جلس عبدالعزيز في غرفته، وأمامه شاشة اللابتوب، وعلى الشاشة صورة الشاب الذي وجدوه فوق السطح.

جاسم فهد. 21 سنة.

كتب اسمه في برنامج البحث.

ظهرت عدة حسابات.

تويتر.

انستغرام.

حساب قديم في منتدى.

حساب في موقع لبيع الكتب.

قال عبدالعزيز بصوت منخفض:

— “من أنت يا جاسم…؟”

فتح حسابه في الانستغرام.

صور قليلة.

لا يصور نفسه كثيرًا.

أغلب الصور كانت:

قهوة

كتب

شوارع

البحر

صورة لطاولة في مقهى (نفس المقهى)

قال عبدالعزيز:

— “هو كان يذهب للمقهى كثيرًا.”

ثم فتح حساب تويتر.

كان يكتب جملًا غريبة، مثل:

“أسوأ مكان يمكن أن تختبئ فيه… هو المكان الذي يراك فيه الجميع كل يوم.”

وتغريدة أخرى:

“إذا أردت أن تخفي شيئًا، ضعه في مكانٍ واضح.”

وتغريدة قبل اختفائه بيومين:

“بعض القصص إذا انتهت… يموت بطلها.”

توقف عبدالعزيز عند هذه الجملة.

وأعاد قراءتها مرة أخرى.

ثم قال:

— “أنت كنت تعرف… أليس كذلك؟”

أغلق اللابتوب، وأمسك هاتفه، واتصل بخالد:

— “خالد… أعتقد أن جاسم لم يكن شخصًا عاديًا.”

— “لماذا؟”

— “لأنه كان يكتب وكأنه يترك رسائل.”

— “رسائل لمن؟”

سكت عبدالعزيز قليلًا، ثم قال:

— “لا أعلم… لكن أشعر… أنها لنا.”

لم يكن أحدٌ يلاحظ جاسم كثيرًا.

في الجامعة، كان يمر بين الطلاب كأنه شبح هادئ، لا يرفع صوته، لا يدخل في نقاشات طويلة، ولا يحاول لفت الانتباه. شاب نحيف، ملامحه بريئة، وعيناه تحملان هدوءًا غريبًا، كهدوء شخصٍ يفكر أكثر مما يتكلم.

لكن من يقترب منه… يكتشف شيئًا آخر.

ذكاء جاسم لم يكن عاديًا.

كان يلاحظ التفاصيل التي لا يلاحظها أحد، يتذكر الوجوه بسرعة، ويربط الأحداث ببعضها بطريقة غريبة. كان يحب الروايات البوليسية، ليس حب قراءة فقط، بل حب تحليل. كان يقول دائمًا:

“أي جريمة في العالم هي لغز… وأي لغز يمكن حله، إذا عرفت كيف تنظر.”

كان يقضي ساعات طويلة في المقهى، يجلس في نفس الطاولة تقريبًا كل يوم، يطلب قهوته السوداء، ويخرج دفترًا أسود صغيرًا يكتب فيه باستمرار.

لم يكن أحد يعرف ماذا يكتب. حتى أصدقاؤه القلائل لم يروه يومًا يريهم ما في ذلك الدفتر.

كان جاسم يكتب رواية.

لكن… لم تكن رواية عادية.

قصة جاسم

قبل موته بثلاثة أشهر، أنهى جاسم روايته الثانية.

رواية غامضة، مليئة بالرموز، تتحدث عن بلدةٍ بعيدة، وعن رجلٍ يراقب عصابة خطيرة، وعن فتاةٍ تعمل في “حانة”، وعن وشمٍ غريب، وعن جرائم اختفاء لا يربط بينها أحد.

الغريب في الرواية… أنه لم يذكر الأسماء الحقيقية أبدًا.

كل شيء كان مكتوبًا كأنه يحدث في مكانٍ آخر، لأشخاصٍ آخرين، بأسماءٍ مستعارة.

لماذا؟

لا أحد يعلم.

لكن جاسم كتب في أول صفحة من الرواية جملة غريبة:

“إذا كنت تقرأ هذه الرواية لتستمتع، فتوقف هنا.

وإذا كنت تقرؤها لتفهم… فأنت متأخر.”

جاسم والناس

لم يكن لجاسم أعداء معروفون.

أساتذته يحبونه، وزملاؤه يصفونه بالمحترم، وجيرانه يقولون إنه شاب مؤدب لا يسبب المشاكل.

لكن كانت هناك ملاحظة غريبة.

صاحب المقهى قال مرةً:

— “جاسم كان يجلس دائمًا وهو يراقب الباب… ليس كأنه ينتظر أحدًا، بل كأنه يتأكد أن أحدًا لم يدخل.”

وقال أيضًا:

— “في آخر شهر قبل اختفائه… لم يكن يكتب كثيرًا، كان فقط يقرأ من دفتره القديم، وينظر حوله.”

كأنه… كان خائفًا.

آخر يوم

آخر مرة شوهد فيها جاسم، كان في المقهى.

جلس كعادته، طلب قهوته، وتحدث قليلًا مع النادلة، ثم جلس يكتب.

بعد ساعة تقريبًا، أغلق الدفتر، وبقي ينظر إلى الصفحة الأخيرة لفترة طويلة، ثم مزق ورقة صغيرة من الدفتر، ووضعها في جيبه.

عندما خرج من المقهى، كانت هناك سيارة متوقفة في الجهة المقابلة من الشارع.

سيارة سوداء.

لم يلاحظها أحد…

إلا جاسم.

توقف قليلًا قبل أن يعبر الشارع، نظر إلى السيارة، ثم أكمل طريقه وكأن شيئًا لم يكن.

كان ذلك آخر يوم يُرى فيه جاسم حيًا.

بعد موته

بعد أن عرف عبدالعزيز وخالد هوية الضحية، وعلما أنه شاب اسمه جاسم، وأنه كان يكتب روايات، قررا البحث عن رواياته.

قال عبدالعزيز وهو يتصفح هاتفه:

— “وجدت له رواية منشورة.”

— “عن ماذا؟”

— “غريبة… يتكلم عن عصابة، وفتاة، وجرائم اختفاء… لكن كل شيء مكتوب بطريقة غير مباشرة.”

أخذ خالد الهاتف وبدأ يقرأ، وبعد عدة دقائق قال:

— “هذا لا يكتب قصة… هذا يكتب عن شيء حقيقي.”

رفع عبدالعزيز رأسه ببطء وقال:

— “أنت تفكر في نفس الشيء الذي أفكر فيه؟”

— “نعم.”

— “جاسم لم يكن يكتب رواية…”

— “جاسم كان يوثق جرائم.”

في تلك اللحظة، رن هاتف خالد.

كان المحقق علي.

— “أين أنتم الآن؟”

— “نحن نقرأ رواية جاسم.”

ساد الصمت لثوانٍ، ثم قال المحقق:

— “جيد… لأنني أعتقد أن هذه الرواية… هي دليلنا الوحيد.”

2026/04/04 · 2 مشاهدة · 698 كلمة
المطارد
نادي الروايات - 2026