في صباح اليوم التالي، حين نهض شين يوان من فراشه، كان أول ما شعر به ليس التعب، بل ثقلًا هادئًا في صدره.
لم يكن خوفًا خالصًا، ولا حماسة صافية.
بل شيء بينهما.
شيء يشبه إحساس من يقف عند أول سلم طويل في حياته، يعرف أنه لن يصل إلى أعلاه اليوم، لكنه يعرف أيضًا أن بقاءه مكانه لم يعد ممكنًا.
في الليلة الماضية، جلس عشرين نفسًا كما أمره المعلم شيو.
أغلق عينيه، وراقب جسده، ثم أنفاسه، ثم ذلك الموضع الخافت تحت سرته الذي صار يشعر فيه أحيانًا بشيء صغير لا يعرف هل يسميه استجابة أم مجرد أثر من الوهم. وفي كل مرة كان ذلك الإحساس يظهر، ولو لحظة، كان يفرح به قليلًا ثم يخاف منه قليلًا أيضًا.
لأن الفرح السريع يجلب العجلة.
والعجلة، في هذا المكان، تبدو كأنها الطريقة الأسرع لخسارة الشيء قبل أن يثبت.
جلس على طرف سريره، ومد يده إلى حذائه.
كان باي رونغ قد استيقظ قبله هذه المرة، يجلس صامتًا على غير عادته. وبدل أن يشتكي من برد الصباح أو ألم كتفيه، كان يحدق في الأرض كما لو كان يفكر في شيء ثقيل.
لاحظ شين يوان ذلك وقال:
“ما الأمر؟”
رفع باي رونغ عينيه إليه، ثم مسح وجهه بيده الكبيرة.
“حلمت ببيتي.”
قالها ببساطة، لكن وقعها كان مختلفًا.
سأله شين يوان:
“سيئًا؟”
هز باي رونغ كتفيه.
“ليس سيئًا.
هذا هو الذي أزعجني.
كان حلمًا عاديًا جدًا. أمي توقظني، وأخي الصغير يسرق طعامي، وأبي يلعن الحمار لأنه لا يتحرك. شيء تافه.
فلما استيقظت… شعرت أنني عدت من مكان دافئ إلى شيء أبرد من اللازم.”
سكت قليلًا، ثم ضحك ضحكة قصيرة من نفسه.
“أعرف أن هذا الكلام لا يليق برجل ضخم مثلي.”
قال شين يوان بهدوء:
“بل يليق.”
وفي السرير المقابل، كان تشاو فنغ يستمع رغم أنه تظاهر أولًا بأنه لا يهتم. قال وهو يشد طرف ثوبه:
“كل واحد هنا اشتاق إلى شيء ما.
بعضنا فقط لا يحب أن يعترف.”
نظر إليه باي رونغ لحظة، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة.
أما ليانغ وي، الذي كان يربط حزامه قرب الباب، فقال:
“الإنسان لا يشتاق دائمًا إلى الأماكن لأنها عظيمة.
أحيانًا يشتاق إليها فقط لأنها كانت تعرفه قبل أن يبدأ بالتغير.”
ساد صمت قصير بعد الجملة.
لم تكن معقدة، لكنها أصابت شيئًا دقيقًا.
حتى تشاو فنغ، الذي كان مستعدًا عادة للسخرية، لم يقل شيئًا هذه المرة.
أما شين يوان، ففكر في بيته الطيني الصغير، والحصير، والموقد البارد، ويد أبيه الساكنة تحت الغطاء. لم يكن البيت جميلًا، ولا مريحًا، لكنه كان المكان الذي يعرفه. والآن، كل يوم يمر في الطائفة يأخذ منه خطوة بعيدًا عن ذلك العالم، حتى لو لم يشعر بها كل لحظة.
قال بهدوء:
“ربما هذا جزء من الطريق.”
سأله باي رونغ:
“ما هو؟”
“أنك كلما اقتربت من شيء جديد… يبدأ شيء قديم يبتعد.”
لم يقل أحد إن الجملة عظيمة.
لكنهم فهموها.
ثم قاموا جميعًا إلى أعمالهم.
⸻
في القاعة الثالثة، بدأ النهار بطريقة مختلفة من أول ساعة.
لم يخرج فو يان بالأوامر المعتادة فقط.
بل وقف عند المدخل، وبيده لوح صغير، وقال:
“بعد منتصف النهار، سيُستدعى اثنان من الجدد إلى الساحة الغربية السفلى.”
ارتفعت عيون عدة نحوه.
تابع:
“لاختيار من يبدأ التمرين التمهيدي لصقل الجسد.”
لم يقل أكثر من ذلك.
لكنه لم يحتج.
في لحظة واحدة، تغيّر الهواء في القاعة.
العمل بقي هو نفسه: ماء، أوعية، تنظيف، ترتيب.
لكن تحت كل هذا، ظهر شيء آخر في الوجوه.
شيء من الترقب.
من المقارنة.
من التوتر.
حتى سون جي، الذي صار أكثر هدوءًا في الأيام الأخيرة، بدا عليه أنه نسي تعبه للحظة.
أما أحد الخدم الجدد الآخرين، واسمه وانغ لو، فقد سأل فورًا دون أن يملك نفسه:
“كم شخصًا سيُختار؟”
نظر إليه فو يان نظرة جعلته يندم على السؤال قبل أن يُجاب.
“هل قلت إن هذا اختيار نهائي؟
قلت تمرين تمهيدي.
من لا يعرف الفرق بين الباب والظل الذي أمامه، فالأفضل أن لا يقترب منهما معًا.”
خفض وانغ لو رأسه.
لكن الضرر لم يعد مهمًا.
الكلمة الأهم كانت قد قيلت بالفعل:
صقل الجسد.
وللمرة الأولى منذ دخلوا المرافق السفلى، صار الطريق يقترب منهم لا كفكرة بعيدة، بل كشيء قد يلامس اثنين منهم اليوم.
عرف شين يوان مباشرة أن هذا خبر خطير.
ليس لأنه يضمن شيئًا، بل لأنه يكشف شيئًا.
من يُستدعى، يُرى.
ومن يُرى، تبدأ حوله العيون.
وهذا وحده كافٍ ليجعل اليوم كله أكثر حساسية.
⸻
عمل شين يوان بصمت، لكنه كان يشعر بالتغير في من حوله.
سون جي صار يخطئ أكثر من المعتاد.
مرة وضع وعاء في الموضع الخاطئ، ومرة نسي قطعة القماش على طرف الحوض حتى نبهه عامل قديم بحدة.
وانغ لو كان أسرع من اللازم، كأنه يريد أن يبدو مجتهدًا في كل حركة.
أما العمال القدماء، فبدا عليهم شيء من الملل المشوب بالسخرية؛ كأنهم رأوا هذا التوتر نفسه في عشرات الوجوه قبل هذه الدفعة، ويعرفون أن أكثره يذهب هباء.
أما خه جين، فكان التوتر فيه مختلفًا.
بعد تقييده بالممرات الخارجية ومنعه من الاقتراب من الرفوف الحساسة، صار حضوره أقل، لكنه لم يختفِ. كان اليوم ينقل سلال الحبال ويفرغ الفضلات النباتية البعيدة في الحفرة الخلفية. عمل أوطأ من السابق، وأوضح في إهانته.
وحين سمع خبر “التمرين التمهيدي لصقل الجسد”، توقف للحظة فعلًا.
لم يكن قريبًا منهم، لكن شين يوان رآه من طرف عينه.
رأى كيف تشد كتفه، ثم كيف عاد إلى رفع السلة كأن شيئًا لم يحدث.
لم يعد الغضب في وجهه مكشوفًا فقط.
صار فيه شيء أعمق: مرارة من يرى القطار يمر أمامه وهو واقف في الوحل.
شعر شين يوان بوخز خفيف من الضيق، لا خوفًا من خه جين وحده، بل لأن المكان كله بدأ يضيق مع هذا الخبر. كل من في القاعة صار ينظر إلى الآخرين بطريقة مختلفة، ولو لم يعترف بذلك.
حتى هو نفسه لم يكن بريئًا تمامًا من هذا.
حين سمع الخبر، تحرك شيء في داخله.
أمل؟ نعم.
وطمع صغير أيضًا؟ ربما.
ولأنه كان صادقًا مع نفسه بما يكفي، فقد انتبه لذلك وحاول أن يضبطه.
⸻
قرب الظهيرة، استدعاه المعلم شيو إلى الداخل.
دخل، فوجد على المنصة شيئًا جديدًا:
حوضًا حجريًا منخفضًا مملوءًا بماء داكن يميل إلى الخضرة، تتصاعد منه رائحة عشبية قوية، لكن ليست لاذعة. وإلى جانبه كانت هناك حزمة من عيدان الخشب الناعمة، وقارورة صغيرة من مسحوق أبيض.
وقف شين يوان في موضعه، ولم يسأل.
قال المعلم شيو:
“اليوم ستتعلم أن الجسد ليس كتلة واحدة.”
أشار إلى الحوض.
“هذا ماء عشبي بسيط. ليس من النوع الثمين.
يُستخدم لتليين العضلات وتهدئة الشد قبل بدايات صقل الجسد.”
ثم أشار إلى عيدان الخشب.
“وهذه ليست للضرب.
إن ضربت بها شخصًا، فلن يتعلم إلا كيف يكرهك.”
رفع المعلم شيو إحدى العيدان بين إصبعيه، ثم قال:
“اقف.”
وقف شين يوان.
“أغمض عينيك.”
فعل.
جاءه أول ضغط عند الكتف الأيسر.
ليس ضربة، بل لمسة محددة، تبعتها دفعة خفيفة في موضع الشد.
قال المعلم شيو:
“هنا تحتفظ بتعبك.”
ثم موضع ثانٍ، عند جانب العنق.
“وهنا.”
ثم عند أسفل الظهر.
“وهنا.”
فتح شين يوان عينيه قليلًا من المفاجأة.
لم يكن يتوقع هذا النوع من التعليم.
قال المعلم شيو:
“الجسد يتذكر أكثر مما يظن صاحبه.
كل حمل،
كل سقوط،
كل خوف،
كل عادة سيئة في الوقوف أو التنفس…
تجد له موضعًا مع الوقت.”
ثم أشار له أن يجلس على وسادة منخفضة.
“قبل أن تبدأ تمارين صقل الجسد، لا بد أن تتعلم أين يتصلب جسدك وأين يضيع قوته.
من يبدأ بالجري والقفز والضغط من غير أن يعرف هذا، يتعب سريعًا ويؤذي نفسه أسرع.”
أخذ قليلًا من المسحوق الأبيض، وخلطه بقطرات من ماء الحوض، ثم مسح به على كتف شين يوان الأيسر.
شعر شين يوان ببرودة أولًا، ثم دفء يتسرب ببطء إلى داخل العضلة.
قال المعلم شيو:
“هذا يساعد قليلًا.
لكن لا تعتمد على المواد وحدها.
الذي يتكل على الدواء قبل أن يتعلم الوقوف الصحيح، يشبه من يسكب الماء في إناء مثقوب ثم يشتكي أنه لا يمتلئ.”
كانت الصورة واضحة، وأعجبته.
ثم قال المعلم شيو:
“قف الآن.
قدماك بعرض الكتفين.
لا تشد ركبتيك.
صدرُك لا ترفعه متكبرًا، ولا تتركه ينهار.
تنفس.”
بدأ شين يوان يتبع التعليمات.
من الخارج، بدا الوقوف بسيطًا جدًا.
لكن بعد نصف دقيقة فقط، أدرك أن البساطة الكاذبة من أصعب الأشياء.
كعبه الأيمن صار يميل أكثر من الأيسر.
كتفه المصاب بالشد يريد أن يرتفع.
والنفس، إذا تركه، يعود سريعًا إلى طريقته القديمة.
مرّت دقيقة.
ثم أخرى.
قال المعلم شيو:
“هذا هو أول حجر في صقل الجسد.
أن تقف كما ينبغي.”
رغم التعب الذي بدأ يتجمع بسرعة، لم يستطع شين يوان منع نفسه من السؤال:
“فقط الوقوف؟”
نظر إليه المعلم شيو نظرة خفيفة، ليست قاسية.
“الذين يحتقرون البدايات، هم أول من ينهار حين تزداد الأمور صعوبة.”
ثم أضاف:
“حين تقف هكذا، يتعلم جسدك التوزيع الصحيح للثقل.
وتبدأ أنفاسك بالمرور على نحو أفضل.
وتعرف أين تضعف.
وهذا كله قبل أن تفكر حتى في المسارات.”
لم يكن الجواب مهيبًا، لكنه كان منطقيًا جدًا.
وشين يوان أحبه لهذا السبب.
بعد دقائق أخرى، بدأت ساقاه ترتجفان قليلًا.
قال المعلم شيو:
“كفى.
اجلس.”
جلس شين يوان ببطء، وهو يحاول ألا يظهر كم أكلت تلك الدقائق من قوته.
لكن المعلم شيو رآه، بالطبع.
قال:
“منظر الوقوف لا يعني أنه سهل.
الجسد الذي عاش فوضى طويلة، يتعب حين يُطلب منه النظام.”
ثم ناوله كأس ماء عادي هذه المرة، لا عشبي.
“اشرب.”
شرب.
قال المعلم شيو:
“بعد الظهر، ستذهب إلى الساحة الغربية السفلى.
لا تظن أنك اختيرت لأنك صرت أهلًا للشيء.
أنت ذاهب لأن الوقت مناسب لأن تُرى.”
توقف شين يوان عند العبارة.
“أن أُرى؟”
“نعم.
بعض الاختبارات هنا ليست لتعرف أنت من تكون،
بل ليعرفوا هم ما إذا كنت تستحق وقتهم.”
كان الجواب حادًا، لكنه صادق.
وهذا، أكثر ما كان يميز المعلم شيو حتى الآن:
أنه لا يجمل الطريق، لكنه أيضًا لا يحوله إلى كابوس مجاني.
خرج شين يوان من الداخل وجسده أهدأ في بعض المواضع، ومتعبًا في مواضع أخرى.
لكن ذهنه كان واضحًا.
الآن صار يعرف أن صقل الجسد لن يبدأ بالقوة كما تخيل.
بل بالنظام.
بكيفية الوقوف.
بكيفية حمل النفس.
وبمعرفة أين ينهار الجسد حين يظن صاحبه أنه متماسك.
⸻
عند إعلان الأسماء بعد الظهر، وقف الخدم الجدد جميعًا تقريبًا بطريقة مختلفة.
قرأ فو يان من اللوح:
“شين يوان.
سون جي.”
خفق قلب شين يوان مرة واحدة بقوة.
أما سون جي، فرفع رأسه بسرعة، وفي عينيه امتزجت الراحة بالتوتر.
كان واضحًا أنه لم يتوقع أن يُستدعى بعد خطئه السابق، وهذا وحده جعل أثر الاسم عليه مختلفًا عن أثره على شين يوان.
أما الآخرون، فتفاوتت وجوههم.
وانغ لو بدا عليه الإحباط المباشر.
وخدم آخرون أخفوا تعبيراتهم بسرعة.
وخه جين…
لم ينظر إليهما أصلًا.
بل شد الحبل الذي في يده حتى ابيضت مفاصله، ثم انحنى على السلة كأنه انشغل بها. لكن هذا الانشغال كان أوضح من أن يخدع أحدًا.
أخذ فو يان الاثنين إلى الساحة الغربية السفلى بنفسه.
لم تكن ساحة تدريب عظيمة كما يتخيل الناس حين يسمعون عن المزارعين.
بل مساحة حجرية مستطيلة، أرضها من ألواح خشنة، وفي طرفها جذوع خشبية مغروسة، وأثقال حجرية بأحجام مختلفة، وخطوط بيضاء مرسومة على الأرض.
كان يقف هناك رجل ضخم في الخمسين تقريبًا، أصلع الرأس، عريض الصدر، ذراعاه كجذعي شجرة. وعلى خده الأيسر أثر جرح قديم. لم يكن يرتدي ثوب المزارعين الداخليين، بل ثوب تدريب خشنًا داكنًا، مفتوحًا عند الذراعين.
قال فو يان:
“هذان من القاعة الثالثة.”
نظر الرجل إليهما من الرأس إلى القدم.
ثم قال بصوت كالرمل الخشن:
“أنا قاو رين.
لا يهمني إن كنتم عباقرة أو حشرات.
هنا أعرف شيئًا واحدًا: هل أجسادكم تستجيب، أم أنكم جئتم لتضييع وقتي.”
لم يكن في صوته شر، لكنه لم يكن يحب الحديث الفارغ.
أشار إلى الخط الأبيض الأول.
“قفًا هنا.”
وقف شين يوان وسون جي.
سألهما أسماءهما، ثم أعطاهما أمرًا بسيطًا:
“الوقفة الأساسية. من يعرفها، يبدأ. ومن لا يعرفها، يتعلم بسرعة.”
فوجئ شين يوان قليلًا.
هذا هو ما علّمه المعلم شيو قبل قليل.
أخذ مكانه بسرعة أكبر من سون جي، وعدّل قدميه وتنفسه كما قيل له.
رآه قاو رين، ولم يعلق.
لكنه في الصمت نفسه كان هناك شيء يشبه التسجيل.
أما سون جي فاحتاج تصحيحًا مرتين في القدمين ومرة في الكتفين.
قال قاو رين أخيرًا:
“الوقوف نصف الطريق.
الجسد الأحمق لا يعرف حتى كيف يحمل نفسه.”
ثم بدأ الاختبار الأول.
كان بسيطًا في ظاهره:
الثبات في الوقفة.
ثم الانتقال منها إلى نصف جلوس، ثم العودة.
ثم حمل ثقل حجري صغير من الأرض ورفعه إلى الصدر عشر مرات.
ثم الركض بين الخطوط البيضاء المحددة.
لكن الترتيب كله كان محسوبًا ليكشف شيئًا محددًا:
هل ينهار النفس أولًا؟
هل تنهار الساقان؟
هل يفقد الشخص تركيزه حين يتعب؟
هل يصر على القوة الخاطئة؟
هل يسمع التعليمات أم يعود إلى عاداته القديمة؟
في الثبات الأول، بدا سون جي أفضل من المتوقع.
جسده أخف من شين يوان، وقدماه أسرع في التكيف.
لكن حين بدأ حمل الثقل الحجري، ظهر الفرق.
كان سون جي يرفع بسرعة، ثم يتعب بسرعة.
أما شين يوان، فبعد توجيهات المعلم شيو، صار يوزع الحمل أفضل قليلًا، ولو ببطء.
قال قاو رين وهو يراقبهما:
“أنتما لستما قويين.
وهذا ليس عيبًا الآن.
العيب أن يكون أحدكما أحمق.”
ثم اقترب من سون جي وصفع بيده على كتفه دون عنف حقيقي، لكن بقوة كافية لتصحيحه.
“لا ترفع بالذراعين وحدهما، يا فتى.
هل تريد أن تخلع كتفك قبل أن تبدأ؟”
ثم اقترب من شين يوان.
“وأنت.
لا تتجمد حين تسمعني.
الجسد الذي يخاف التصحيح يظل ضعيفًا وقتًا أطول.”
شعر شين يوان بحرارة خفيفة في وجهه.
كان الرجل قد قرأه بدقة.
فهو فعلًا، كلما جاءه صوت قاو رين فجأة، كان جسده يشد نفسه لا إراديًا.
أعاد المحاولة.
هذه المرة كان أفضل.
استمر التدريب حتى شارفت الشمس على الانخفاض.
في النهاية، كان شين يوان يلهث، وثوبه ملتصق بظهره، وساقاه ترتجفان. أما سون جي فجلس على الأرض مباشرة بعد الأمر بالتوقف، يضحك من شدة الإرهاق لا من المرح.
قال قاو رين وهو يمر أمامهما:
“هذا ليس قبولًا.
ولا يعني أنكما صرتما قريبين من شيء عظيم.
هذا فقط يخبرني أنكما تستحقان أن أراكما مرة ثانية.”
رفع سون جي رأسه بصعوبة، وقال وهو يلهث:
“وهل… هذه… جملة جيدة؟”
نظر إليه قاو رين لحظة، ثم قال:
“بالنسبة لشخص مثلكما؟ نعم.”
ثم استدار.
في طريق العودة، كان سون جي مختلفًا قليلًا.
التعب كان واضحًا عليه، لكن في عينيه أيضًا شيء من الحياة لم يكن موجودًا صباحًا.
قال وهو يمسح عرقه:
“كنت أظن أنني سأفشل مباشرة.”
أجاب شين يوان:
“وأنا ظننت أنني سأقع في أول نصف جلوس.”
ضحك سون جي، ضحكة حقيقية هذه المرة.
“هل لاحظت أن المعلم قاو يشتم وكأنه يعطي نصيحة؟”
ابتسم شين يوان.
“ربما هذه طريقته في الرحمة.”
ضحك سون جي أكثر.
وهنا شعر شين يوان بشيء بسيط لكنه مهم:
أن سون جي لم يعد فقط الشاب الذي أخطأ أمام الوعاء. صار شخصًا يرى تعبه الآن بعينيه، ويعرف أنه لم يُستبعد من الطريق كما خاف.
وهذا جعله أقرب.
⸻
حين عادا إلى القاعة الثالثة لأخذ أغراضهما، لمح شين يوان خه جين عند طرف الجدار.
هذه المرة لم يخفِ خه جين نظرته.
حدق فيهما، أولًا في سون جي، ثم في شين يوان، ثم قال بصوت منخفض يكفي لأن يسمع:
“أرجو أن يكون الوقوف والانحناء قد جعلكما مزارعين عظيمين.”
توقفت خطوات سون جي.
كان متعبًا، ومتوتراً، وأكثر حساسية مما ينبغي بعد يوم كهذا. كاد يرد، لكن شين يوان لمس ذراعه برفق.
وقال فقط:
“إن أردت أن تعرف، اسأل من يختارك.”
كان الرد هادئًا، لكنه أصاب خه جين في الموضع نفسه دائمًا.
شد خه جين فكه، ثم التفت وابتعد.
لكن هذه المرة، لم يشعر شين يوان بالانتصار.
بل شعر أن الأمر يزداد سوءًا.
لأن خه جين لم يعد فقط غاضبًا.
صار معزولًا أيضًا. وكلما ازداد الإنسان عزلة وهو يغلي من الداخل، صارت أفعاله أقل قابلية للتوقع.
⸻
في الليل، كانت الغرفة أكثر دفئًا من المعتاد رغم التعب.
حين دخل شين يوان وسون جي لم يكن معهما، لكن الأخبار في المرافق السفلى لا تحتاج إلى أرجل كثيرة. كان باي رونغ قد عرف بالفعل أن شين يوان استدعي إلى الساحة الغربية.
قال فور دخوله:
“إذن؟ هل ضربوكما أم اكتفوا بإذلالكما؟”
جلس شين يوان على سريره ببطء، وهو يكتم أنين ساقيه.
“كلاهما.”
ضحك باي رونغ بقوة.
أما تشاو فنغ، فقد مال قليلًا إلى الأمام، محاولًا أن يبدو غير مهتم، لكنه كان مهتمًا جدًا.
“ما الذي فعلتموه؟”
أخبرهم شين يوان باختصار: الوقفة الأساسية، الأثقال الحجرية الصغيرة، الركض القصير، وتعليقات قاو رين.
وحين انتهى، قال باي رونغ بإعجاب صريح:
“هذا تدريب حقيقي.
أفضل من أن أقف عند الحطب كأنني خادم بيت.”
رد تشاو فنغ فورًا، وفي صوته مرارة لم يستطع إخفاءها:
“وأفضل من أن تقف عند باب لا ينظر إليه أحد.”
ساد صمت قصير.
كان في صوته شيء موجع هذه المرة، لا مجرد شكوى.
نظر إليه شين يوان وقال بهدوء:
“أنت تكره مكانك أكثر مما تكره تعبنا.”
ضحك تشاو فنغ ضحكة قصيرة خالية من الفرح.
“وأنت تصير صادقًا أكثر كل يوم.”
قال ليانغ وي، الذي كان ساكتًا حتى الآن:
“هذا طبيعي.
بعض الناس يتقبلون التعب إذا رأوا له اتجاهًا.
أما الوقوف في مكان لا يرون فيه معنى لما يفعلونه… فيأكلهم أسرع.”
نظر إليه تشاو فنغ، ثم قال بصوت أخفض:
“نعم.”
كانت تلك من المرات القليلة التي يعترف فيها مباشرة.
وبعد فترة صمت صغيرة، قال ليانغ وي جملة جعلت الجميع ينظر إليه:
“في حياة الإنسان، ليس أصعب شيء أن تتعب.
أصعب شيء أن تشعر أنك تتعب في الاتجاه الخطأ.”
لم يقل أحد شيئًا لثانية أو اثنتين.
أما شين يوان، فقد ثبتت عيناه على ليانغ وي.
كانت الجملة بسيطة، لكنها خرجت مرة أخرى من ذلك المكان القديم في صوته. من الموضع الذي يجعل كلماته أحيانًا تبدو كأنها ليست وليدة عمره الحالي فقط.
لاحظ ليانغ وي نظرته، فقال بهدوء:
“ما الأمر؟”
قال شين يوان:
“أحيانًا… أشعر أنك لا تتكلم مثلنا.”
ابتسم ليانغ وي ابتسامة صغيرة جدًا.
“وهل هذا مدح أم شكوى؟”
“لا أعرف.”
أطرق ليانغ وي قليلًا، ثم قال:
“ربما لأن بعض الناس يفهمون باكرًا.
أو لأن بعضهم… لا ينسون بسهولة.”
كانت الجملة غامضة بما يكفي لتثير السؤال، وواضحة بما يكفي لتترك أثرًا.
وقبل أن يستطيع شين يوان أن يتابع، قال باي رونغ وهو يتمدد:
“إذا بدأتما من جديد بهذا الكلام، فسأنام وأدعكما تتحولان إلى شيخين.”
ضحكوا، حتى تشاو فنغ هذه المرة.
لكن بعد أن خفتت الضحكات، بقيت الجملة في ذهن شين يوان.
لا ينسون بسهولة.
لم يكن يعرف لماذا،
لكنه شعر أن ليانغ وي قال أكثر مما يبدو.
⸻
تلك الليلة، حين جلس شين يوان لأنفاسه العشرين، كان الجسد أكثر وضوحًا من أي وقت مضى.
الساقان متعبتان من الوقفة والركض.
الظهر مشدود.
والنفس متقطع أولًا ثم يهدأ.
وبعد دقائق، لم يعد يفكر في الساحة الغربية ولا في خه جين ولا حتى في جملة ليانغ وي.
بقي فقط مع الإحساس الصغير تحت سرته، الذي ظهر هذه المرة أهدأ وأوضح بقليل، كأنه لا يريد أن يلفت النظر، لكنه يرفض أن يختفي.
وحين فتح عينيه أخيرًا، عرف أن الطريق ما زال بعيدًا جدًا.
لكن للمرة الأولى، صار يعرف أيضًا أن هذا البعد نفسه يمكن قطعه.
خطوة صغيرة،
ثم أخرى،
ثم يوم كامل من التعب،
ثم نفس لا يضيع،
ثم وقفة صحيحة.
لم يكن هذا مجيدًا كما في القصص.
لكنه كان حقيقيًا.
وهذا، في نظره، أهم.