عادت إيلين إلى سكنها داخل الأكاديمية، شاردةً في أفكارها.
لم تستطع نسيان كلمات كارون حين قال أنها كانت تستحق كل هذا منذ وقت طويل.
أسندت رأسها إلى الحائط وأخذت تفكر فيما ينتظرها مستقبلاً.
كان ذلك من الأفكار التي كثيراً ما راودتها أثناء وجودها في الأكاديمية. أن تتخيل ما الذي يمكنها فعله إن انتهى كل شيء.
لكن تلك الخيالات كانت دوماً تنتهي عند حدود الخيال. فهي لم تعش يوماً حياةً خالية من القلق، لذا لم تكن تعرف ما هي الحياة الهادئة حقاً.
ماذا ينبغي أن تفعل؟ كيف يجب أن تعيش؟ ما هو القرار الذي عليها اتخاذه لتكون هي ومن حولها سعداء؟
لم تكن تعرف ذلك.
نظرت إيلين إلى يدها المتصلبة من كثرة التدريب، ثم إلى سيفها الذي لا يفارقها، بالتناوب.
ولا تزال لا تفهم ما قالته إيسيس. فهي تتذكر جيداً أن حالة الآنسة كانت حرجة، لدرجة أنها قد تموت إن لم تفتح عينيها قريباً.
ومع ذلك، قالت أن الآنسة ستستيقظ حين تكون إيلين في قمة سعادتها. لكن كيف يكون ذلك ممكناً؟
فمقارنةً بطفولتها، فهي الآن في سعادة لا تُقارن.
'هل كان في مثل هذا الوقت تقريباً……حين وصلني خبر موت فريدين؟'
لمجرد تذكر ذلك، اجتاحها شعورٌ ببرودةٍ في صدرها. لكنها أدركت أن الحال لم يعد كما كان.
فلم يعد هناك إمبراطورٌ يهدد فريدين، كما أن كوريلّيا التي دفعتها نحو الموت، لاقت جزاءها على يدها.
ومع ذلك، لم تستطع إيلين أن تفهم كيف يمكن أن تصبح أكثر سعادةً مما هي عليه الآن.
بعد مواجهتها للإمبراطور، أصبحت إيرلن أقوى. بل إنها أصبحت تقترب من مستوى يتجاوز حتى الدوق أسيلي.
و الآن، أياً يكن من يهدد فريدين أو من تحب، فهي واثقة من قدرتها على حمايتهم.
ربما بسبب طول التفكير، وكعادتها، كانت كل أفكارها تنتهي عند فيردين. وفجأة، شعرت بشوق شديد لا يُحتمل لرؤيته.
'لكنه……كان يبدو مشغولاً.'
رغم أنه كان يحاول أن يجد وقتاً ليكون معها، إلا أن انشغاله كان واضحاً. فهو يتحمل عبء تصحيح كل ما ارتكبه الإمبراطور السابق، وما أكثر تلك المسؤوليات.
وفوق ذلك، كان حفل تتويجه وشيكاً، لذا لم يكن غريباً أن يكون غارقاً في الأعمال.
صحيحٌ أن أليكسيس كان يسانده بكل ما يستطيع، لكن حتى ذلك لم يكن كافياً لتخفيف العبء.
وإيلين كانت تدرك ذلك جيداً. ففريدين سيكون قريباً إمبراطور الإمبراطورية، لذا حتى و إن اشتاقت إليه عليها أن تصبر قليلاً.
و بهذا التفكير، استطاعت إيلين بالكاد كبح شوقها إليه.
***
في الصباح الباكر، خرجت إيلين إلى ساحة التدريب. و المكان الذي اختارته كان ساحة التمرين المخصصة لطلاب المستوى المتقدم في الأكاديمية.
ثم بدأ الطلاب الموجودون هناك يتهامسون بمجرد أن رأوها.
“إنها السيدة إيلين!”
“يا إلهي، لم أظن أنني سأراها بعيني يوماً……”
“إنها أول من بقي في الأكاديمية حتى بعد أن أصبحت سيّدة السيف.”
“أتمنى أن أتحدث معها ولو قليلاً. هل أجرؤ على طلب مبارزةً منها؟”
رغم أنهم كانوا يتحدثون همساً، إلا أن إيلين استطاعت سماع كل ما يقولونه. فقد كانت لديهم فكرة ضئيلة فقط عن مدى حدة سمع سيّدة السيف.
لم تكن تتوقع أن تعيش حياةً عادية في الأكاديمية، لكنها لم تتخيل أيضاً أن تنال هذا القدر من الاهتمام.
أدارت إيلين نظرها بعيداً عنهم.
كان آمون وفيليب يحذّران طلاب الصف المتقدم الآخرين بوجه عابس ونبرة صارمة.
“اسمعوا جيداً، لا تطلبوا من إيلين مبارزةً بسهولة. إنها مشغولة بالتدريب أصلاً.”
“صحيح، إن أردت تحدي السيدة إيلين، عليك أولاً أن تتغلب عليّ.”
نظرت إليهما إيلين بابتسامةٍ ساخرة.
فيليب وآمون خاضا امتحان الترقية إلى الصف المتقدم بعد وقت قصير من حادثة اختطاف كوريلّيا. و حدث ذلك ما إن تعافى جسد آمون إلى حدٍّ ما.
ورغم أن جراحه التي تلقاها من كوريلّيا لم تكن قد شُفيت تماماً، إلا أن عزيمتهما على أن يكونا في نفس الصف مع إيلين كانت قويةً جداً.
الطريف في الأمر أن طلاب الصف المتقدم كانوا يأخذون كلامهما على محمل الجد. و كانوا ينظرون إلى إيلين بأعين متلهفة، لكن بسبب آمون لم يجرؤ أحدٌ منهم على التحدث إليها.
وسمعت همساتٍ من بينهم،
“حسناً، من اليوم هدفي هو أن أهزم السيد آمون.”
“هل هذا ممكن؟ هناك شائعات تقول إنه لولا وجود السيدة إيلين، لكان آمون أصغر من حصل على لقب سيّد السيف.”
“سمعت أن الدوق أسيلي يراقبه باهتمام في الآونة الأخيرة.”
“وقيل أيضاً إنه لولا عزلته في قصر الدوق، لكان قد أخذه كتلميذٍ لديه.”
“هو فقط خفيّ بسبب وجود السيدة إيلين، لكنه في الحقيقة شخصٌ مذهل أشبه بالوحش……”
نظرت إيلين إلى آمون من جديد. و لم يكن هناك شك في أن وتيرة تطوره كانت مذهلةً بالفعل.
كما فكرت في الماضي، ربما مع مرور الوقت، سيتمكن فعلاً من بلوغ مرتبة سيّد السيف. في زمن لم يكن من المفترض له أن يبلغه في الأصل.
نعم……كانت سعيدة. لا يمكن أن توجد سعادةٌ أكبر من هذه.
لكن ما إن فكّرت بذلك، حتى تسلّل القلق إلى قلبها.
'ماذا لو لم تستيقظ الآنسة لأنني لم أجد سعادتي بعد؟'
عادت صورة وجه الآنسة أسيلي الهزيل إلى ذهنها.
لو حدث ذلك فعلاً، شعرت إيلين أنها لن تكون قادرةً على مسامحة نفسها أبداً.
“إيلين، فيمَ تفكرين بكل هذا العمق؟”
استدارت إيلين نحو مصدر الصوت. و كان آمون ينظر إليها بعينين مليئتين بالحيرة.
ثم هزّ رأسه كأنه فهم الأمر فجأة.
“لا تقلقي بشأن هؤلاء الحمقى. لن أسمح لهم بإضاعة وقتكِ. من الآن فصاعداً، كل من لا يستطيع هزيمتي، لن أسمح له حتى بطلب مبارزةٍ منكِ.”
قال ذلك بابتسامة فخور، وواصل حديثه.
“على الأرجح، من يعرف طبعي جيداً لن يجرؤ على إزعاجكِ.”
لقد تطوّر مستوى آمون بشكلٍ مذهل، حتى أنه لم يعد هناك من ينافسه داخل الأكاديمية. لذا، على ما يبدو، لن تكون هناك حاجة لأن تخوض إيلين مبارزات مع الفرسان الآخرين في الأكاديمية.
“وأيضاً……وإن كان متأخراً، شكراً لكِ. فيليب أخبرني أنكِ أنقذتني من كوريلّيا.”
نظرت إليه إيلين بنظرة متفاجئة بعض الشيء. فكلما قال لها أحدهم “شكراً”، شعرت بشيء غريب بداخلها.
إحساسٌ لطيف يلامس قلبها ثم ينتشر بهدوء……ولم يكن شعوراً سيئاً.
“لقد كان شيئاً يجب عليّ فعله.”
“لا يوجد شيء في هذا العالم يجب اعتباره بديهياً، إيلين. لم يكن عليكِ المخاطرة بنفسك لتُنقذيني.”
قال ذلك وهو يمد يده إليها.
“إيسيس أخبرتني أنكِ فعلت أكثر من ذلك بكثير. لولاكِ، لكان الكثيرون قد لقوا حتفهم.”
أمسكت إيلين بيده بصمت. فابتسم آمون وهو ينظر إليها بتلك النظرة المليئة بالفخر.
***
انتقلت إيلين إلى ساحة تدريبٍ خالية من الناس. ففي ساحة التدريب الصف المتقدم، لم تكن قادرةً على التركيز في تمارينها إطلاقاً.
بدلاً من ذلك، جاءت إلى الساحة التي كان يستخدمها الدوق أسيلي حين يزور الأكاديمية. المكان الذي التق، فيه سيفها بسيف الدوق ذات مرة.
حين علم دوق أسيلي بأنها ستعود إلى الأكاديمية، منحها المكان بكل ترحاب.
“إن كنت ستذهبين إلى الأكاديمية، فلن يتاح لك وقتٌ لصقل سيفكِ. أنا لا أزور الأكاديمية كثيراً، فلتستخدمي ساحة تدريبي كما تشائين.”
لوّحت إيلين بسيفها. و كان لثقل السيف في يدها وقعٌ مريح ومحبب.
بعد لقائها بآمون في الساحة صباحاً، أدركت إيلين أخيراً نوع الحياة التي ترغب في عيشها.
لقد أرادت أن ترى جوهر فن السيف. فالعالم مليءٌ بأشخاص ذوي مواهب مذهلة، وإن بقيت مكانها بينما استمر آمون في التطور، فقد يتمكن من تجاوزها يوماً ما.
بمجرد أن فكّرت بذلك، اشتعلت في داخلها نار التحدي. رغم أن انتقامها قد انتهى، إلا أن السيف لا يزال يشعل حماستها ويحرّك أعماقها.
وبينما كانت تلوّح بسيفها لوقتٍ طويل، بدأت تشعر بانشراح في صدرها.
وفجأة، توقفت إيلين عن الحركة، وقد استحوذ على تفكيرها الشخص الذي كان سبباً في حملها للسيف من البداية—فريدين.
ما إن فكّرت في فريدين حتى شعرت بسعادة غامرة تغمرها.
'سأذهب لرؤيته في عطلة الأكاديمية القادمة.'
كانت ترغب في رؤيته فوراً، لكنها قاومت ذلك بصعوبة. فلم تكن تريد أن تزعجه بين الحين والآخر، وهو في خضم انشغاله.
وما إن انتهت من أفكارها، حتى انغمست مجدداً في عالم السيف. و كان صوت الريح الناتج عن كل ضربة بسيفها يشعرها بالرضا.
“إيلين.”
في تلك اللحظة، تساءلت إن كانت قد بدأت تسمع هلاوس. ففتحت عينيها عند سماع ذلك الصوت المألوف.
لكن الإحساس القوي الذي صدر من خلف ظهرها أخبرها أنها لم تكن تتخيل.
فاستدارت إيلين بوجه مرتبك. وكان فريدين واقفاً هناك، ينظر إليها بخدين متوردين من الخجل.
“أعتذر……لم أرد أن أزعجكِ، لكنني……لم أتمالك نفسي……”
“متى أتيتَ؟ أليست لديكَ أعمال؟ هل من الجيد ترك القصر في هذا الوقت؟”
عند سؤالها، هزّ فريدين رأسه.
“لقد أنهيت تقريباً كل الأعمال. حتى التحضيرات لحفل التتويج أوشكت على الاكتمال.”
ثم اقترب فريدين من إيلين وهو يتحدث إليها.
***
لكن قوله بأنه غير مشغول لم يكن صادقاً. من المؤكد أن أليكسيس يبحث عنه الآن بكل لهفة.
فعدا عن التحضيرات لحفل التتويج، كان هناك جبلٌ من المهام المتراكمة على عاتقه. و حتى الأعمال التي أهملها الإمبراطور السابق لا تزال تنتظر المعالجة.
لكن فريدين كان يعلم جيداً أن إيلين، إن لم يذهب هو لرؤيتها هكذا، فلن تأتي إليه بنفسها بسهولة.
فهو الآن يفهم طبيعتها أكثر من أي شخصٍ آخر.
'بالتأكيد، لأنها تعرف كم أنا مشغول، فلن تجرؤ على القدوم إلى القصر.'
وعندما يحين الوقت لرؤيتها مجدداً، قد تكون أزهار البحيرة قد ذبلت بالكامل.
لم يستطع كبح شوقه إليها، فطلب من لِيليا استخدام سحر الانتقال الآني، وجاء إلى الأكاديمية.
بل و كان يكذب قائلاً أنه ليس مشغولاً.
“هناك مكانٌ يجب أن نذهب إليه معاً قبل أن ينقضي الربيع، إيلين.”
“مكانٌ يجب أن نذهب إليه؟”
“نعم، لكنني خفت أن يكون الأوان قد فات بحلول موعد التتويج.”
قال ذلك بينما أمسك فريدين يد إيلين برفقٍ شديد.
وفي تلك اللحظة، شعرت إيلين بأن شيئاً جميلاً على وشك الحدوث.
______________________
احس بيقول خل نعرس 😘
واذا تقدّم لها بتصير بنيتي مبسوطه وتقوم بنيتي الثانيه؟ يامال الشحم يافريدين طلعت انت سعادتها🤏🏻
الفصل الاجاي بتكون فيه صوره رايعه جدا تطير العقل😘
Dana