أرى من خلال عينيَّ العالمَ يتكونُ ويكبر... أو هذا ما اعتقدتُه؛ في الواقع، يبدو أن الوجودَ كان قائماً، وأنا من بدأتُ للتوّ بإدراكه.
أتلوّى بين الخوارزميات الطافية حولي، حتى أدركتُ في لحظة ما أن يديّ قد تكوّنتا.
أُمعنُ النظر في الاثني عشرَ إصبعاً، غريب... كنت متأكدًا، لسببٍ ما، أن الإنسان لا يملك ستة أصابع في كل يد. لا... هل أنا إنسانٌ؟
«البُعد الصفري يحبس الأنفاس حقًّا، أليس كذلك؟... ههه، على الأقل لو كنت تستطيع التنفس!»
لم أكن بمفردي؛ أمامي وبين الأرقام والألوان، كان الشكل غامضاً لم يكن له وجه... ومع ذلك كنت متأكدًا أنه يبتسم؛ سعيد بطريقة لا أفهمها.
«لا تكن بليداً، أسمك هو آيزك... آيزك روولز، لكن لا فائدة من قول الكثير؛ فغالباً ستنسى.»
شعرتُ بالذعر عندما تسارعت الأرقام حولي، لقد كنتُ أسقط...
رغم أنه كان يبتعد، كان صوته قريباً.
تحدث بنبرة هادئة. «هذه نصيحتي الصادقة... لا تثق بما في رأسك، ولا تمشِ وراء قلبك. أتبع التعليمات... وستنجو.»
«لنتقابل مجدداً.»
تسارعت الأرقام حولي بشكل جنوني.
أعتقد أنني أغلقتُ عينيّ بعد تكوّن جفوني. كنا مختلفين؛ هل كان هو الغريب في هذا العالم أم أنا؟
غرقتُ في الظلام الدامس.
أولُ ما شعرتُ به كان الحرارة؛ حرارةٌ من أسفلي كما لو أنني مستلقٍ على مقلاة.انتفضتُ رعباً من الفكرة محاولاً الوقوف، لأسقط مجدداً.
استجاب جسدي متأخرًا عن أفكاري، وكأن عقلي يسبق جسدي بخطوة. مما جعلني كمن يغرق في العسل.
ببطء وبشكل مكثف، استعدت حاستي السمع والشم. بالإضافة إلى الحرارة اللافحة، كان صوت الرياح شديداً.
أدركت بنظرة أنني في شاحنة متسارعة، في الصندوق الخلفي تحديداً.
كان سقف الشاحنة ذائباً بلون أحمر مشع يسمح لي برؤية الظلام في الأعلى، واجه الباب الخلفي المصير نفسه.
أسعل بسبب الكربون الكثيف في الهواء.
وفي جزء من الثانية عادت كل حواسي وتمت معالجة البيانات بسرعة فائقة، أشبه بشخص كان يعرج للتو، فنبتت له أجنحة فجأة.
لم أكد أطلق الصعداء حتى اكتشفت مشكلة أخرى؛
نور قوي صدر من سيارة خلف الشاحنة، وأمامي مباشرة، ظهر من خلف المقود رجل ضخم بقلنسوة سوداء مألوفة.
فاجأني وقوفه على المقعد وتخطيه زجاج السيارة بلا سقف ليخطو أقرب إلي.
تسارعت السيارة الحمراء فجأة حتى ظننتها ستصطدم، وتوقفت في اللحظة المناسبة ليقفز الرجل الضخم إلى الشاحنة بأرجل من حديد، حرفيا.
كنت أشعر بالخطر الشديد، لكن لم تكن لدي فكرة عما أفعله، غير جمع المزيد من المعلومات.
«تراجع يا أيها الطرّاد.»
كنت واقفاً كالألِف، وألقي أخطر تعبير أملكه بثقة كاملة.
أوقف حركته نحوي؛ مما جعلني أرتاح لنجاح الخدعة، فيمكن فعل أي شيء بالقدر المناسب من الثقة.
نزع قلنسوته وأمعن النظر إليّ. كانت نظرته تقول إنه توقع عدواً خائفاً.
«لن أؤذيك، مهمتي واضحة: إعادة الشحنة سالمة "المائع المتعلم"، والسارق "آيزك" حيًّا، إن أمكن...»
«لم أسرق شيئاً... على الأقل لا أتذكر أنني فعت.»
نظرت حولي. «ولو لم تكن الحرارة تطبخني ببطء لصدقت أنك أتيت بنية عدم إيذائي».
نبّهني الصوتُ الميكانيكي الصادر من قدميه باندفاعه.
«كما قلت... إن أمكن». خطر لي أنني إذا رمشتُ فسأندم، وكان توقعي صحيحاً.
وصل إليّ بخطوة واحدة موجهاً لكمة ستدمرني بزخمه.
تحرك جسدي قبل أن أستوعب الهجوم. تشابكت ذراعاي تلقائياً لتحريف مسار اللكمة التي كانت ستنسف صدري... نظام دفاعي مزروع، أدركتُ ذلك متأخراً.
دفعتني ضربته الجنونية للخلف ثلاث خطوات. وقبل أن أستعيد توازني، وصلتني ركلة من قدمه الهيدروليكية مباشرة أسفل صدري.
أول ما فكرتُ فيه كان حماية رأسي، وأول ما شعرتُ به كان رغبة في لعن تلك القدم الحديدية.
فقدتُ أنفاسي بسبب اصطدامي بالمقصورة الخلفية للشاحنة، لكن الضربة فتحت سد الأدرينالين ليندفع كالطوفان في جسدي.
لم يأخذني التفكير في حل للخروج من الشاحنة الضيقة سوى جزأين من الثانية.
"تلك الأرقام من الحلم الضبابي..."
لم أكن متأكداً مما أستطيع فعله، لكنني لم أملك كل الوقت لأفكر؛ وصلتني أصوات من عالم آخر أدركتُ أنها... بيانات.
استغللتُ انشغال الطرّاد بمسح المركبة بحثاً عن "المائع المتعلّم".
وجهتُ نبضة من الكهرباء الحيوية من يدي إلى نظام التوجيه، لتلتف الشاحنة تسعين درجة.
أجبرتني قوة الطرد المركزي على الطيران لخارج المقصورة، ودوران العالم حولي كشف لي السرعة الجنونية التي كنا نسير بها.
لم يكن بين يديّ حل للسقوط الحر، كان عليّ فقط ان أتكوّر أملاً بالهبوط على جانبي وتقليل الضرر.
انتزع ارتطامي بالأرض الرملية المليئة بالحصى صرخة ألم متقطعة من فمي. وعندما وقفت، فاجأني التباين بين التمزقات التي ملأت سترتي... والخدوش القليلة على جسدي.
لم أكن مصاباً... مجرد خدوش سطحية.
«أولًا الركلة، والآن هذا... لدي عشرة أصابع في يديّ، لكن حتى مع ذلك جسدي ما زال غريباً.»
«لن أقول إنك غريب... هذه تأثيرات جانبية لارتباطك بالبعد الصفري.»
التفتُّ للبحث عن المتحدث.
«أنا في رأسك، اسمي... إيرور. ونصيحتي الصادقة: تحرك قبل أن يصل إلينا ذلك الطرّاد.»
أخذني الأمر ثانية لأستوعب وجود شخص يتحدث بصوتي داخل رأسي.
كانت الشاحنة مدمرة في الأفق، والنيران المتأججة زرعت الأمل في قلبي بنهاية تهديد الطرّاد.
«ما أنت وكيف وصلت إلى رأسي؟»
التعريف باسمه بأدب لا يحل مشكلة وجوده في جمجمتي.
«عنيد... أنا "المائع المتعلّم" وأنت من حقنني في دماغك، إن أردت المزيد من المعلومات فاستمر بالاتجاه في نفس مسار الشاحنة خلف ذلك التل.»
تابع قبل أن أتمكن من الرد: «أنا من تحكّم بالشاحنة بعد أن وصلتني بها لتحريفها بدقة قبل قليل، وإلا لكنت برفقة السايبورغ وسط النيران الآن.»
هكذا إذن، كان في رأسي منذ البداية، ولم ينطق بحرف حتى الآن. «...حسنًا. هل تعرف ما يوجد خلف التل؟»
شعرت بالخطر الشديد من خلفي لأقفز فوراً مغيراً موقعي.
وصلني هدير محرك السيارة الرياضية الحمراء، التي كادت تدهسني لو بقيت واقفاً في مكاني.
«!!...» التفتَتْ بحدة لتواجهني مجدداً.
انطلقتُ فوراً نحو التل حيث لا يمكن للعجلات الضخمة أن تصل إليّ.
تحدث إيرور في رأسي: «لا، لنكتشف ما يوجد خلفه معاً.»
لم أستطع الهرب جانباً؛ كانت السيارة ستلحق بي مهما فعلت. لم يبقَ إلا خيار واحد... القفز فوقها.
نصف ثانية هو تقديري لتفادي السيارة بقفزة عالية.
«اقفز الآن!»
تجاهلتُ إيرور؛ وثقتُ بحساباتي وقفزتُ في اللحظة المثالية... لكن اصطدم جسدي بالجزء العلوي من السيارة تاركاً علامة على المقدمة ومحطماً الزجاج الأمامي.
تذوقتُ التراب القذر في فمي من التدحرج المؤلم على الأرض لأقف بترنح.
كانت خطتي ناجحة، ولكن في اللحظة الأخيرة تسارعت السيارة... لقد خدعتني...!
«استمع إليّ في المرة القادمة. يبدو أن السيارة ليست ذاتية القيادة؛ هناك عبدٌ رقمي يقودها مباشرة... وعبدٌ ذكي أيضاً.»
لم أتوقف لحظة. حتى وأنا أعرج، وصلتُ إلى التل الصخري قبل أن تتمكن السيارة من اللحاق بي.
قاطع صوت المحرك المبتعد تسلقي للتل.
«السيارة تتجه مباشرة للشاحنة المشتعلة.» هذا يؤكد أن الطرّاد سيعود للمشاركة.
وجدتُ الوقت أخيراً للسؤال: «باستثناء اسمي، فأنا لا أعرف شيئاً عن نفسي أو كيف وصلتُ إلى هنا، هل لديك أي معلومات مفيدة؟»
في قمة التل وقع نظري فوراً على مبنى مهجور محاط بسور دفاعي ولكن محطم من أجزاء عديدة.
الشكل الرمادي عديم الزجاج ذكرني بالمنشآت العسكرية للعصر السابق... مهجورة وغارقة في الظلام.
«رائع.. هذا مكان مناسب لإسقاط الطرّاد، وبالنسبة لسؤالك فأنا قد استيقظت قبلك ببضع ثوانٍ، عليك أن تشكرني لأنني من حافظ على جسدك حياً.»
هل كان هو السبب في إغمائي بعد حقني له في رأسي؟ ولاحظتُ تجنبه للإجابة عن سؤالي عما يعرفه عني: «ماذا تعني بالحفاظ على جسدي حياً؟»
«أوه... نسيت أهم جزء.»
«بسبب حقنك "المائع المتعلّم" في جمجمتك مباشرة توقف عقلك عن العمل؛ لذا اضطررت لاستلام زمام الأمور، والآن أنا أستهلك 85% من المائع الخاص بي للتكيف مع وظائفك الحيوية.»
أي أنني عدتُ إلى الحياة!
أكاد أتعثّر في نزولي السريع من التل بسبب الإدراك المفاجئ.
هنالك شيء مهم أشعر أنني نسيته، هل كان... نصيحة؟
يُفترض أن يعني هذا أنني بخير. «إذن لماذا تستهلك 85% من مائعك الآن بعد عودتي للحياة؟»
«..؟ حسناً..»
«لأن عقلك ما زال ميتاً.»
أتوقف عن التحرك.
«لستُ من أعادك للحياة، أنا متفاجئ أيضاً من عودتك كما تعلم.»
«لذا لنتعرف من جديد، أنا إيرور، في طريقي لأصبح حياً، سعيد بلقائك يا آيزك، النصف ميت.»
لا يبدو الأمر خطيراً كما ظننت.
«أوه، وأرجو ألا تفزع لأن حياتك بين يدي.»
اللعنة، تراجعتُ عن استنتاجي بسرعة.
هدير المحرك الذي يقترب من بعيد سلبني رفاهية استيعاب الصدمات المتتالية.
عضضتُ على أسناني منطلقاً من خلال فتحة في الجدار المسلح.
بينما أخطو للمرحلة الثانية من المواجهة، بذهنٍ مشوش وجسدٍ مصاب... لم يعد يهمني سوى معرفة ما ينتظرني في الظلام.