في ليلةٍ باردة، كانت الغيوم تتكدّس في السماء كأنها على وشك أن تمطر، والريح تعصف بين الشوارع شبه الخالية. كان عبدالعزيز، البالغ من العمر ستةً وعشرين عامًا، يقود سيارته عائدًا إلى منزله بعد يوم عملٍ طويل، بينما تنبعث من المذياع موسيقى هادئة تكسر صمت الطريق.
عندما اقترب من مدخل مدينته، قطع الموسيقى فاصلٌ إعلاني عن أحد المقاهي، فخطر في باله صديقه خالد. ابتسم قليلًا، ثم أمسك هاتفه واتصل به.
— “خالد، ما رأيك في فنجان قهوة؟”
— “في هذا البرد؟ فكرة عظيمة.”
بعد أقل من عشر دقائق، كان خالد يجلس في المقعد المجاور، وتتحرك السيارة بهما نحو المقهى الذي اعتادا الجلوس فيه مؤخرًا.
في منتصف الطريق قال خالد:
— “ما رأيك أن نأكل أولًا؟ أشعر أنني سألتهم طاولة كاملة.”
ضحك عبدالعزيز وقال:
— “ليست فكرة سيئة.”
بعد العشاء، خرجا من المطعم، وكان عبدالعزيز يضع يده على بطنه:
— “أقسم أن هذه أثقل بيتزا أكلتها في حياتي.”
ضحك خالد:
— “قلت لك لا تطلب الحجم الكبير.”
ركبا السيارة مجددًا واتجها إلى المقهى. كان المقهى يقع في مجمعٍ صغير، يضم عدة محلات، ويفصل المجمع عن البحر صفٌ من البيوت الكبيرة المهجورة، التي كانت تبدو في الليل كأشباحٍ صامتة.
أوقفا السيارة في المواقف، ونزلا متجهين نحو المقهى. وبينما كانا يسيران، سمعا صوتًا غريبًا يأتي من زاوية المجمع، من جهة السطح. كان الصوت يشبه صوت آلة تكييف تالفة، صوتًا معدنيًا مزعجًا يتكرر كل بضع ثوانٍ.
توقف خالد وقال:
— “تسمع هذا الصوت؟”
— “نعم.”
— “ما رأيك أن نرى ما هذا؟”
ابتسم عبدالعزيز ابتسامة جانبية:
— “لنحصل على بعض المغامرة إذًا.”
ذهبا إلى غرفة الحارس الصغيرة في زاوية المجمع. أخرج خالد بطاقته الوظيفية — كونه مهندسًا مدنيًا يعمل في وزارة الداخلية — وأراها للحارس وقال بلهجة رسمية:
— “نحن من جهة أمنية، ونريد معرفة مصدر الصوت في السطح.”
ارتبك الحارس وقال:
— “لا داعي للقلق، شركة الصيانة ستأتي قريبًا…”
قاطعه خالد بصرامة:
— “افتح الباب.”
فتح الحارس الباب بسرعة، وقد بدا عليه التوتر.
دخل خالد وعبدالعزيز، فوجدوا درجًا ضيقًا يؤدي إلى الأعلى، وكانت رائحة كريهة تملأ المكان كلما صعدوا درجة. تبادلا نظرة صامتة، ثم واصلا الصعود.
عندما وصلا إلى باب السطح، حاولا فتحه لكنه كان عالقًا.
نظر عبدالعزيز خلفه، فوجد بعض الأخشاب والأغراض القديمة. أخذ قطعة خشب، وأدخلها بين الباب وإطاره، وضغط بقوة.
انفتح الباب فجأة.
تقدم خالد خطوة… ثم تجمد في مكانه.
قال بصوتٍ مرتجف:
— “يا إلهي…”
— “ماذا؟” قالها عبدالعزيز وهو يقترب.
ثم رآها.
شيء يشبه جسد إنسان… ملفوف ببطانيات قديمة… ملقى بين الأغراض.
اقتربا ببطء.
انحنى خالد، وأخرج سكينًا صغيرًا، وبدأ يزيح البطانيات.
ظهرت يد… ثم وجه…
وجه شاب.
شاحب. جامد. بلا حياة.
تراجع عبدالعزيز خطوة وقال بصوتٍ منخفض:
— “هل… هذه جثة؟”
أجاب خالد وهو يحدق في الوجه:
— “نعم… وهذه جريمة قتل.”
ساد الصمت. لم يعد يُسمع سوى صوت الريح وصوت تلك الآلة المزعجة.
قال عبدالعزيز:
— “يجب أن نبلغ الشرطة.”
رد خالد بسرعة:
— “ونكون نحن أول مشتبه بهم؟”
— “… صحيح.”
— “سنتورط في تحقيقات ومحاكم، وربما نخسر وظائفنا.”
سكت عبدالعزيز لثوانٍ، ثم قال:
— “إذًا ماذا نفعل؟”
نظر خالد إلى الجثة وقال:
— “نتصل بشخص أعرفه… محقق.”
⸻
(يتصل خالد بالمحقق علي —
قال خالد في الهاتف:
— “سيدي… لدينا جثة.”
— “أين أنت؟”
— “سأرسل لك الموقع… لكن أرجوك، تعال وحدك.”
وصل المحقق بعد فترة بينما كان خالد وعبدالعزيز يحاولون العثور والوصول إلى حل. طلب خالد من عبدالعزيز أن يلهي رجل الأمن لكي لا يلاحظ. وذهب خالد ليصطحب المحقق للأعلى. صعد المحقق للأعلى وإلا بالجثة أمامه!
انحنى المحقق علي بجانب الجثة، ولبس القفازات، ثم بدأ يتفحص الوجه بهدوء.
أخرج مصباحًا صغيرًا وسلّط الضوء على العينين، ثم على اليدين، ثم على الملابس.
قال:
— “لا يوجد محفظة. لا يوجد هاتف. لا يوجد أي شيء يدل على هويته.”
وقف ثم نظر حوله، ثم قال:
— “القاتل لا يريدنا أن نعرف من هو.”
اقترب خالد وقال:
— “هل تتوقع أنه من أهل المنطقة؟”
أجاب المحقق:
— “إذا لم نجد بلاغ اختفاء خلال 48 ساعة… فمعنى ذلك أنه ليس من هنا.”
ثم أخرج هاتفه واتصل:
— “أريد تقريرًا بجميع بلاغات المفقودين خلال آخر شهر… العمر من 18 إلى 30.”
بعد يوم – في مكتب المحقق
في اليوم التالي، كان عبدالعزيز وخالد يجلسان في مكتب المحقق علي.
المكتب كان هادئًا، جدرانه مليئة بالملفات، وصور قديمة لقضايا مختلفة.
دخل مساعد المحقق، ووضع ملفًا على الطاولة وقال:
— “هذه بلاغات المفقودين خلال آخر شهر.”
فتح المحقق الملف، وأخرج ثلاث صور، ووضعها على الطاولة.
— “لدينا ثلاثة مفقودين:
شاب، 22 سنة.
شاب، 24 سنة.
شاب، 21 سنة.”
نظر عبدالعزيز إلى الصور… ثم توقف.
اقترب أكثر.
ثم قال:
— “انتظر…”
وأمسك إحدى الصور.
— “هذا هو.”
أخذ خالد الصورة، ونظر إليها، ثم قال:
— “نعم… هذا هو. نفس الشخص.”
قال المحقق:
— “الاسم: جاسم فهد.
العمر: 21 سنة.
طالب جامعة.
مبلغ عن اختفائه قبل 5 أيام.”
ساد الصمت.
ثم قال المحقق علي:
— “الآن… نستطيع أن نبدأ.