لكن، وعلى عكس المتوقع، قبلت إيلين عرض آمون بسهولة.
في الحقيقة، لم يكن من الصعب عليه أن يتدرب معها. فقد كان آمون في مرحلة ما قبل أن يصبح سيد سيف، وبمساعدة بسيطة قد يصبح سيداً فوراً.
في مساء ذلك اليوم، أخبرت إيلين فريدين بذلك خلال عشاءهما معاً.
“قال آمون أنه يريد دعوة العديد من الناس ليصبح سيد سيف.”
“العديد من الناس؟”
“قال أنه يريد التمرن معي، وأن يقيم حفلة، ويريد دعوة جميع أفراد فرقة الفرسان، بالإضافة إلى العائلة والدوق أسيلي.”
أومأ فريدين برأسه.
“منذ زمن بعيد، لم نلتقِ جميعاً، لذا فأنا سعيدٌ بذلك، لكن….”
تذكر صديقه آمون.
'لا أعرف ما يفكر فيه آمون.'
كان فريدين يشعر بالقلق على صديقه آمون. فقد كانت قوة إيلين تزداد يوماً بعد يوم. حتى أن الدوق أسيلي بدأ يجد صعوبةً في مجابهتها قليلًا.
كانت إيلين تشعر بالوحدة التي كان الدوق أسيلي يشعر بها قبل ظهورها، حيث لم يكن له ندّ يُضاهيه.
و كان سادة القارة ينظرون إلى إيلين بنظرات تقدير ودهشة، كأنها فوقهم جميعاً.
ولأنها هكذا، كان لا بد أن تكون خصماً صعباً على آمون.
***
و سرعان ما جاء يوم المواجهة بين إيلين وآمون.
نظرت إيلين إلى سيفها الذي لم تستخدمه منذ زمن طويل بعينين تقدير واعتزاز.
عندما أعلنت إيلين عن زواجها، أهدى لها الماركيز ليسيروس هذا السيف. و قال أنه لم يقدم لها شيئاً كافياً طوال حياتها، فقرر أن يمنحها هذا السيف كهدية.
كان سيفاً ثميناً جداً، من أندر وأفخر السيوف.
“السيدة إيلين، لقد مضى وقت طويل حقاً.”
ابتسمت إيلين ابتسامةً مشرقة وهي تنظر إلى الآنسة أسيلي التي تحدثت إليها.
وراء الآنسة أسيلي كان هناك السيد أليكسيس، حاكم برج السحر، وتلميذته ليليا.
إلى جانبهم، اجتمع أشخاصٌ آخرون سلكوا معها طريقاً شاقاً معاً. و هؤلاء الذين كانوا طلاباً عاديين في الأكاديمية أصبحوا مع مرور الوقت أشخاصاً يتحكمون في مصير الإمبراطورية.
وقف آمون محمرّ الوجه بجانب الآنسة أسيلي. ورأى ديريك ملامحه الغريبة، فعبر عن اشمئزازه منها.
كان هؤلاء فرسانها المعتادون.
شعرت إيلين بدفء في قلبها بسبب ملامحهم المألوفة والودية.
المستقبل الذي حلمت به منذ زمن بعيد كان يتجسد أمام عينيها الآن.
وكان من بين الحضور، الشخص الذي يراقبهم بوجه ملؤه الترقب هو الدوق أسيلي.
رغم نظراته التي بدت غير راضية قليلاً تجاه آمون الذي يقف بجانب الآنسة، إلا أن اهتمامه كان واضحاً على وجهه.
عرفت إيلين أن الدوق أدرك المستوى الذي وصل إليه آمون. و لهذا السبب، وعلى الرغم من انشغاله، خصص وقتاً لمشاهدة المبارزة.
ثم تقدم فريدين إلى مقدمة الحشد.
وبصوت منخفض وهادئ،
“إذاً، لنبدأ هذه المواجهة المقدسة التي تراقبها القديسة.”
بعد انتهاء كلامه، رفعت إيلين سيفها عالياً. و تذكرت فجأةً ما حدث عندما عادت إلى الماضي قبل فترة قصيرة.
كانت هناك مواجهةٌ مشابهة آنذاك.
'كان آمون يتحداني.'
في أول مبارزة، هزمت إيلين آمون بسهولة. ومنذ ذلك الحين، لم يختلف الأمر كثيراً.
في الواقع، من المحتمل ألا تختلف النتيجة هذه المرة كثيراً أيضاً.
لكن…..شعرت إيلين بشيء مختلف هذه المرة. ولم يكن السبب فقط ملامح آمون الحازمة وهو يواجهها وجهاً لوجه. بل كان الأمر أقرب إلى شعور بنهاية الحكايات التي بدأت منذ أن فتحت عينيها من جديد.
وكان آمون هو من بدأ أولاً. و اندفع نحوها بشراسة واضحة.
تشاانغ-!
اصطدم السيفان بصوت حاد، وتمكنت إيلين من صد ضربته الأولى بسهولة. فتألقت عيناها بلمعان خاطف.
تشاانغ-!
حتى الهجمة التالية كانت النتيجة نفسها.
أومأ الدوق أسيلي برأسه وقد بدا عليه الرضا.
“آمون هيدور…..ممتاز.”
كان واضحاً أن آمون يبذل أقصى جهده فقط ليصد سيفها. لكن حتى هذا وحده كان كافياً.
فإيلين، بلا منازع، كانت أعظم سيّافة في الإمبراطورية، وعدد الفرسان الذين تمكنوا من صد هجماتها كان قليلاً جداً.
فقط لكونه صدّ بضع ضربات من سيفها، كان آمون بالفعل فارساً عظيماً.
تبادلا المزيد من الضربات. ومع كل لحظة كانت تمر في مبارزتها مع آمون، شعرت إيلين بشعور غريب يتصاعد في داخلها.
ورغم أن آمون لم يكن يفعل سوى محاولة صد ضرباتها، إلا أن ذلك وحده جعلها تشعر بسعادة خالصة.
'من أجل هذه اللحظة أمسكت بسيفي.'
حين حملت السيف لأول مرة، كان ذلك لحماية من تحب. وأولئك الذين حمتهم بسيفها…..كانوا جميعاً هنا اليوم.
وجوهٌ يملؤها السعادة، دفء العلاقات، ضحكات الأصدقاء.
كل ذلك كان بفضل سيفها.
ولذا، الآن فقط، استطاعت أن تمسك سيفها بطمأنينة، وتُركّز على فن السيف ذاته، بصفاء خالص.
في تلك الأثناء، كان آمون بدوره واثقاً بنفسه. يمكن القول أن ضربته تلك كانت الضربة التي ادخرها طوال هذا الوقت من أجل إيلين وحدها.
منذ اللحظة التي شعر فيها بوجود جدار لا يمكن تجاوزه بينها وبينه، بدأ آمون جهداً لا يُحتمل، وكأنه ينحت عظامه، فقط لأجل أن يتمكن من هزيمتها يوماً ما.
تدفقت المانا في سيفه، وكان ذلك دليلاً واضحاً على أنه بلغ مرتبة سيّد السيف.
ثم أطلق ضربةً حملت مئات الساعات من التدريب والمثابرة. لكن تلك الضربة، بكل ما فيها من عزيمة وقوة، لم تصل إلى إيلين.
“سيدة إيلين……؟”
تمتم آمون بذهول. و لم يستطع حتى أن يحافظ على سيفه. بل على العكس، في لحظة خاطفة، أفلت سيفه من يده نتيجة ضربة واحدة من إيلين، لم تكن حتى واعيةً بها.
حدّق الناس في سيف إيلين بعيون شاردة، مذهولين. وهكذا، انتهت المواجهة دون أن يشعر أحد.
رفع الدوق أسيلي إصبعه في الهواء، وكانت إشارته واضحة: الصمت.
فبدأ الحضور يغادرون واحداً تلو الآخر. وحين تأكد من انصراف الجميع، التفت الدوق إلى آمون.
“إذاً، هل أبصرت تلك المرتبة بعينيكَ؟”
“نعم، لقد أصبحت سيّد سيف. لكن السيدة إيلين…..ما زالت أقوى بكثير.”
كانت ملامح الإجلال ترتسم على وجه آمون.
لقد كان يعتقد أنه سيصل إلى مستواها يوماً ما. و مهما بلغ ارتفاع السماء، فبالمثابرة يمكن الوصول إليها، هكذا كان يؤمن.
وبفضل عدد لا يُحصى من المبارزات مع الدوق أسيلي، استطاع آمون أن يقترب كثيراً من مرتبة سيّد السيف.
كان يظن أنه اقترب أخيرًا من إيلين…..لكنّها، على العكس، باتت أبعد من أي وقت مضى.
“لقد أصبحت في مرتبة لا يمكنني اللحاق بها. أخشى أنه عندما تفتح عينيها مجددًا، ستكون قد بلغت مستوى جديدًا لا يُتصوّر.”
ابتسم آمون بمرارة، لكن في داخله انفجرت موجةٌ من الإعجاب العميق بما وصلت إليه إيلين.
***
رمشت إيلين بعينيها بذهول. و استيقظت في غابة تُشبه تلك التي جُرحت فيها بشدة في الغرب ذات مرة.
'كنت أُبارز آمون…..أليس كذلك؟'
حتى إيلين أدركت أنها نالت بصيرةً عميقة أثناء ذلك النزال.
نظرت إلى ذراعها بعادة قديمة متأصلة فيها. لكن ما رأته جعل عينيها تتسعان بصدمة.
الندوب التي لازمتها طوال حياتها…..اختفت.
ما بدا لها كان جلدًا نقيًّا ناعمًا، بلا أثر لأي جرح أو ألم. و كل العلامات التي كانت تذكّرها بماضٍ بشع قد تلاشت.
أغمضت إيلين عينيها ببطء ثم فتحتهما مجددًا. و كان الموقف غير قابل للتصديق.
'هل هذا نتيجة بصيرتي العميقة؟'
كانت قد سمعت عن مثل هذه الحالات من سادة السيف في إمبراطورية الشرق، أن هنالك مرتبة سامية تُدعى “التحوّل التام” أو “التجدد الروحي والجسدي”.
ولولا هذا، لما استطاعت تفسير ما حدث لها.
حتى الآنسة أسيلي، بكل قدراتها، قالت أن تلك الجروح قديمة جدًا ولا يمكن شفاؤها.
وإيلين نفسها كانت قد سلّمت بأنها لن تتحرر من هذه الندوب أبدًا طوال حياتها.
لكن الآن…..اختفت جراحها.
عضّت إيلين شفتها السفلى بخفة.
مشاعرٌ لا يمكن وصفها راحت تضرب صدرها بعنف.
شعرت وكأن كل ما كان يقيدها طوال حياتها قد تلاشى كغبار في الهواء. وفي تلك اللحظة، أحسّت بدفء لطيف لم تكن قد شعرت به من قبل.
فرفعت رأسها ببطء…..و فوق ركبتيها، كانت تيتي جالسة.
“تيتي……!”
احتضنتها إيلين بقوة. وشعرت بتيتي تلعق خدّها بفرحٍ وحنان.
رغم أنها لم تمرّ بخطر الموت، لم تفهم لماذا أتت إلى هذا المكان.
ثم ظهرت امرأة. مظهرها يشبه فريدين، بنفس الشعر الأشقر.
والآن، عرفت إيلين من تكون هذه المرأة.
إنها والدة فريدين…..القديسة السابقة.
تذكرت كم صُدمت حين رأت صورتها في الصورة التي أراها إياها فريدين.
“سيدتي القديسة…….”
أدركت إيلين الآن أن هذه المرأة كانت تراقبهم حتى بعد وفاتها.
كان هناك الكثير مما أرادت قوله. أن تشكرها لأنها أنجبت فريدين…..وأنها ممتنّة لها لأنها كانت تفكر بهم وتحميهم منذ زمن بعيد جداً.
“في الأصل، لم يكن من المفترض أن تعودي إلى هذا المكان إلا بعد زمن طويل…….”
ابتسمت القديسة السابقة بابتسامة خفيفة، فيها شيء من الحرج.
“لكن موهبتك، يا إيلين، مذهلةٌ حقاً. حتى أنا نفسي دُهشت منها.”
قالت ذلك وأمسكت بيد إيلبن. وفهمت إيلين حينها إلى أين كانت تنظر.
كان ما تنظر إليه القديسة هو ذراع إيلين النقيّة. فارتجف بصرها، وانحدرت دموعها ببطء من عينيها.
كانت تشعر بسعادة حقيقية، من أعماق قلبها، حين رأت أن جراح إيلين قد شُفيت كلها. فقد كانت إيلين تمثل ذنبًا يؤلم ضميرها.
صحيح أن ما حدث كان من أجل المستقبل، لكن المعاناة التي مرت بها إيلين لطالما مزّقت قلبها.
“أنا…..سعيدة حقًا. لسعادة مستقبلكِ، ولما ينتظركِ من خير.”
بدأت القديسة تتحدث بهدوء عن المستقبل.
“هل يمكنني أن ألمسها قليلاً؟”
كانت عيناها تتجهان إلى ذراع إيلين. فأومأت إيلين برأسها ببطء.
“شكرًا لك…..لأنكِ حميتِ فريدين.”
“….…”
“وشكرًا لأنكِ جعلت الأشرار يدفعون ثمن جرائمهم. وأيضًا..…”
ابتسمت القديسة ابتسامةً مشرقة.
“شكرًا لأنكِ…..أصبحتِ سعيدة.”
قالت كلماتها تلك وهي تحمل على وجهها سعادةً صافية.
ثم تابعت بابتسامة دافئة،
“حان الوقت الآن…..لتستعدي لاستقبال عائلةٍ جديدة.”
__________________
بزران؟ قولوا ايه
المهم المؤلفه حتى في الفصول الاضافيه ماخلت تطبيلها لإيلين 😃
Dana