق عابر.
خه جين يراقبه.
ويفكر فيه.
وهذا يكفي ليصبح الخطر حقيقيًا.
⸻
بعد مدة قصيرة، خرج أحد العمال القدماء من الداخل، حاملاً ثلاثة أوعية خاصة، من النوع الذي لا يُغسل مع البقية.
وضعها على المنضدة الحجرية، ثم قال لفو يان:
“المعلم يريدها خلال نصف ساعة.”
مرّ شيء سريع في وجه فو يان، شيء بين الانزعاج والتركيز.
قال للعامل:
“ضعها هناك.”
ثم التفت إلى الجميع.
“الوعاء الأول والثاني يغسلان كالعادة. الثالث… لا يلمسه إلا من أقول له.”
عرف شين يوان فورًا أن اليوم يحمل اختبارًا جديدًا.
جاء العاملان القدامى، وبدآ في غسل الوعاءين الأولين تحت نظر فو يان. كانت الحركة دقيقة، لكن غير بطيئة. لا أحد هنا يعمل بطريقة مستعرضة. حتى الدقة عندهم لا تحتاج زينة.
ثم أشار فو يان إلى سون جي.
“الثالث.”
تقدم سون جي.
هذه المرة كان أكثر هدوءًا من المرة السابقة. أمسك الوعاء برفق، وبدأ الخطوات كما رآها. كان حذرًا، وربما حذرًا أكثر من اللازم. وهذا النوع من التوتر أحيانًا يفسد العمل كما يفسده التهور.
وحين وصل إلى مرحلة الشطف، توقفت يده لحظة أطول مما ينبغي.
قال فو يان ببرود:
“تابع.”
ارتبك سون جي، واستعجل الحركة التالية، فاصطدم الماء بحافة الوعاء صدمة خفيفة، تكفي لتفسد الدقة المطلوبة.
أخذ فو يان الوعاء من يده.
لم يصرخ.
وهذا جعل سقوط سون جي أشد.
قال فقط:
“ليس اليوم.”
تراجع سون جي خطوتين، ووجهه مشدود.
في لحظة قصيرة، رأى شين يوان ما كان يحاول أن يخفيه: لم يكن غاضبًا فقط، بل محرجًا. إحراجًا موجعًا من النوع الذي يجعل الشاب يكره نفسه أكثر من كرهه للآخرين.
ثم التفت فو يان إلى شين يوان.
“أنت.”
تقدم.
أخذ الوعاء.
كان يعرف أن كل العيون تنظر إليه الآن:
سون جي بعينيه المنخفضتين،
العاملان القديمان،
وحتى خه جين من الممر الجانبي.
لم يكن الأمر بطولة.
لكنه لم يكن شيئًا صغيرًا أيضًا.
أعاد في ذهنه ما رآه من قبل:
لا تمسك الحافة بقوة.
لا تُكثر الماء.
لا تُدخل القماش قبل أن يبلّ السطح كما ينبغي.
والأهم: لا ترتبك من النظرات.
بدأ العمل.
مرة واحدة، شعر أن الوعاء انزلق قليلًا في كفه بسبب البلل، لكن أصابعه تداركت الأمر فورًا. أكمل بهدوء حتى النهاية، ثم ناوله لفو يان.
أخذ الرجل الوعاء، قلبه قليلًا تحت الضوء، ثم قال:
“يمكنك أن تتعلم.”
كان هذا هو الكلام نفسه تقريبًا الذي قاله من قبل.
لكن هذه المرة، قيل أمام الجميع.
خفض شين يوان رأسه قليلًا وعاد إلى مكانه.
لم يسمح لنفسه بالفرح. لا لأن الفرح خطأ، بل لأنه شعر فعلًا بثقل العيون من حوله.
سون جي لم ينظر إليه بعدها.
وخه جين تحرك من مكانه ببطء، وملامحه صارت أشد جمودًا.
في القاع، قد يتحول الفرق الصغير إلى خنجر في قلب شخص آخر.
⸻
حين جاءت استراحة الظهيرة، لم يذهب شين يوان مباشرة إلى مكانه المعتاد.
بقي لحظة عند الحوض يغسل يديه، ثم خرج إلى الساحة الجانبية وهو يشعر أن صدره أضيق من المعتاد.
جلس تحت ظل جدار منخفض، وبدأ يأكل ببطء.
بعد قليل، جاء ليانغ وي وجلس إلى جواره.
لم يتكلم أولًا.
بقي لحظة يشرب الماء من وعائه، ثم قال:
“اليوم كان أثقل.”
أجاب شين يوان:
“نعم.”
قال ليانغ وي:
“ليس بسبب العمل.”
التفت إليه شين يوان.
كان وجه ليانغ وي هادئًا كعادته، لكن نظرته ثابتة.
“بسبب العيون.”
لم ينكر شين يوان.
“أشعر أن كل خطوة صغيرة هنا يراها أحد.”
أومأ ليانغ وي.
“لأن الناس الجائعين للفرصة لا يراقبون الأبواب فقط. يراقبون بعضهم أيضًا.”
ثم أضاف بعد لحظة:
“الطائفة ليست جبلًا واحدًا. هي سلالم كثيرة. وكل من يقف على درجة ينظر إلى من فوقه ومن تحته في الوقت نفسه.”
كانت الجملة واضحة، لا متكلفة، وشرحها بسيط.
وهذا ما جعلها تصل.
قال شين يوان:
“وأنت… كيف ترى هذا كله بهذه السرعة؟”
بقي ليانغ وي ساكتًا لحظة أطول من المعتاد.
ثم قال:
“بعض الناس يتعلمون من أعمارهم.
وبعضهم يتعلمون من خسارة واحدة كافية.”
لم يفهم شين يوان الجملة كاملة، لكنه شعر أن وراءها شيئًا أعمق.
وقبل أن يسأل، جاء باي رونغ وجلس بقربهما، يحمل وعاءه بيد واحدة.
“عن ماذا تتحدثان؟”
قال ليانغ وي بهدوء:
“عن أن الناس ينظرون كثيرًا.”
قال باي رونغ وهو يلتهم لقمة كبيرة:
“دعهم ينظرون. أنا فقط أريد أن يتركوني آكل.”
ضحك شين يوان رغمًا عنه.
وكانت ضحكته هذه المرة أصدق وأخف مما ظن.
قال باي رونغ بعد أن ابتلع:
“لكن إن كنت تريد رأيي… خه جين لا يعجبني.”
رفع شين يوان عينيه إليه.
“لماذا؟”
“لأنه لا ينظر كمن يكرهك فقط.
ينظر كمن يريد أن يفعل شيئًا.”
هنا تبادل شين يوان وليانغ وي نظرة قصيرة.
قال ليانغ وي:
“إذن أنت تراه أيضًا.”
عبس باي رونغ.
“أراه ماذا؟”
قال شين يوان بهدوء:
“أنه لا يكتفي بالانزعاج.”
شد باي رونغ فكه.
“إن فعل شيئًا، أخبراني.”
قالها بصراحة شديدة، حتى إن شين يوان شعر بشيء دافئ صغير تجاهه.
باي رونغ ليس حكيمًا، ولا ذكيًا على طريقة ليانغ وي، لكنه صادق. وأحيانًا الصدق في هذا المكان أثمن من الذكاء.
⸻
في النصف الثاني من اليوم، انفتح الباب الداخلي وخرج المعلم شيو.
هذه المرة، لم يمر مروره المعتاد فقط.
وقف قرب الحوض، ثم قال لفو يان شيئًا منخفضًا لم يسمعه أحد. وبعدها التفت مباشرة إلى شين يوان.
“ادخل.”
شعر شين يوان أن أنفاسه توقفت لحظة.
ثم تقدم فورًا.
عبر الباب.
كان دخوله الثاني إلى القاعة الداخلية أهدأ من الأول.
الدهشة الأولى خفت، لكن الإحساس بالفرق لم يخفُ. ما زال المكان يحمل ذلك النظام الصامت الذي يجعل حتى الهواء فيه يبدو مضبوطًا.
كان على المنصة الوسطى وعاء صغير، ومسحوق أخضر باهت، وجذر أصفر رفيع، وقارورة ماء شفافة.
قال المعلم شيو:
“اليوم ستتعلم شيئًا يسبق الزراعة، لكنه جزء منها.”
وقف شين يوان ساكنًا.
أخذ المعلم شيو المسحوق الأخضر بين إصبعين، وقرّبه إليه.
“اشم.”
فعل.
“ما الذي تشمه؟”
قال شين يوان بعد لحظة:
“رائحة عشبية… وفيها برودة خفيفة.”
أومأ المعلم شيو، ثم ناوله الجذر.
“وهذا؟”
“أدفأ. وأثقل.”
قال المعلم شيو:
“جيد.”
ثم وضع القليل من المسحوق في الوعاء، وأضاف الماء، وفرك طرف الجذر فيه عدة مرات.
“هذا ليس دواء يفتح المسارات.
ولا حبة تجعل منك مزارعًا.
إنه فقط سائل بسيط يساعد أحيانًا على اختبار استجابة الجسد.”
التقط كأسًا حجرية صغيرة وسكب فيها القليل، ثم ناولها لشين يوان.
“اشرب.”
شرب.
الطعم كان غريبًا، لكن ليس مزعجًا.
ماء أولًا، ثم برودة خفيفة، ثم دفء أبطأ.
قال المعلم شيو:
“أغمض عينيك.
لا تبحث عن شيء عظيم.
فقط انتبه.”
فعل.
مرّت لحظات لم يشعر فيها بشيء واضح.
ثم بدأ وعيه بالجسد يصير أصفى.
التعب في الكتفين.
ثقل الساقين.
وحضور النفس وهو يدخل ويخرج.
وبعد مدة قصيرة، شعر بشيء خفيف جدًا تحت السرة.
ليس تيارًا، ولا حرارة، بل نقطة حضور صغيرة، لو لم يكن منتبهًا لمرّت.
فتح عينيه.
قال المعلم شيو:
“أين؟”
أشار شين يوان إلى الموضع.
أومأ المعلم شيو.
“هذا لا يعني أنك بدأت الزراعة فعلًا.
لكنه يعني أن جسدك ليس أصم.”
كانت الجملة بسيطة، لكنها سقطت في شين يوان بقوة.
ثم قال المعلم شيو:
“الناس يظنون أن الطريق يبدأ حين ينزل عليهم شيء من السماء.
لكن كثيرًا من البداية الحقيقية يكون في أن يتعلم الإنسان كيف يسمع نفسه أولًا.”
سكت قليلًا، ثم أضاف:
“من لا يعرف جسده، لا يعرف ما يحتمل.
ومن لا يعرف ما يحتمل، يطلب ما قد يكسره.”
بقي شين يوان صامتًا.
كان يريد أن يسأل كثيرًا، لكن شيئًا في حضور المعلم شيو جعله يكتفي بالإصغاء.
قال المعلم:
“من اليوم، انتبه إلى تنفسك أكثر.
عند العمل،
وعند المشي،
وعند الجلوس.
لا تفعل شيئًا عظيمًا.
فقط لا تكن غافلًا.”
ثم أشار إلى الباب.
“اخرج.”
خرج شين يوان، وفي داخله شيء تغير فعلًا.
لم يربح قوة.
لم يصر مزارعًا.
لكن المسافة بينه وبين الطريق صارت أقصر قليلًا. قصيرة بما يكفي ليشعر بها، وطويلة بما يكفي ليبقى حذرًا.
وحين عاد إلى الخارج، رأى خه جين عند طرف الممر الجانبي.
كان واقفًا، وفي يده حزمة حبال، لكنه لم يكن يعمل.
كان ينظر.
تلاقت عيناهما لثانية.
في تلك الثانية، عرف شين يوان أن ما بينهما لم يعد مجرد انزعاج.
الآن صار خه جين يرى بعينيه أن شين يوان يقترب من شيء يريده هو أيضًا.
وهذا النوع من المقارنة لا يهدأ بسهولة.
⸻
في الليل، عاد الأربعة إلى الغرفة.
كان باي رونغ أول من جلس على سريره وقال:
“اليوم أشعر أن يدي ستنفصل.”
قال تشاو فنغ بحدة أقل من المعتاد:
“هذا لأنك تستعملها كأنك تهزم بها جيشًا.”
رد باي رونغ:
“وأنت تستعمل لسانك كأنه سيف.”
فابتسم تشاو فنغ ابتسامة صغيرة رغماً عنه.
جلس شين يوان على سريره، ولم يستطع إخفاء الهدوء المختلف في وجهه.
لاحظ ليانغ وي ذلك أولًا.
“دخلت إلى الداخل مرة أخرى.”
لم تكن سؤالًا.
قال شين يوان:
“نعم.”
رفع باي رونغ رأسه فورًا.
“حقًا؟”
أما تشاو فنغ، فتوقف عن ترتيب ثوبه ونظر إليه نظرة مباشرة.
قال شين يوان بعد لحظة:
“المعلم شيو جعلني أجرب شيئًا بسيطًا.
وقال إن جسدي… يستجيب قليلًا.”
ساد صمت.
هذه المرة، لم يكن صمتًا ميتًا، بل صمت أشخاص يعرفون أن شيئًا تغير.
قال باي رونغ أولًا، ومن قلبه فعلًا:
“هذا جيد.”
وقالها كما لو أن الخير الذي أصاب شين يوان لا ينقص منه هو.
وهذا وحده جعل شين يوان يقدّر الرجل أكثر.
أما تشاو فنغ، فبقي ساكتًا لحظة أطول.
ثم قال بصوت أخف من عادته:
“إذن أنت تقترب.”
لم يكن في صوته سخرية.
كان فيه شيء أقرب إلى الغيرة الحزينة. لا غيرة خبيثة، بل غيرة شخص يرى بابًا يفتح لغيره قبل أن يلمسه هو.
قال شين يوان:
“ما زالت خطوة صغيرة.”
أجاب ليانغ وي بهدوء:
“الخطوات الصغيرة هي التي تصنع الفرق لاحقًا.
لكن الناس يفسدونها غالبًا لأنهم إما يحتقرونها… أو يتعجلونها.”
سكت قليلًا، ثم أضاف، وعيناه على شين يوان:
“احفظ هذه البداية، لكن لا تتكلم عنها كثيرًا.”
هز شين يوان رأسه.
وبعد لحظات، قال باي رونغ وهو يتمدد:
“إذا صرت مزارعًا قبلي، فلا تنسَ أنني أول من قال إن هذا جيد.”
ضحك شين يوان.
وحتى تشاو فنغ ابتسم هذه المرة، وإن كانت ابتسامة سريعة.
أما ليانغ وي، فبقي هادئًا، لكنه كان ينظر إلى السقف لا إلى أحد.
قال فجأة، كأنه يكلم نفسه أكثر مما يكلمهم:
“البدايات الصغيرة أخطر مما تبدو.
أحيانًا الإنسان لا يخسر حياته في خطوة كبيرة، بل في أول مرة يظن فيها أن الطريق صار له.”
التفت شين يوان إليه.
كانت الجملة تحمل تلك النبرة نفسها التي تجعله يبدو أكبر من عمره.
لا فقط حكيمًا، بل كمن تذوق شيئًا مشابهًا من قبل.
أراد أن يسأله، لكن ليانغ وي أغلق عينيه، كأنه أنهى الكلام.
ظل شين يوان مستيقظًا قليلًا بعد أن خفتت الأصوات.
وضع يده على الموضع تحت سرته، حيث شعر بتلك الاستجابة الخفيفة من قبل.
لم يكن هناك شيء الآن.
لكن الذكرى بقيت.
وفي تلك الليلة، فهم شيئًا بسيطًا وواضحًا:
أن الطريق لا يبدأ حين يتغير العالم من حولك.
بل حين يبدأ شيء صغير في داخلك يرفض أن يبقى كما كان.