لم تكن الغرفة مضاءة إلا بمصباحٍ واحد، يتدلّى من السقف ويهتز قليلًا مع صوت المكيّف القديم.

جلس عبدالعزيز على الكرسي الخشبي، بينما كان خالد يقف بجانب النافذة، والمحقق علي واقفًا بصمت، يراقبهما دون أن يتكلم.

وضع عبدالعزيز الهاتف على الطاولة وقال:

— “هذه هي رواية جاسم الثانية.”

اقترب المحقق علي، سحب الكرسي، وجلس ببطء، ثم قال:

— “اقرأ.”

فتح عبدالعزيز الصفحة الأولى، وبدأ يقرأ بصوتٍ مسموع:

“إذا كنت تقرأ هذه الرواية لتستمتع، فتوقف هنا.

وإذا كنت تقرؤها لتفهم… فأنت متأخر.

في هذه البلدة، الجرائم لا تُسجَّل،

والناس لا يختفون… بل يتم نسيانهم.”

تبادل الثلاثة نظرات صامتة.

قال خالد:

— “هذا ليس أسلوب رواية… هذا أسلوب شخص يحاول أن يقول شيئًا.”

أكمل عبدالعزيز القراءة:

“في الحانة التي لا يذكرها أحد،

تجلس فتاة لا تنظر في عيون الناس كثيرًا،

وعلى يدها تنين صغير،

لكن ذيل التنين لم يكن ذيلًا…

كان خنجرًا.

ومن يفهم معنى الخنجر،

يفهم لماذا يختفي الناس في هذه البلدة.”

أنزل عبدالعزيز الهاتف ببطء.

ثم قال:

— “الحانة… المقهى.”

قال خالد مباشرة:

— “والتنين… الوشم.”

أما المحقق علي، فبقي صامتًا لثوانٍ، ثم قال:

— “أكمل.”

قلب عبدالعزيز الصفحة.

“ليس الخطر في الرجل الذي تراه،

بل في الرجل الذي تراه كل يوم ولا تلاحظه.

هو لا يختبئ…

لأن أحدًا لا يبحث عنه.”

قال خالد:

— “يقصد أن العصابة ليست غريبة عن البلدة… بل من داخلها.”

أكمل عبدالعزيز:

“في أطراف البلدة،

حيث تنتهي الطرق وتبدأ الأشجار،

يوجد منزل لا يسكنه أحد،

لكنه مليء بالسيارات كل ليلة.

لا أنصحك أن تذهب إلى هناك،

إلا إذا كنت مستعدًا أن لا تعود.”

توقف عبدالعزيز عن القراءة.

ونظر ببطء إلى خالد.

خالد فهم مباشرة.

وقال بهدوء:

— “العبدلي.”

رفع المحقق علي رأسه ونظر إليه:

— “لماذا العبدلي؟”

— “أطراف البلدة… مزارع… سيارات تدخل وتخرج… مكان معزول.”

سكت المحقق قليلًا، ثم قال:

— “ماذا أيضًا كتب؟”

أكمل عبدالعزيز القراءة، لكن هذه المرة كان صوته أبطأ:

“إذا اختفى الكاتب،

فلا تبحث عن جثته…

ابحث عمّن كانت روايته تزعجه.”

ساد الصمت في الغرفة.

ثم قال عبدالعزيز بصوتٍ منخفض:

— “هو كان يعرف.”

قال خالد:

— “كان يعرف أنهم سيقتلونه.”

أما المحقق علي فقال:

— “لا…”

نظروا إليه.

فقال:

— “جاسم لم يكن خائفًا…

جاسم كان يترك لنا الأدلة.”

أغلق عبدالعزيز الهاتف ببطء، وقال:

— “يعني نحن الآن لا نحقق في جريمة قتل فقط…”

قال المحقق علي:

— “نحن نحقق في كل جريمة كتب عنها جاسم.”

اقترب خالد من الطاولة وقال:

— “إذا كانت الرواية مشفرة، فنحن بحاجة أن نفهم طريقته في الكتابة. كيف كان يرمز؟ كيف كان يغيّر الأسماء؟ كيف كان يصف الأماكن؟”

ابتسم المحقق علي ابتسامة خفيفة لأول مرة، وقال:

— “من الآن فصاعدًا…

جاسم هو من سيقود التحقيق.”

نظر عبدالعزيز إلى الكتاب مرة أخرى، وقال:

— “إذًا من أين نبدأ؟”

أجاب المحقق علي:

— “نبدأ من الحانة التي ليست حانة…”

وفهم الثلاثة دون أن يقول أحدهم اسم المكان:

المقهى.

2026/04/04 · 5 مشاهدة · 452 كلمة
المطارد
نادي الروايات - 2026