"هل ما زلتم تتذكرون أسماءكم؟"
...
بقي الرجل واقفاً وسط الظلال.
...
عيناه غائرتان.
...
جسده نحيل بشكل غير طبيعي.
...
لكن الشيء الذي جعل الجميع يتجمد...
لم يكن مظهره.
...
بل نبرة صوته.
...
لم تكن نبرة مجنون.
...
ولا نبرة شخص يهددهم.
...
بل نبرة رجل يسأل سؤالاً مهماً جداً.
...
سؤالاً يخشى معرفة إجابته.
...
نظر الرجل الضخم إلى جين وو.
...
ثم ضحك ضحكة قصيرة متوترة.
...
"بالطبع أتذكر اسمي."
...
لكن الرجل النحيل لم يرد.
...
بقي ينظر إليه فقط.
...
وكأنه ينتظر.
...
وفجأة...
اختفت ابتسامة الرجل الضخم.
...
لأنه أدرك شيئاً.
...
هو يتذكر اسمه.
...
لكن متى كانت آخر مرة ناداه أحد به؟
...
صمت.
...
أما المرأة قصيرة القامة...
فبدأت تعقد حاجبيها.
...
وكأنها تحاول استرجاع شيء.
...
شيء بسيط جداً.
...
لكنه بعيد.
...
بعيد أكثر مما يجب.
...
عندها تقدم جين وو خطوة.
...
"من أنت؟"
...
نظر إليه الرجل.
...
ولأول مرة ظهر شيء يشبه الراحة على وجهه.
...
"جيد."
...
"على الأقل ما زلت تسأل الأسئلة الصحيحة."
...
ثم أشار إلى التمثال خلفهم.
...
"أما أنا..."
...
"فمجرد شخص نسي اسمه."
...
ساد الصمت.
...
ثم أكمل بهدوء.
...
"منذ وقت طويل."
...
...
جلسوا داخل أحد المباني القديمة القريبة.
...
كان السقف نصف منهار.
...
لكن المكان ما زال صالحاً للجلوس.
...
أما الرجل الغريب...
فجلس قرب الحائط.
...
وكأنه اعتاد مراقبة المداخل.
...
عادة شخص عاش فترة طويلة وهو يتوقع الخطر.
...
"كم مضى عليك هنا؟"
سأل جين وو.
...
ضحك الرجل.
...
ضحكة متعبة.
...
"هذا السؤال لا معنى له هنا."
...
"لماذا؟"
...
رفع يده نحو رأسه.
...
"لأن الزمن يحتاج إلى ذاكرة."
...
"وكلما بقيت أكثر..."
...
"أصبحت أقل قدرة على قياسه."
...
...
لم تعجب جين وو الإجابة.
...
لكن شيئاً فيها بدا صحيحاً.
...
مخيفاً.
...
لكن صحيحاً.
...
ثم أخرج الرجل شيئاً من جيبه.
...
ساعة جيب قديمة.
...
مكسورة.
...
ومتوقفة.
...
"عندما وصلت إلى الجزيرة..."
...
"كنت أستخدمها لحساب الأيام."
...
"ثم نسيت لماذا أفعل ذلك."
...
"ثم نسيت كيف أصلحها."
...
"ثم نسيت اسم الشخص الذي أعطاني إياها."
...
نظر إلى الساعة بصمت.
...
"لكنني لم أنس أنني نسيت."
...
شعر جين وو بقشعريرة.
...
لأن الجملة كانت مأساوية أكثر من أي صرخة.
...
...
بعد دقائق طويلة من الحديث.
...
بدأت الصورة تتضح.
...
هذا الرجل لم يكن من البعثات الحديثة.
...
بل أقدم بكثير.
...
أقدم حتى من السفن المهجورة الموجودة على الشاطئ.
...
وكان يعرف المدينة.
...
ويعرف التمثال.
...
ويعرف بعضاً من تاريخ الجزيرة.
...
لكن معرفته كانت مليئة بالثقوب.
...
مثل قطعة قماش مزقتها السنوات.
...
"من هو الحارس الأول؟"
...
عند سماع السؤال...
تغيرت نظرة الرجل فوراً.
...
لأول مرة.
...
ظهر الخوف.
...
الخوف الحقيقي.
...
"لا أعرف."
...
ثم سكت.
...
ثوانٍ طويلة.
...
قبل أن يضيف:
...
"أو ربما..."
...
"لا أريد أن أتذكر."
...
...
في تلك اللحظة.
...
تحركت الخريطة الممزقة داخل جيب جين وو.
...
مرة أخرى.
...
أقوى من السابق.
...
أخرجها بسرعة.
...
فاتسعت عيناه.
...
الخط الأحمر لم يعد يشير إلى مكان بعيد.
...
بل إلى نقطة داخل المدينة نفسها.
...
نقطة قريبة جداً.
...
قريبة لدرجة أنها لا تبعد سوى عدة شوارع.
...
وكأن شيئاً هناك ينتظر.
...
أو استيقظ.
...
...
نهض الرجل الغريب فور رؤية الخريطة.
...
وبدا وكأنه رأى شبحاً.
...
"من أين حصلت عليها؟"
...
أول سؤال مباشر يطرحه منذ لقائهم.
...
رفع جين وو الخريطة بحذر.
...
"لماذا؟"
...
لكن الرجل لم يجب.
...
بل اقترب خطوة.
...
وعيناه مثبتتان على الورقة.
...
"هذه..."
...
"ليست خريطة."
...
ساد الصمت.
...
"ماذا تقصد؟"
...
ابتلع الرجل ريقه.
...
ثم قال شيئاً جعل الجميع يعبس.
...
"إنها مفتاح."
...
...
وقبل أن يشرح أكثر.
...
اهتزت الأرض.
...
اهتزاز خفيف.
...
لكنه كان كافياً.
...
سقط بعض الغبار من السقف.
...
وتبادل الجميع النظرات.
...
ثم جاء الاهتزاز مرة أخرى.
...
أقوى.
...
هذه المرة شعروا به بوضوح.
...
أما الرجل الذي نسي اسمه...
فشحب وجهه بالكامل.
...
وكأنه يعرف معنى ذلك.
...
"لا..."
همس.
...
"ليس الآن."
...
"ماذا يحدث؟"
سأل جين وو بسرعة.
...
لكن الرجل كان ينظر نحو مركز المدينة.
...
نحو مكان ما خلف التمثال.
...
مكان لا يستطيعون رؤيته من هنا.
...
ثم قال بصوت مرتجف:
...
"أحد الأبواب..."
...
"بدأ يفتح."
...
...
وفي قلب المدينة الميتة.
...
بعيداً عن أنظار الجميع.
...
تحت الأرض.
...
داخل قاعة حجرية عملاقة.
...
أضاء خط أحمر قديم على جدار أسود.
...
ثم خط ثانٍ.
...
ثم ثالث.
...
وكأن نظاماً قديماً بدأ يعمل مجدداً.
...
ولأول مرة منذ سنوات طويلة جداً...
تحرك تمثال الرجل ذي المعطف الأسود بمقدار شعرة واحدة.
...الكارثة.