مرت ثلاثة أيام منذ انتهاء المحاكاة الأولى.
ثلاثة أيام قضاها جين وو في التدريب.
ورغم أن جسده لم يصبح خارقاً فجأة...
إلا أن الفرق كان واضحاً.
حتى الرجل الأصلع لاحظ ذلك.
"أنت تتحسن بسرعة غريبة."
قالها وهو يرفع صندوقاً خشبياً ضخماً.
أما جين وو فاكتفى بالابتسام.
كيف يشرح لشخص أنه عاش ثماني سنوات كاملة خلال بضع دقائق؟
حتى هو نفسه لم يستوعب الأمر بالكامل.
كل ليلة قبل النوم كان يشعر بشيء غريب.
ذكريات المحاكاة لم تبدُ وكأنها حلم.
بل كأنها جزء حقيقي من حياته.
وجوه الأشخاص.
الأماكن.
سنوات التدريب.
كل شيء بدا حقيقياً بصورة مرعبة.
كأنه عاش حياتين بالفعل.
...
في تلك الليلة.
جلس وحيداً فوق التل المطل على البحر.
ثم فتح النظام.
[الرصيد الحالي: 12,000 بيلي.]
[يمكن بدء محاكاة جديدة.]
لم يتردد.
"ابدأ."
[جاري اختيار المحاكاة...]
[جاري الاختيار...]
[خطأ.]
توقف جين وو.
"خطأ؟"
[تم اكتشاف محاكاة غير مستقرة.]
[هل ترغب بالدخول؟]
[تحذير: مستوى الخطر غير معروف.]
ابتسم جين وو بسخرية.
"منذ متى أصبحت تهتم بسلامتي؟"
[لا أهتم.]
"ممتاز."
ضغط على الموافقة.
وفي اللحظة التالية...
اختفى العالم مجدداً.
...
...
...
هذه المرة لم يشعر بالدوار.
ولا بالانتقال.
بل شعر بشيء أشبه بالسقوط.
سقوط طويل.
عميق.
لا نهاية له.
ثم...
فتح عينيه.
وكان أول ما رآه هو الثلج.
أبيض.
بلا نهاية.
والسماء رمادية.
والهواء بارد بشكل مؤلم.
"أين أنا؟"
[المحاكاة رقم 2.]
[العنوان: الزائر.]
"اسم مطمئن جداً."
بدأ بالسير.
خطوة.
ثم أخرى.
ولا شيء حوله سوى الثلج.
مرت ساعة كاملة.
ثم ساعتان.
حتى بدأ يشك أن المحاكاة تعطلت.
لكن فجأة...
رأى شيئاً بعيداً.
كوخاً صغيراً.
وحيداً وسط الجليد.
اقترب بحذر.
كلما اقترب أكثر...
شعر بشيء غريب.
شعور لا يستطيع تفسيره.
كأن هناك خطأ في هذا المكان.
خطأ لا تراه العين.
لكن العقل يشعر به.
وصل أخيراً إلى الباب.
طرق عليه.
مرة.
مرتين.
ثم انفتح ببطء.
وظهر رجل عجوز.
شعر أبيض.
عينان سوداوان.
ووجه يحمل هدوءاً مخيفاً.
نظر العجوز إليه طويلاً.
طويلاً جداً.
ثم قال:
"تأخرت يا كانغ جين وو."
...
...
...
توقف الزمن.
شعر جين وو أن قلبه توقف عن النبض.
لم يقل شيئاً.
لم يتحرك.
حتى تنفسه تجمد.
لأن الرجل نطق اسماً لا يفترض أن يعرفه أحد.
اسمه من حياته السابقة على الأرض.
"كيف..."
خرج صوته بالكاد.
"كيف تعرف اسمي؟"
ابتسم العجوز.
ابتسامة صغيرة.
وحزينة بشكل غريب.
"لأنني كنت أنت."
سقط الصمت.
ثقيلاً.
خانقاً.
كأن العالم كله اختفى فجأة.
أما جين وو...
فشعر أن عقله توقف عن العمل.
"ماذا؟"
ضحك العجوز بخفة.
"هذا أول سؤال سألتُه أيضاً."
تراجع جين وو خطوة للخلف.
ثم أخرى.
لأول مرة منذ وصوله لهذا العالم...
شعر بالخوف الحقيقي.
ليس خوف الموت.
ولا خوف القتال.
بل خوف المجهول.
خوف أن يكتشف أن كل ما عرفه حتى الآن كان كذبة.
دخل العجوز إلى الكوخ.
ثم جلس أمام المدفأة.
وأشار إلى المقعد المقابل.
"اجلس."
"لدينا وقت قليل."
تردد جين وو.
لكنه دخل.
حالما جلس...
شعر بحرارة المدفأة.
لكنها لم تستطع تبديد البرودة التي تسللت إلى قلبه.
نظر العجوز إلى النار.
ثم قال بهدوء:
"أخبرني..."
"هل ما زلت تعتقد أن المحاكيات مجرد أوهام؟"
شعر جين وو بقشعريرة.
لأن السؤال نفسه...
كان شيئاً فكر فيه قبل أيام.
لكن لم يخبر به أحداً.
ولا حتى النظام.
رفع رأسه ببطء.
ونظر إلى العجوز.
"من أنت؟"
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم أجاب الرجل.
"أنا شخص فشل."
"شخص وصل إلى نهاية الطريق."
"وشخص عاد فقط ليحذرك."
اتسعت عينا جين وو.
أما العجوز...
فنظر مباشرة إلى عينيه.
وقال الجملة التي ستغير كل شيء.
"لا تملأ الخانة الثالثة."
...
...
...
قبل أن يتمكن جين وو من السؤال.
اهتز العالم.
تشققت الجدران.
وتحطم السقف.
وكأن شيئاً هائلاً يحاول تمزيق هذه المحاكاة.
أما العجوز...
فلم يظهر أي ذعر.
بل ابتسم فقط.
ابتسامة شخص كان يتوقع هذا منذ البداية.
"لقد وجدوني."
ارتجفت الأرض.
وظهر أول شرخ أسود في السماء.
ثم الثاني.
ثم الثالث.
ومن داخل الظلام...
بدأت عشرات العيون الحمراء العملاقة تفتح ببطء.
نظر العجوز إليها.
ثم عاد بنظره نحو جين وو.
وقال آخر كلماته:
"إذا أردت النجاة..."
"لا تثق بالجهاز بالكامل."
وفي اللحظة التالية...
انهار العالم كله.
...الكارثة.