《الفصل الأول: لا تقلق، أنا أيضاً لم اعتبرك والدي قط》


"لا أريد أن أرى وجهك بعد اليوم أبداً! من الأفضل أن تجدي لكِ زاوية ما وتتعفني فيها وحدكِ...وصدقيني...لن يلاحظ ذلك أحد!"

ماذا سيكون شعورك إذا ما كانت هذه هي آخر كلمات تسمعها من والدتك؟ الإنسانة التي من المفترض أن تكون أنت جزءاً من قلبها، وقطعةً من روحها. وهي من ستعتز بك وتحميك من هول هذه الحياة..
لكن حسناً. بالنسبة لي، لقد توقفت عن التفكير بها هكذا منذ زمن طويل. ذلك الوقت حينما أدركت الحقيقة في وقت مبكر جداً..ذلك الوقت الذي كنت فيه أحوج ما أكون إلى ذلك الحنان، وذلك الدفء إلى جانبي. والذي لم أكن أسمع عنه إلا في الكتب، ومن أحاديث الآخرين بالمناسبة..

مضحك؟ مثير للشفقة؟ يمكنك قول ما شئت، فأنا حقاً لا أهتم.

الآن إذا ما سألتني ما الذي تعنيه العائلة بالنسبة لي، فسوف أضحك في وجهك وأقول لك ما هذا الهراء الذي تتحدث عنه بحق لله؟!

هذه أنا..وهذه هي قصتي..

الفتاة التي لم تنتظر أحداً. الفتاة التي لا تؤمن بأحد، ولا تثق بأي أحد. الفتاة التي تحطمت روحها آلاف المرات، فاستجمعت شتات نفسها بنفسها ونهضت بقوة في مواجهة هذا العالم القاسي..

أجل هذه أنا...آنستازيا غيلبرت...

                                                                                           •○•○•○•

"آنا....آنا"

أستطيع سماع صوت لُوِي المرهق وهو ينادي من أسفل تلك الهضبة الصغيرة، حيث بداية الغابة الشمالية...

لقد كان مزعجاً للغاية. متى يتعلم هذا الصغير ألا يقاطعني عندما أكون منهمكة في جمع أعشابي الطبية العزيزة؟!

لكن حسناً. علي الاعتراف أنه خطئي في الواقع، فقد تأخرت كثيراً اليوم على غير العادة، لذلك لابد أنه قد أصبح قلقاً الآن.

قطفت العشبة الأخيرة تحت تلك الشجرة العملاقة ووضعتها في سلتي، ثم سرت بخطى سريعة متجهة نحو الممر الترابي الذي يقود إلى القرية في الأسفل.

 

باستطاعتي من هنا رؤية قريتنا الصغيرة المحاطة بالعديد من الهضاب الواسعة، والغابات الكثيفة من كل جانب..

كانت قريةً متواضعة وهادئة جداً إلى حد يشعرني بالملل أحياناً. لكننا كنا نعيش حياتنا براحة دون أن نعاني من أي مشاكل إطلاقاً نظراً للمسطحات الخضراء من حولنا، حيث الأرض الخصبة، والأنهار التي تجري باستمرار في الغابات الجبلية الواسعة المحيطة بالقرية..

وفي الطريق الترابي المؤدي إلى القرية، وقف لوي هناك، ويبدو أنه يضم يديه إلى خصره من البرد.

ما إن رآني حتى بدا الارتياح على وجهه. لكن سرعان ما تبدلت ملامحه ليبدو مغتاظاً جداً، وقد رفع صوته عالياً حتى أسمعه "انزلي بسرعة، لقد تأخر الوقت كثيراً وسوف يصبح الجو أكثر برودة. كما أن الغابة خطيرة جداً في الليل!"

بدا لطيفاً جداً وهو يحاول أن يبدو جدياً قدر الإمكان. أخفيت ضحكتي وقلت وأنا أسير باتجاهه بنفس نبرته العالية

"قادمة!"

لم يتوقف لُوي عن التذمر طوال الطريق، وحتى وصولنا إلى المنزل..في الواقع لم أكن منتبهةً على كل ما يقوله، فكل ما أفكر به الآن هو ماهي الأدوية التي علي صناعتها بهذه الأعشاب التي حصلت عليها اليوم.
لقد وجدت الكثير من الأعشاب النادرة، لذلك كنت سعيدةً حقاً ولم يكن بوسعي الانتظار حتى أخلطها معاً في أقرب وقت!

تنهد لوي بخيبة وقال وهو ينظر إلي باستياء" آنا...هل تستمعين إلي حتى؟ أراهن أن كل ما يشغل عقلك الآن هي الأعشاب فحسب!"

ضحكت بتوتر، فهو الوحيد القادر على فهمي جيداً أكثر من أي شخص آخر...

قلت مغيرةً الموضوع وأنا أقف بجانب الطاولة، وانظر إلى ذلك العشاء البسيط الذي أعده ببراعة " واو أنت الأفضل حقاً لوي! لقد كنت أرغب في تناول حساء الفطر منذ وقت طويل جداً!"

رفع لوي حاجبه وقال وهو ينظر إلي بملل "حتى إذا ما أردتِ التهرب من الموضوع، عليكِ أن تجربي طريقةً أفضل...لقد تناولنا حساء الفطر قبل يومين فقط!"

جلست على الكرسي الخاص بي وبدأت الأكل بابتسامة عريضة، ثم قلت بعد أن رفعت إبهامي باتجاهه بموافقة "لوي هو أفضل طباخ في العالم بالتأكيد"

تنهد لوي بإحباط وهو يعلم جيداً أنه لن يستطيع هزيمتي أبداً، خصوصاً عندما أكون في مزاج جيد مثل اليوم.

من الصعب بالنسبة لي أن أضع صفة معينة لعلاقتي أنا ولوي.

لقد كان طفلاً متشرداً جائعاً وجدته على قارعة الطريق. أخذته ذلك اليوم لأطعمه، وكنت على اعتقاد أنني سأعيده إلى الخارج قريباً جداً.
لا أعلم حقاً لما فعلت ذلك يومها، فلست من النوع اللطيف الذي يجوب الشوارع ويساعد الآخرين ببساطة.
ربما لأنني رأيت نفسي في عينيه الخاليتين تماماً من الحياة. كان جائعاً ومرهقاً جداً، لكنه لم يكن يشتكي لأحد، ولم يلتمس عطف أحد من حوله....مثلي تماماً..

اليوم أصبح أياماً، والأيام أصبحت أسابيعاً، والأسابيع أصبحت شهوراً، ثم تحول الأمر إلى سنتين كاملتين دون أن ينفصل أحدنا على الآخر.

لقد احتاج كلانا إلى الآخر. أنا أردت رفيقاً يؤنس وحدتي الفظيعة تلك، ولُوي احتاج إلى الدفء والمأوى، وربما إلى الرفقة أيضاً. لذلك صرنا نمضي أيامنا معاً، وصرنا نفهم بعضنا جيداً قبل أن ندرك ذلك حتى.

لا أؤمن بالأبدية، ولا أؤمن بالعلاقات أبداً، لكن لُوي هو الوحيد الذي بقي معي لوقت طويل جداً دون أن ينتظر مني أي شيء في المقابل. لا أعلم إلى متى، ولكنني لا أظن أنني أنوي الانفصال عنه قريباً.

سألني وهو يحمل الأطباق إلى المغسلة بعد أن انهينا عشاءنا أخيراً" يبدو أنكِ حصلتِ على أعشاب جيدة اليوم"

أجبت وأنا أنظر إلى سلتي حيث جمعت بها الكثير" أجل...ربما سيكون بإمكاني صنع أدوية جديدة قريباً جداً"

نظر لوي إلى السلة للحظات، لكنه قال متذكراً بعد برهة" أوه صحيح! لقد قدمت السيدة كلارك إلى المتجر في الظهيرة. قالت أن ابن شقيقها قد تناول نبتة ما وقد كانت مسمومة على ما يبدو، وتريدك أن تقومي بعلاجه. إنه يعيش في مدينة أخرى، لذلك سوف يصلون غداً."

"ألم تخبرك ما نوع تلك النبتة؟"

"إنه صغير جداً لذلك لم يستطع إخبارهم ما الذي تناوله بالضبط."

أومأت بهدوء وقد كنت قلقة نوعاً ما. السيدة كلارك هي زبونتي الدائمة، وأستطيع القول أنني على علاقة جيدة بها. لقد حدثتني عن شقيقها الذي يعيش في مدينة أخرى، ويبدو أنها مقربة منه جداً، لذلك لابد أنها ستتأثر كثيراً إن أصاب ابنه أي مكروه.

أرجو أن أكون قادرة على المساعدة. هذا ما فكرت فيه وأنا أحمل أعشابي الجديدة إلى غرفتي ومختبري الصغير أيضاً.

كان بها سرير في الزاوية، طاولة حيث أعمل على صناعة الأدوية، وكذلك أكوام كثيرة من الكتب التي جمعتها بجد طوال السنين الماضية.

 

السهر طوال الليل في القراءة وصناعة الأدوية لم يكن شيئاً جديداً علي. لذلك لم أجد أي مشكلة في الجلوس أمام طاولتي، والعمل لساعات طويلة دون أن ألاحظ الوقت حتى..

                                                                                       ▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎

 

"أشعر بصداع فظيع طوال اليومين الماضيين...كما أنني أجد صعوبة في السير بشكل متوازن خصوصاً بعد أجلس لفترة ثم أنهض فجأة"

ابتسمت بتصنع لجيفري الذي أخذ يشتكي لي لأكثر من عشر دقائق الآن حول هذا الصداع الذي سمع به كل أهل القرية تقريباً.

كانت هذه طبيعته، فهو يحب لفت الانتباه دائماً. لكنني وكطبيبة الأعشاب الوحيدة في القرية، كان علي أن استمع إلى شكواه بصبر، بالرغم من أنني كنت أنا من يشعر بالصداع في الواقع فقد انغسمت في الأمس في صنع الأدوية، ولم أشعر إلا وقد حل الصباح، لذلك لم أحظ بأي نوم على الإطلاق. وحديثه الطويل هذا، زاد الأمر سوءاً فحسب..

كنت أنهض دائما في وقت مبكر جداً من الصباح. أقوم بروتيني اليومي، ثم أفتح المحل للقروين الذين كانوا يقصدونني دائماً..
بل إن بعضهم كانوا يأتون فقط ليشتكوا لي حول مشاكلهم الشخصية، التي لم تكن لها علاقة بعملي على الإطلاق!

أخذت قارورة دواء صغيرة من الرف خلفي، وقلت بجمود وأنا أمدها له دون أن أعلق على حديثه الطويل ذاك: عليك أخذ ملعقتين في اليوم بعد أن تناول الطعام. حسابك هو عشر قطع نحاسية...

نظر إلي لبعض الوقت، ويبدو أنه اعتاد على طبيعتي تلك. لم أكن أحب التحدث بلا داعي، لذلك لا أدري لما يعتبرني القرويون المستمعة الأفضل في القرية!

 

وضع النقود على الطاولة، ثم غادر المحل بعد أن أخذ دواءه وهو يبدو محبطاً بعض لشيء...

"ألا تعتقدين أنك كنتِ باردة معه أكثر من اللازم؟"

نظرت إلى لوي الذي خرج لتوه من الباب الذي يربط المحل بمنزلنا الصغير، لأقول بعد أن حركت كتفي بدون اهتمام" ليس لدي ما أفعله له غير هذا. سوف يخبر القرية كلها أنه مصاب بإسهال في الغد أو ما شابه، لذلك سيعود إلى هنا حتماً."

بدأ لُوي في تنظيف رفوف الأدوية، ثم قال معلقاً على كلامي بشقاوة "حسناً، ليس وكأنني أشتكي، فهو يدر علينا بالكثير من المال."

وقبل أن أعلق على كلامه، انفتح الباب على مصراعيه فجأة ليدخل رجل ثلاثيني يحمل طفلاً صغيراً فاقد للوعي بين ذراعيه.. استطعت رؤية السيدة كلارك التي كانت تسير خلفه بنفس منقطع، بينما ترفع طرف ثوبها للأعلى قليلاً حتى تكون قادرة على الركض مجاريةً سرعته.

وقف ذلك الرجل أمامي وقال بانفعال "هل أنتِ هي الطبيبة آنستازيا؟!"

تجاوزت الطاولة لأقف أمامه وأقول على عجل "أجل أنا هي..لابد أنك شقيق السيدة كلارك."

ثم أشرت إلى السرير الخشبي في الزاوية وقلت بهدوء "ضع الطفل هناك..سوف أقوم بفحصه"

لم يضيّع الرجل أي ثانية في إسناد طفله برفق على السرير. بدا قلقاً وخائفاً حقاً، وقد ظلت يداه ترجفان بقوة.

كان الطفل يتنفس بصعوبة، وقد ظل يتصبب عرقاً بشدة. استطعت ملاحظة ذلك الطفح الجلدي الذي انتشر في أجزاء كثيرة من جسده...ولما فتحت جفنيه، كان هناك احمرار واضح في بياض عينيه، ولثته بدت متورمة أيضاً.

تنهدت بضيق وأنا أدرك ما تعنيه هذه الأعراض جيداً.

نظرت للأب وقلت بهدوء" يبدو أنه أكل من بذور نبات المارييلا. إن أوراقها لها استعمالات طبية كثيرة، لكن بذورها سامة جداً. إنها تسبب احتقاناً كبيراً في المجرى التنفسي، والذي يزداد خطورةً ما لم يتم علاجه. لذلك عادةً ما يموت المصابون بعد أيام قليلة من أكلها. يمكنني صناعة المصل المضاد من أوراق النبتة نفسها، لكنها ليست معي حالياً. إنها تنمو قرب نهر ديزان. سيستغرق الأمر ثلاثة ساعات للوصول إلى هناك"

تشبث الأب بذراعي وقال برجاء، وقد بدا على وشك البكاء في أي لحظة" هل سيكون جيمي بخير؟ إنه لن يموت صحيح؟"

ابتسمت مطمئنةً وأنا أبعد يده القوية عن ذراعي، وقلت برفق" إن الاحتقان لم يصل إلى مرحلة خطيرة بعد. سوف يكون بخير ما إن أعد الدواء...يمكنك الانتظار هنا"

ثم نظرت إلى لُوي وقلت وأنا أسير باتجاه الباب

" اهتم بهم جيداً"

▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎

الدخول والخروج من الغابة كان بمثابة الروتين اليومي بالنسبة لي، لذلك لم أجد في ذلك أي صعوبة على الإطلاق. كان علي الحذر أثناء قطف أوراق تلك النبتة، فالبذور تتسبب بطفح جلدي وحكة مزعجة إذا ما لامست الجلد.

وما أن انتهيت من جمعها، حتى ركضت بسرعة نحو المحل، لكنني تعثرت بجذر شجرة كان بارزاً في الطريق.

انجرحت ركبتاي ويدياي بشكل سيء، لكن الأسوء هو أن حذائي قد انقطع أيضاً. في العادة لا أؤمن بالخزعبلات التي تتحدث عن الفأل وغيرها، لكنني لا أدري لماذا شعرت بالضيق حقاً لما رأيت ذلك.

حركت رأسي بسرعة لأطرد تلك الأفكار من عقلي، ثم استمريت في طريقي نحو المحل وأنا أتحرك بصعوبة نظراً لإصابتي تلك.
.
.
.
"هيا..كن ولداً جيداً وأشرب هذا الدواء من أجل أختك الكبيرة"

أطبق الصغير على فمه وهو يراوغ الملعقة التي مدتتها نحوه. ورغم شحوب وجهه، وعدم قدرته على التنفس بشكل جيد، إلا أنه كان عنيداً بحق..

كم أكره التعامل مع الأطفال المدللين!

ابتسمت بصعوبة وأنا أحاول التودد إليه بكل عبارات التملق التي خطرت ببالي وقتها. لكن يا إلهي، هذا الصغير مثير للأعصاب حقاً!

أريد أن أجبره، لكن لا يبدو لي والده من النوع الذي سيسمح لي بالتعامل مع صغيره بعنف أياً كان نوعه.

نظرت إلى الأب الذي بدا قلقاً جداً، وقلت بهدوء وأنا أشعر أن صبري بدأ ينفذ" من الضروري أن يشرب هذا الدواء بأي طريقة. أخشى أن علي إجباره على أخذه"

لم يبد أن كلامي قد أعجبه، فقد قال باستياء "ألا توجد طريقة أخرى؟ جيمي لا يحب أن يجبره أحد على شيء."

الآن لم أعد قادرةً على التحمل أكثر. تكلمت بشيء من القسوة وأنا انظر إليه بحدة" إنها مسألة حياة أو موت سيدي. ليس هذا الوقت المناسب للقلق على مشاعر ابنك! يمكنك تركه هكذا، وسيتفاقم وضعه ثم يموت في النهاية. أهذا ما تريده؟"

بدا أن كلامي قد أخرسه تماماً. ولما تأكدت أنه لن يعترض على أي شيء سأفعله، قمت بما كان علي فعله منذ أكثر من ساعة... حشرت الملعقة في فمه غصباً عنه، وأجبرته على ابتلاع الدواء لآخر قطرة!

أعطيت الأب بعض التوصيات والتعليمات المهمة، والذي غادر بعد أن شكرني وهو والسيدة كلارك دون أن ينسيا دفع الحساب بالطبع..

جلست على كرسيي وأنا أشعر بالإرهاق الآن حقاً. من يعلم أن مريضاً واحداً سيستنفد طاقتي إلى هذا الحد!

هتفت وأنا لم أقوى على مغادرة مكاني" لُوي، هل العشاء جاهز؟"

لكن لا إجابة...

"لوي؟ إنني جائعة جداً! إن لم تكن قد أعددت العشاء، فسوف أضربك حقاً!!"

ومجددا...لا إجابة.

حسناً، الأمر قد أصبح غريباً الآن. ليس من عادة لُوي أن يتجاهلني إلا إذا كان غاضباً مني، ولا أذكر أبداً القيام بأي شيء قد يغضبه..

قمت من مكاني لأبحث عنه بينما أخذت أناديه دون توقف. لكن ولدهشتي، لم أستطع إيجاده في أي مكان!!

بدأ الخوف يتسلل في داخلي حقاً. يستحيل أن يكون قد خرج في هذه الساعة..وفي الحقيقة، الآن فقط لاحظت أنني لم أره أبداً منذ أن عدت من الغابة..
سرت في كل مكان في المنزل، لكنني توقفت فجأة إلى جانب طاولة الأكل، حيث لاحظت قصاصة صغيرة موضوعةً أسفل المزهرية في منتصف الطاولة.

أخذت تلك القصاصة، لكن الكلمات التي قرأتها بها قد جمدت الدم في شراييني على الفور..

"إذا ما أردتِ استعادة هذا الصغير حياً، فتعالي إلى العنوان المدوّن خلف الورقة. أمامكِ أسبوع واحد فقط للوصول، وإلا عليكِ توديع الصغير إلى الأبد"

نظرت على الفور إلى العنوان في الخلف، وقد تفاجأت كثيراً لما وجدت أنه عنوان لمنزل ما في العاصمة. سأحتاج ستة أيام للوصول إلى هناك على أقل تقدير. يجب أن أجمع تكاليف الرحلة، وأحجز عربة في الغد. ذلك سيستغرق وقتاً حتماً..كيف يجرؤ هذا الحقير على إعطائي هذه المهلة القصيرة للوصول إلى هناك!

جلست على أحد الكراسي إلى جانب الطاولة وأنا أفكر بعمق فيما حدث.

لماذا قد يختطف أحدهم لُوي هكذا؟ ما الذي يريدونه مني؟ ربما أجني مالاً جيداً من عملي، لكنني لست غنيةً بأي شكل من الأشكال. وحتى لو كانوا يريدون مالاً. هل هناك حاجة حقاً لجلبي كل ذلك الطريق إلى العاصمة فقط من أجل الحصول على الفدية؟!

هناك شيء آخر حتماً، ولدي شعور سيء جداً حول ما يكون.
.
.
.
.
العاصمة الإمبراطورية ريكاليوس... لقد ظننت في الماضي أنه بعد أن غادرت تلك المدينة القذرة أخيراً، فلن أعود إليها أبداً مهما حدث.
نظام الطبقات هنا كان مقيتاً جداً. فبينما يعيش الأغنياء في المنازل الفارهة، والشوارع الفخمة والنظيفة، يعيش الفقراء في المقابل حياةً أقل ما يقال عنها أنها الجحيم.

 

قد تكون امبراطوريتنا قوية جداً عسكرياً وسياسياً، ولكن الشعب فيها يعاني اضطهاداً وظلماً كبيراً إلى أبعد الحدود. الضرائب مرتفعة جداً، والنبلاء يمتلكون الثروة والسلطة، ولهم الحق في امتلاك كل شيء.
لا يزال نظام العبودية قائماً، ولا يزال هناك الكثير من المشردين والجوعى الذين يعانون كل يوم.
كل ما سمعته عن الامبراطور هو أنه محض عجوز عديم الفائدة، منخرط فقط في الشهوات والملذات دون أن يكترث حقاً لما يعانيه الشعب تحت حكمه الظالم.

ليس الأمر أنني أهتم حقاً، لكن لا يسعني سوى أن أتذكر تلك الحياة المريعة التي عشتها هنا في الشوارع الفقيرة لهذه المدينة الكبيرة جدا، وأنا أحاول الهرب من تجار العبيد، والحصول على لقمة تسد جوعي كل يوم..

لكن ما فاجأني حقيقةً، وهو أننا نتجه الآن نحو الأحياء الراقية حيث يعيش النبلاء والأغنياء فقط، لذلك صرت الآن أكثر حيرة حقاً.

أخرجت رأسي من النافذة الصغيرة للعربة وقلت بصوت مرتفع وأنا أخاطب السائق" هل أنت متأكد أن العنوان يقود إلى هنا؟"

أجاب السائق بملل بعد أن سألته السؤال نفسه ثلاث مرات حتى الآن" إنني متأكد تماماً آنستي. إنني أحفظ كل شوارع المدينة ظهراً على عقب، ومن المستحيل أن أخطأ أبداً!"

عدت للجلوس في مكاني بعد أن تنهدت بضيق. الآن صرت أشعر بتشويش أكبر. لماذا قد يقوم نبيل باختطاف لُوي؟ ما الذي يريدونه مني؟

أسئلة كثيرة ظلت تدور في عقلي، لكن توقف العربة أخرجني من دوامة أفكاري لانظر نحو النافذة بحذر...

فتح السائق الباب وقال بنبرة باردة: لقد وصلنا إلى العنوان.

ترجّلت من العربة، لأجد أمامي بوابةً حديديةً كبيرة، خلفها قصر فخم جداً لم أر مثيلاً له من قبل.

شددت حقيبتي بقوة أكبر، وقد وضعت فيها كل المال الذي أملكه تحسباً لأي فدية قد يطلبها الخاطف. لكن بالنظر إلى هذا القصر، أشك أن ما أملكه سيكفي حتى لشراء الطعام الذي يتناوله الناس الذين يعيشون هنا!

لن يكون الأمر بذلك السوء آنا. هم لن يقوموا بقتلي مثلاً.. صحيح؟

أخذت نفساً عميقاً وسرت باتجاه البوابة. أوقفني أحد الحراس وقال لي بنبرة حادة: من أنتِ وما الذي تفعلينه هنا؟

تأففت بغضب. إذا ما أردتم إحضاري كل ذلك الطريق إلى هنا، كان يجب عليكم أن تتعرفوا علي على الأقل!

قلت بنفاذ صبر" صدقني، أنا أكثر من تريد أن تعرف ما الجحيم الذي أفعله هنا!"

لما نظر الرجل في وجهي بدا مصدوماً جداً لسبب ما. لكنه قبل أن يقول أي شيء، قاطعه صوت تلك المرأة التي تحدثت ببرود شديد" لابد أنكِ آنستازيا غيلبرت صحيح؟ لقد كنا نتوقع قدومك"

في حياتي كلها لم أرى امرأة بهذا البرود أبداً. أظنها قادرة على أن تجمد بركاناً بتعابير وجهها فحسب.

لكنني سرت نحوها لأقف أمامها وأقول بغضب" أين هو لوي؟!"

تكلمت المرأة بنفس برودها وهي تشير إلى الداخل "رافقيني من فضلك...إن سيدي في انتظارك بالداخل"

قالت هذا لتسير أمامي دون أن تنتظر ردي حتى.

سيدي في انتظارك؟ من هذا وما الذي يريده مني؟!!

لكنني تبعتها على أي حال. بالنظر إليها، لا أظنني سأكون قادرة على معرفة أي شيء منها. لذلك علي الصبر وانتظار ذلك السيد اللعين!

أدخلتني إلى غرفة واسعة بها مدخنة حجرية كبيرة، وحولها من الجانبين العديد من الكراسي الذهبية المغلفة بالكشمير الأحمر الفاخر.

طلبت مني الجلوس على أحد تلك الكراسي. ورغم أنني لم أكن أطيق البقاء هنا لثانية أخرى، إلا أن دفء المدخنة جذبني للجلوس بالقرب منها بعدما كنت أشعر أن أطرافي قد تجمدت تماماً.
يبدو أن بقائي بعيداً عن العاصمة لسنوات، جعلني أنسى مدى برودة الجو في هذا الوقت من السنة.

لم يمض الكثير من الوقت حتى دخلت امرأة أخرى أفترض أنها إحدى خادمات القصر، وقد كانت تجر أمامها كرسياً متحركاً جلس عليه رجل بدا في نهاية الخمسينات من العمر.

كان شعره أبيض بالكامل، بملامح قاسية وغاضبة بشكل طبيعي حسب اعتقادي. لكن لسبب ما، شعرت أنه بدا مألوفاً جداً. لكنني لا أذكر أبداً أين رأيته..

أوقفت الخادمة الكرسي المتحرك على بعد أمتار قليلة أمامي مباشرة، عندها نظر الرجل إليّ متفحصاً وقد عقد حاجبيه باعتراض واضح.

لم أكن أشعر بالراحة من نظراته تلك، ومن ذلك الصمت المثير للأعصاب. لذلك تكلمت بشيء من الوقاحة وأنا أنظر إليه بحدة "أعد لي لوي حالاً. لا أعرف لماذا قمت باختطافه، ولا أهتم حقيقةً، لذلك أعده وسوف أغادر هذا المكان بهدوء ولن ترى وجهي مرة أخرى"

احتدت عيناه بغضب عارم وقد بدا أن كلامي قد استفزه كثيراً. لذلك تكلم وهو يصر على أسنانه بسخط "كيف تجرؤ ابنة عاهرة مثلك على التكلم معي بهذه الطريقة؟!"

عقدت حاجبي على كلمته تلك، وقلت محاولةً استيعاب ما قاله " المعذرة..يبدو أنني أخطأت في سماعك. هل ناديتني للتو بابنة العاهرة؟!"

نظر إلي باستحقار وقال مؤكداً على كلامه" بلى..وأنتِ أكثر من يعرف أن ذلك صحيح تماماً."

بصراحة، لم أكن غاضبةً بسبب كلمته تلك إطلاقاً فتلك المرأة هي محض عاهرة بالفعل. لكن ما أغضبني هو طريقته في التحدث معي، ونظرة الاستحقار والتقزز تلك في عينيه..

تكلمت وأنا أحاول ضبط نفسي قدر الإمكان" أنا لا أفهم لماذا علي سماع هذه الإهانات منك بالضبط، لكنني لا أرغب حقاً في افتعال أي مشكلة على الإطلاق. أرجو أن تعيد لي لوي، ودعني أرحل في طريقي بسلام"

قال وتلك النظرات لم تغب عن عينيه أبداً" إذا ما كان الأمر بهذه البساطة، ما كنت لأسمح لفتاة قذرة مثلك بتلويث منزلي. لكن ليس لدي خيار آخر"

ضغطت على أسناني بغيظ شديد. كيف يجرؤ هذا العجوز الخرف على إهانتي هكذا؟

وقبل أن أنفجر عليه، تكلم وهو ينظر إلي ببرود شديد كما لو لم يكن قد أهانني للتو" لا أعرف إذا ما كانت والدتكِ قد حدثتكِ عني من قبل أم لا، لكنني والدك. إن لديكِ أخت توأم وأنتِ تشبهينها تماماً، لذلك هناك شيء أريد استعمالك به. أهذا واضح؟"

مهلاً مهلاً مهلاً...ما الذي يتفوه به هذا الرجل حقاً؟ والدي؟ أختي التوأم؟
حسناً، ليس وكأنني لا أعرف ذلك. بل إنه منقوش تماماً في ذاكرتي. لا عجب أنه بدا مألوفاً بالنسبة لي.

لقد اجتمع هذا الرجل بوالدتي لليلة واحدة، ثم تركها حتى مع علمه أنها كانت حامل منه فيما بعد. لكنه تعرض لحادث بعد أربع سنوات جعله غير قادر على الحركة، ولا الانجاب أيضاً. لذلك كان مضطراً لأخذ وريث له. كنت مريضة جداً وقتها، وقد كان جسدي ضعيفاً لذلك تركني مع تلك المرأة، وأخذ شقيقتي التوأم فقط...
ربما كنت صغيرةً في ذلك الوقت، لكنني أتذكر ما حدث جيداً كما لو كان ذلك بالأمس..أتذكر كيف تشبثت بملابسه ورجوته ليأخذني أنا أيضاً، لكنه أمر رجاله برميي بعيداً دون أن يكترث لي للحظة.

والمضحك في الأمر، هو أن تلك كانت الذكرى الوحيدة التي أملكها عنه..عن والدي!

هل تظنون أنني سأبكي أو أتألم؟ بالطبع لا، فقد تلاشت تلك المشاعر من قلبي منذ وقت طويل جداً. كل ما في الأمر أنني غاضبة...وخائبة قليلاً.

ابتسمت لما قاله بسخرية. لا...بل إنني بدأت بالضحك في الواقع.

ربما هو لم يتوقع ردة فعلي تلك، فقد بدا متفاجئاً جداً.

قال بغيظ وقد بدا متوتراً نوعاً ما" ما المضحك في الأمر؟"

حركت رأسي نافيةً وقلت وأنا أكتم ضحكتي" لا، لا شيء... إنني أضحك من مدى وقاحتك. بعد أن تركتني كل تلك السنوات، الآن تظهر في حياتي فجأة وتطلب مني القيام بشيء ما لأجلك؟"

عادت تلك النظرة الباردة في وجهه ليقول باستصغار" لا تفهمي الأمر بشكل خاطئ. إنني لا أطلب منكِ، بل إنني آمرك. ولتعلمي أنه ليس لديكِ أي خيار سوى أن تطيعيني، وإلا فإنني سأقتل ذلك الصغير على الفور."

كلماته تلك دقت نواقيس الخطر في داخلي. بدا جاداً جداً، ولا أظن أنه لا يعني ما قاله أبداً.

ضغطت على أسناني بغيظ بعد أن أدركت جيداً حقيقة الموقف. إنه يقوم بابتزازي، ولا أظن أنني أملك أي خيار سوى الاستماع إليه فعلاً.

سألته وأنا أحاول أن أبدو هادئةً قدر الإمكان"ما الذي تريده مني بالضبط؟"

أخذ نفساً عميقاً قبل أن يتكلم بنفس جموده" قبل شهر، أصيبت ابنتي بمرض لم نستطع معرفة ما يكون حتى الآن. إنها خطيبة الأمير الأول، والمرشحة لأن تصبح الامبراطورة القادمة. لكن اختفائها المفاجئ جعل الكثير يتساءلون عن السبب في ذلك. إن علم الآخرون عن مرضها وخصوصاً الأمير، فسوف يلغى ذلك الزواج حتماً."

استغربت من كلامه، لذلك لم أمنع نفسي من سؤاله" أليس الأمير هو الأولى بأن يعرف بما أنه خطيبها؟ لابد أنه قلق جداً عليها"

أجاب بلا مبالاة كما لو أن الأمر ليس مهماً أبداً "علاقة الأمير بإيميليا سيئة نوعاً ما، لذلك إذا ما علم بشأن مرضها، فلن يتردد أبداً في استعمال ذلك كعذر لإلغاء الخطوبة"

لم أحتج سؤاله لأعرف ذلك. لابد أنه زواج مصالح حتماً، وإلا لما كان سيرضى أن يبقى مع امرأة لا يطيقها كما يبدو.

ترددت قليلاً قبل أن أسأله بحذر "إذن...ما الذي تريد مني فعله؟"

أجاب على الفور دون أن يبدو على وجهه أي تعبير" حفل الزفاف سيكون بعد تسعة أشهر من الآن. لا يمكنني السماح بعرقلة ذلك الزواج أبداً، لذلك عليكِ التظاهر بأنكِ إيميليا إلى أن تشفى من مرضها"

ماذا؟! هل هذا الرجل بكامل قواه العقلية حقاً؟

قمت من مكاني وقلت بانفعال" كيف تطلب مني طلباً مجنوناً كهذا؟! بالطبع لن أوافق على فعل شيء حقير كهذا! هل تدرك معنى لك؟ أنت تطلب مني خداع الأمير والعالم بأكمله، فقط حتى لا يلغى ذلك الزواج الغبي؟!"

رد وهو ينظر إلي بتهديد" ابنتي هي من ستصبح الإمبراطورة القادمة، ولن أسمح لشيء بأن يمنع هذا. لقد قلت لكِ من قبل، أنتِ لا تملكين أي خيار آخر سوى إطاعة أوامري. سوف أقتل ذلك الطفل في اللحظة التي تمتنعين فيها عن تنفيذ ما أقول"

كيف يمكن لشخص أن يكون بهذه الفظاعة؟ كيف يمكن أن يفعل بي، بالأمير، وبالإمبراطورية كلها شيئاً كهذا؟!

أخذت نفساً عميقاً وأنا أحاول تهدئة نفسي بصعوبة. لست غبية حتى لا أدرك أنه لا شيء سينفع مع هذا الرجل. طمعه في الحصول على السلطة، أقوى بكثير من أن يفكر بمنطقية حتى.

تكلمت وأنا أحاول التماس بعض التعقل لديه" هل تظن أنه من الممكن فعل شيء كهذا؟ أنا لا أعرف أي شيء عن إيميليا هذه. سوف يدرك الناس على الفور أنني شخص مختلف!"

أجاب بلامبالاة، ولا يبدو أن كلامي قد أثر به ولو قليلاً" إيميليا ليست من النوع الاجتماعي أبداً، ولا يوجد لديها أي معارف أو أصدقاء، لذلك لن يلاحظ أحد الفرق. حتى الأمير نفسه.."

سألته أخيراً السؤال الذي ظل يدور في عقلي منذ بداية حديثه المجنون ذلك" ماذا لو أن إيميليا لم تشفى؟ بحلول الزفاف على الأقل.."

سكت قليلاً ويبدو أنه يفكر في كلامي الآن. لكنه رغم ذلك رد بجمود" سوف تتزوجينه أنتِ إذن حتى تعود إيميليا. إن كلامي واضح تماماً. يجب أن يكون منصب الامبراطورة من نصيب عائلة الدوق هاميلوت، ولا أمانع استخدام أي وسيلة من أجل تحقيق ذلك"

عضضت شفتي السفلى وأنا أحاول كبت غضبي بصعوبة. أكاد أنفجر حقاً. هل يستمع إلى ما يقوله حتى؟ هل يعلم ما الذي يعنيه الزواج؟ كيف يجرؤ...كيف يجرؤ أن يلقي بي في أمر كهذا؟ أن أكون بديلةً لابنته، وأن أتخلى عن كبريائي وعفتي فقط من أجل أن يشبع طمعه؟! إنه لن يزوّجني به حتى. سيستعمل وجهي وجسدي الذي يشبه ابنته، ثم يلقي بي كما فعل قبل عشرين عاماً...

لكن أتعلمون ما الذي يجعل الدم يغلي في شراييني الآن؟ إنها حقيقة أنني ابنته أيضاً!

نظرت إليه بحقد، لأقول بكره شديد "كيف تجرؤ على هذا؟ كيف تفعل بي شيئاً كهذا؟! ألا تخجل من نفسك؟ دماؤك تجري في عروقي أنا أيضاً مثل إيميليا. أنا ابنتك أيضاً أيها الحقير!"

صاح قائلاً وعروق وجهه تكاد تنفجر من الغضب "لا تتجرئي وتساوي شخصاً عديم الفائدة مثلكِ بإيميليا! أنتِ لستِ ابنتي...من المستحيل أن أعترف بفتاة تربت على يد تلك المرأة القذرة على أنها ابنتي أبداً!"

أوه...هكذا إذا. لا أدري لماذا أتعبت نفسي في سؤاله حتى. لقد عرفت ذلك، عرفته منذ زمن طويل جداً.

قمت من مكاني لأقول ببرود وقد اختفت كل المشاعر من وجهي" لا تقلق فذلك شعور متبادل. أنا أيضاً لم أعتبر الرجل الذي تركني لدى تلك المرأة والدي قط"

ثم سكت قليلاً لأردف بقهر" حسناً لقد فهمت. سوف أفعل كل ما تريده.. سأتظاهر أنني خطيبة ذلك الأمير اللعين، بل إنني سأنام معه حتى إن لزم الأمر. لكن لدي شروطي أيضاً.
لُوي سيحظى بأفضل معاملة، وأفضل تعليم ممكن في الفترة التي سأستمر فيها بفعل هذا. لن يضره أحد بأي شكل من الأشكال سواء جسدياً او معنويا. وأيضاً ستسمح لي بلقائه مرة في الشهر على الأقل. أهذا واضح؟"

ضغط على أسنانه ليقول بغيظ شديد"هل تظنين أنكِ في موضع يسمح لك بالتفاوض معي؟!"

اقتربت منه حتى وقفت إلى جانبه، لأنحني نحوه حتى صرت في مستوى بصره ثم قلت بخبث" أوه يا والدي العزيز. يبدو أنك نسيت شيئاً مهماً جداً. أنت أيضاً لست في موضع يسمح لك باستفزازي. تذكر أنك ستقوم بخداع الامبراطور القادم. تخيل لو أنه عرف بخطتك الصغيرة هذه؟"

ثم وضعت سبابتي على ذقني متظاهرةً التفكير، لأقول بعد ذلك بابتسامة بريئة" أقل ما سيفعله لك هو فصل رأسك عن جسدك أنت وابنتك.."

ثم نظرت إليه بحدة لأقول ببطء" أظن أننا على اتفاق الآن.. صحيح؟"

بلع ريقه وقد بدا خائفاً لولهة. لكنه قال بثبات رغم ذلك" حسناً...سوف تذهبين منذ الغد للعيش في القصر الامبراطوري. من واجبك البقاء هناك قبل الزواج من أجل أخذ دروس لتجهيز العروس."

"لقد فهمت"

قلتها ببرود لأبتعد عنه وأخرج من الغرفة، ومن المنزل بأكلمه.

في مكان ما بداخلي، كنت أتخيل دائماً كيف سيكون الأمر إذا ما التقيت بوالدي مجدداً. هل سيندم على ما فعله لي؟ هل سيحاول تعويضي عن السنوات التي عشتها من دونه؟

لكن ربما ما حدث الآن أفضل بكثير. لن يكون لدي أي ندم بعد الآن أبداً، ويمكنني أن أحظى بنهاية لكل تلك التساؤلات أخيراً. لقد أغلقت قلبي منذ زمن، والآن قد أغلقت عقلي وروحي وكل شيء في داخلي إلى الأبد.

أنا لن يكون لي أي عائلة، وهو شيء لن يتغير أبداً.

                                                                                      ▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎

 

حسناً..سأكون كاذبةً إذا ما قلت أنني لا أشعر بالتوتر الآن.

إنني في حضرة الامبراطور. أجل لم تسمعوني بشكل خاطئ. إنني واقفة الآن أمام الامبراطور حقا!

والأسوء من ذلك، أنه وإلى جانبه يقف من يفترض أن يكون الأمير الأول، والذي سأتظاهر بكوني خطيبته من الآن فصاعداً.

إذا ما كانت النظرات قادرة على قتل شخص ما، فأظن أنني سأكون ميتة منذ زمن بسبب نظراته تلك!

"لقد شعرت بالقلق عليكِ حقاً يا صغيرتي! كيف هي أحوالك؟ لماذا اختفيت كل هذا الوقت؟"

انحنيت بأدب أمامه ثم قلت بنبرة هادئة رصينة" اعذرني حقاً، لم أكن أنوي أن أسبب القلق لجلالتك. لقد شعرت بحنين إلى المنزل، كما أنني كنت متوعكةً قليلاً لذلك مر الوقت قبل أن ألاحظ ذلك حتى"

بدا القلق على ملامحه لما سألني باهتمام" كيف تشعرين الآن؟ هل أنتِ بخير؟"

بدا الأمر غريباً نوعاً ما. إذن فإيميليا على علاقة جيدة بالإمبراطور؟ إنها معلومة جيدة....ربما؟

لكنني أجبته بابتسامة لطيفة" أجل جلالتك. إنني في أحسن حال"

اكتفى الامبراطور بإيماءة بسيطة، لكنه نظر إلى ابنه وقال بجفاف "خذ الآنسة إلى غرفتها...لابد أنها متعبة"

تباً، هذا ما كان ينقصني! تلك النظرات وحدها كافية لجعلي أعلم مدى سوء علاقتهما.. بالتأكيد لا أريد البقاء وحيدةً مع شخص كهذا!

ضحكت بتوتر وقلت بنبرة متصنعة" أوه لا بأس جلالتك! أستطيع الذهاب وحدي"

لكنه رد بإصرار" لا..سوف يرافقك آرون. يجب عليه أن يتعلم كيف يكون لبقاً ومراعياً لزوجته المستقبلية"

حسناً، لا يمكنني الاعتراض على أوامر الامبراطور أكثر من هذا. وعلى أي حال، مهما كانا غير متوافقين أبداً، لا أظن أن الأمر سيكون بذلك السوء صحيح؟

من حسن حظي أن الخادمة قد أرشدتني إلى مكان غرفتي، وإلا كنت سأتوه الآن في هذا القصر الضخم..
كان الأمير يسير خلفي بهدوء شديد جداً إلى حد أرعبني. ما الذي يخطط له يا ترى؟

أردت تجاهل وجوده، لكن كانت هناك هالة غريبة حوله جعلت ذلك مستحيلاً بالنسبة لي.

ما إن دخلت إلى غرفتي، توقعت أنه سيمضي في طريقه دون أن يلتفت نحوي مرةً أخرى. لكنه فاجأني كثيراً لما سار إلى الداخل وأغلق الباب وراءه ببطء..

لم يكن تصرفه هو ما أرعبني، لكن نظرات عينيه القاتلة التي كان يرمقني بها جعلت الدم يجف في عروقي..

وقبل أن أدرك الأمر حتى، كان واقفاً بطوله الفارع أمامي وقد أطبقت يده القوية على عنقي بقوة حتى أنني شعرت للحظة أنني سأموت حقاً..

تكلم بهدوء مخيف كان كافياً ليرسل رعشةً سرت في جسدي كله..

"ألم أخبركِ قبل أن تغادري القصر، بأن تختفي من حياتي إن لم تريدي الموت؟ أنا حتماً لن أسمح لفتاة مثلك بأن تصبح الامبراطورة مهما حدث!"

لا أعلم كيف أرد على كلامه، فأنا لا أعلم بعد أي نوع من الأشخاص هي إيميليا. لكن ما أعرفه جيداً هو أنه طالما أنني سأبقى معه في الفترة القادمة، لا يمكنني السماح له بالاستمرار في معاملتي هكذا.
لقد علمت عنه بعض المعلومات من تلك المرأة الجليدية (أعني السيدة ماتيلدا) وأعلم جيداً كيف يمكنني استخدامها ضده.

أمسكت رسغ ذراعه التي كانت تشد عنقي، لأقول وأنا أنظر إليه بابتسامة خبيثة" لكنك تعلم جيداً أنه إذا ما لم أصبح أنا الامبراطورة، فلن تكون الامبراطور أنت أيضاً."

شعرت بارتخاء قبضته على عنقي ما إن قلت ذلك، وبدا من الواضح أنه لم يتوقع كلامي هذا..

أبعدت يده عني، ثم سرت نحوه لأقف على بعد سنتمترات قليلة جداً منه. وقفت على حافة أصابعي لأهمس قرب أذنه بخبث" لن يكون بإمكانك الحصول على العرش من دون قوة عائلة هاميلوت، أنت تعرف هذا أكثر من أي شخص آخر"

ظننت أنني فزت عليه بحركتي تلك، لكن يبدو أنني قد ارتبكت خطأً فادحاً حقاً..

احتدت عيناه بنظرة مرعبة جعلتني أتجمد في مكاني..

وضع يده أسفل ذقني ليجعلني انظر نحوه مباشرة، ثم قال بعد ذلك ببطء، وبنبرة هادئة مخيفة" انت تلعبين بالنار الآن، إيميليا هاميلوت. لن أتردد في قتلكِ أبداً في اللحظة التي تصيرين فيها بلا فائدة بالنسبة لي. إذا ما أردتِ العيش، فانصحكِ بالرحيل بما أن الفرصة ما تزال متاحةً أمامك.. لكن إذا ما اخترتِ البقاء، فعليكِ الاستعداد لما سيحدث لكِ قريباً جداً"

ثم ابتسم بشيطانية وأردف هامساً" لن أسمح لكِ ولوالدك الحقير باستغلالي..لستما سوى حشرتين سأدوس عليهما في طريقي. أنتِ أداة فقط بالنسبة لي، لذلك لا تتجرئي وتفكري بأنني أنا من يحتاج إليك"

في الظروف العادية، كنت سانظر بانبهار إلى تفاصيل وجهه الجميل.

لست من النساء اللوات لا يفكرن إلا بالرجال فقط، لكنه كان وسيماً جداً بملامح يبدو أنها من دولة أخرى، لذلك لم أكن قادرةً على أن أوقف نفسي من تأمله..
لم أرى في حياتي شعراً بذلك السواد، وكذلك تلكما العينان الزرقاوان بلون السماء الصافية..

لكن الآن، أعلم جيداً أكثر من أي شخص آخر أنه ليس الوقت المناسب للإعجاب بجمال وجهه..
لم أكن من النوع الذي يخاف من أي أحد..وصدقوني حينما أقول هذا، فقد مررت بالكثير إلى الحد الذي جعل الخوف من المشاعر التي طمستها بعيداً في أعماقي.. لكن هذا الرجل كان مختلفاً عن أي شخص قابلته في حياتي..

تلك العينان قد شهدتا الكثير، ويبدو جلياً لي أنه قد قتل الكثير من البشر حتى تبلّدت مشاعره تماما. لقد كان صادقاً في كلامه، فهو لن يتردد للحظة في إرسال رأسي بعيداً عن جسدي متى ما أراد هذا..

ربما قد أدرك جسدي قبل عقلي مدى خطورة هذا الشخص الواقف أمامي الآن. كنت ارتجف خوفاً لأول مرة منذ وقت طويل جداً..

أحقا قام ذلك الدوق المجنون بإرسال ابنته لتصبح خطيبة شيطان كهذا؟

لما سكتُ لوقت طويل، سألني بنفس تلك النبرة الباردة، بينما ينظر إلي كما لو كنت حشرةً أمامه"هل كلامي واضح لكِ الآن؟ أم انكِ ما تزالين تخططين للبقاء هنا؟"

أتعلم يا هذا؟ لو أن الأمر بيدي، ما كنت لأدوس أرضية هذا القصر اللعين أبداً. ما كنت لانظر في وجه ذلك الرجل، ولن استمع أيضاً إلى تملقات ذلك الامبراطور المنحرف. وبالتأكيد، ما كنت لأقابل شخصاً مثلك أبداً!

لكن ليس لدي خيار آخر. لن أسمح بأن يتأذى لُوي بسببي مهما كان الثمن. لقد واجهت الكثير من الأشياء الفظيعة في حياتي، لذلك لا أظن أن تحدي هذا الشيطان سيكون أسوء بكثير مما مررت به لسنوات..

لست أنا من تستسلم بسهولة دون قتال!

كنت قد أقسمت منذ زمن أنني لن أسمح لأي مخلوق بالدوس عليّ أبداً. ومهما كانت خطورة هذا الشخص، فهو ليس استثناءاً بالتأكيد..

صفعت يده التي وضعها تحت ذقني، لأقول وأنا انظر إليه بتحدي" هل تظن أنني سأخاف منك إذا ما قمت بتهديدي هكذا؟ لقد عقدت العزم على تنفيذ هدفي، ولا شيء سيمنعني من تحقيق ذلك!"

سكت لبعض الوقت، لكنه نظر إلي ببرود ليقول بنبرة ساخرة " يبدو أن الفترة التي بقيت فيها بعيداً قد أحرقت بعض الخلايا الدماغية في عقلك..لكن لا بأس.."

ثم أردف بهدوء قاتل" سنرى إذا ما كنتِ قادرةً على الصمود إلى النهاية.."

قال هذا ليغادر، ويصفق الباب وراءه بقوة. فعم الصمت أرجاء تلك الغرفة الواسعة والفخمة لأبعد الحدود..

واو...الأمر رائع حقاً بالنسبة لأول لقاء بيننا. حسنا، من ناحيتي أنا فقط على الأقل...

تنهدت بإحباط، لأجلس على السرير وأنا اشعر بأنني استنفذت كامل طاقتي بسبب هذا اللقاء القصير..

هل تحديه هو الخيار الصحيح فعلاً؟ كيف كانت إيميليا تتعامل معه عندما يتصرف معها بهذه الطريقة؟

آآآغغ...أريد أن أعرف حقاً أي نوع من الأشخاص هي إيميليا!!

بالنظر إليه، ليس لدي شعور جيد حقاً حول هذا الأمر. ليس هو فقط، بل الخادمات وكل من قابلتهم حتى الآن في هذا القصر كانوا ينظرون إلي بكره وازدراء.

هل حقاً علي العيش متظاهرة بكوني تلك الفتاة المكروهة طوال الأشهر القادمة؟

آه إلهي...ما الذنب الذي ارتبكته حتى أستحق العيش في هذا الجحيم؟!

...To be continued

                                                                          ******

_توقعاتكم؟

_رأيكم بالأحداث والشخصيات؟

_لماذا برأيكم الجميع يكره إيميليا؟ ماهي توقعاتكم لطبيعة شخصيتها؟

 

**ملاحظة: أسماء المناطق، الامراض، والنباتات وغيرها كلها من وحي الخيال، ولا وجود لها في الواقع

شارك الفصل مع أصدقائك
التعليقات
blog comments powered by Disqus