1 - الفصل الأول: الاستيقاظ في الفراغ

الفصل الأول: الاستيقاظ في الفراغ

لم يكن آخر ما شعر به نوكس على الأرض ألمًا، بل دهشة. ضوءان أماميان يقتربان بسرعة لا تمهله وقتًا للتفكير، صوت احتكاك معدني حاد، ثم عتمة كاملة ابتلعت كل شيء دفعة واحدة. لم يشعر بالانتقال. لم يرَ نفقًا من ضوء، ولم تعرض أمامه ذكرياته كما تقول القصص. كان هناك فقط... فراغ. ثم، بعد ما بدا وكأنه لحظة واحدة ممتدة إلى ما لا نهاية، عاد الإحساس.

قبل تلك اللحظة، كان نوكس مجرد شاب في التاسعة عشرة من عمره، معروفًا بين من يعرفونه بهدوئه الغريب وسط الفوضى، وبعادته التي كانت تثير سخرية البعض: أن يسأل "لماذا؟" قبل أن يسأل "كيف؟". لم يكن من النوع الذي يندفع لحل أي مشكلة بالقوة أو بردة الفعل السريعة، بل كان يفضّل دائمًا أن يفهم الصورة كاملة أولًا، حتى لو كلّفه ذلك وقتًا أطول. كان يرى أن أغلب الكوارث التي يقع فيها الناس ليست بسبب ضعفهم، بل بسبب تسرّعهم. تلك العادة نفسها هي ما أبقاه هادئًا الآن، في مكانٍ لا يعرف عنه شيئًا على الإطلاق.

أول ما أدركه لم يكن رؤية، بل بردًا يلسع رئتيه.

فتح عينيه ببطء، وواجهه ظلام مكسور بخيوط ضوء أحمر خافت تنبض ببطء كأنها قلب يحتضر. كان ممددًا داخل مساحة ضيقة، محاطًا بمعدن متشقق وزجاج مهشم تناثرت شظاياه فوق صدره. حاول أن يتذكر كيف وصل إلى هنا، لكن ذاكرته توقفت عند لحظة الاصطدام تمامًا، كأن يدًا خفية قصّت الشريط عند تلك النقطة بالذات ثم أعادت تشغيله في مكان مختلف كليًا.

حاول أن يتنفس بعمق، فأحس بحرقة تسري في صدره كأنه يستنشق دخانًا لا هواء. سعل بشدة، وارتجت المساحة الضيقة من حوله باهتزاز خافت، كأن الجدران نفسها كانت تنتظر أي حركة لتنهار.

هنا فقط بدأ عقله، الذي عُرف طوال حياته بهدوئه وقدرته على التحليل حتى في أصعب اللحظات، يستعيد نشاطه. لم يصرخ. لم يتخبط. بدلًا من ذلك، ثبّت نظره على أقرب نقطة ضوء وبدأ يبحث عن مصدرها.

كانت شاشة صغيرة مثبتة عند معصمه الأيسر، متصلة ببدلة معدنية غريبة يرتديها دون أن يتذكر متى ارتداها. أضاءت الشاشة فجأة، وكأنها استشعرت وعيه، وعرضت أمامه رمزًا دائريًا يدور ببطء، ثم رقمًا:

مستوى الأكسجين: 41%

لم يفهم نوكس معنى الرقم على الفور، لكن جسده فهمه قبل عقله. ضيق في الصدر. دوار خفيف. برودة تسري في أطرافه رغم أن المكان لم يكن باردًا بالمعنى الحقيقي. أدرك، بذلك الهدوء التحليلي البارد الذي ميّزه طوال حياته، أنه يختنق ببطء داخل شيء يشبه كبسولة نجاة محطمة.

نظر حوله. كان الفضاء الذي يحتويه لا يتجاوز طول جسده بقليل، جدرانه معدنية متشققة، وبعض ألواحها منحنية إلى الداخل كأن قوة هائلة ضغطت عليها من الخارج. لوحة تحكم صغيرة أمامه توقفت أضواؤها جميعًا باستثناء ضوء واحد أحمر يومض بصمت. حاول أن يمد يده إليها، فارتجفت أصابعه من قلة الأكسجين.

ثم، وسط كل هذا، أضاءت الشاشة على معصمه من جديد، وعرضت جملة لم يتوقعها أبدًا:

"مرحبًا أيها المواطن. نتمنى لك يومًا سعيدًا."

حدّق نوكس في الجملة للحظة، بين إغماءة وأخرى، وشعر بشيء أقرب إلى الضحك المرير يتصاعد في حلقه المحترق. نظام آلي، في مكان ما، ما زال يرحب به بلطف بينما الهواء من حوله يخذله شيئًا فشيئًا. لم يكن هذا نوعًا من العزاء. كان أشبه بسخرية باردة من عالمٍ لم يعد يهتم إن كان أهله أحياء أم أمواتًا.

أدرك أنه إن استسلم للذعر فسينتهي الأمر خلال دقائق. فأجبر نفسه على التفكير بدل الشعور، تمامًا كما فعل طوال حياته في كل موقف صعب.

قسّم المشكلة، كما اعتاد دائمًا، إلى أجزاء يمكن التعامل معها واحدًا تلو الآخر بدل أن تسحقه كتلة واحدة من الرعب:

المشكلة الأولى: الهواء ينفد، والزمن المتاح غير معروف بدقة.

المشكلة الثانية: لا يعرف مكانه، ولا كيف وصل إليه.

المشكلة الثالثة: لا يعرف حتى إن كان يستطيع الخروج من هذا الصندوق المعدني المتصدع أصلًا.

لم يكن يملك إجابة عن السؤالين الثاني والثالث بعد، لكن المشكلة الأولى كانت الأكثر إلحاحًا، وبالتالي وجب حلّها أولًا. بدأ بالأسهل. تحسّس جدار الكبسولة بيديه المرتجفتين، يبحث عن أي فتحة أو مقبض. وجد، أسفل لوحة التحكم المعطلة، ذراعًا معدنية صغيرة مغروسة في تجويف، ربما كانت مخصصة للفتح اليدوي في حالات الطوارئ. سحبها بكل ما تبقى له من قوة. لم يحدث شيء في البداية، فكرر المحاولة، هذه المرة بكل وزن جسده مستندًا إلى الجدار المقابل.

سُمع صرير معدني حاد، ثم انفتح شق ضيق في الجدار، بالكاد يكفي لجسده النحيل. اندفع منه هواء بارد، مختلف تمامًا عن الهواء الخانق بالداخل. لم يكن نقيًا، لكنه كان كافيًا ليمنحه أنفاسًا حقيقية للمرة الأولى منذ استيقاظه.

زحف نوكس عبر الشق بصعوبة، وشعر بحواف معدنية حادة تخدش ذراعيه، لكنه لم يتوقف. الرغبة في البقاء حيًا كانت أقوى من أي ألم بسيط.

خرج أخيرًا، وسقط على ركبتيه فوق سطح صلب مغطى بطبقة من الغبار الرمادي الناعم، كأن أحدًا لم يمشِ فوقه منذ زمن طويل جدًا. رفع رأسه ببطء، يستنشق الهواء بنهم، وانتظر حتى توقف دوار رأسه قبل أن يفتح عينيه بالكامل ليرى المكان الذي وجد نفسه فيه.

ما رآه جعله يتجمد في مكانه.

لم تكن كبسولته سوى حطام صغير ساقط وسط ما بدا في يوم من الأيام مدينة عملاقة. أبراج شاهقة، بعضها ما زال واقفًا رغم تصدعه، وبعضها الآخر منهار بالكامل، تحوّلت هياكله المعدنية إلى أضلاع عارية تشير نحو سماء رمادية كثيفة، لا شمس فيها ولا سحاب حقيقي، بل ضباب معدني ثقيل يخنق الأفق. امتدت الشوارع الفارغة أسفله كعروق ميتة، مغطاة بالغبار والحطام، ولم تتحرك فيها ريح ولا صوت ولا أي أثر لحياة.

وقف نوكس ببطء، يتحسس جسده للتأكد من سلامته، بينما عيناه لا تزالان تجولان في المشهد المروع. مدينة بهذا الحجم، بهذا العدد الهائل من الأبراج التي تلوح حتى ما بعد خط الأفق، كانت يجب أن تحتضن الملايين. كان يجب أن يسمع أصواتًا، أن يرى حركة، أن يشعر بوجود أحد.

لكن لا شيء. لا صوت. لا حركة. لا حتى أثر لجثة واحدة.

على مسافة غير بعيدة، لمح هيكلًا معدنيًا ضخمًا مستلقيًا على جنبه بين الأبراج المنهارة، بحجم بناية كاملة تقريبًا، وقد بدت أطرافه المفصلية الصدئة كأنها ذراعا آلة عملاقة سقطت في معركة لم يبقَ من ذكرها شيء. وفي السماء الرمادية، رأى بصعوبة نقطة ضوء متحركة تهبط ببطء شديد نحو الأفق، ثم تختفي خلف ستار الضباب، وكأن شيئًا هناك في الأعلى ما زال يتساقط منذ زمن طويل جدًا، جسمًا تلو الآخر، دون أن يلاحظه أحد لأن لا أحد بقي ليرفع رأسه وينظر.

كل ما رآه أوحى بشيء واحد: أن حضارة عظيمة، بكل ما تحمله الكلمة من معنى، لم تنهزم في يوم واحد. لقد انتهت، ببساطة، وتركت خلفها هذا الصمت الهائل الذي لا يشبه صمت الموت بقدر ما يشبه صمت شيء غادر ولم يعد.

نظر إلى شاشة معصمه من جديد. مستوى الأكسجين توقف عن الانخفاض السريع بعد خروجه، لكنه ظل منخفضًا بشكل خطير: 33%. كان يعلم أنه لا يملك وقتًا طويلاً قبل أن يحتاج إلى مصدر أكسجين حقيقي، لا مجرد هواء أفضل قليلاً من ذلك الذي كاد يقتله في الكبسولة.

نظر إلى الأفق البعيد، حيث بدت أضواء خافتة جدًا، بالكاد مرئية وسط الضباب، وكأن جزءًا صغيرًا من هذه المدينة الميتة ما زال، بطريقة ما، يعمل.

حاول أن يتذكر أي شيء قد يفسر ما يراه، أي خبر، أي فيلم، أي قصة سمعها يومًا عن مدينة بهذا الاتساع تُهجر دفعة واحدة دون حرب ظاهرة أو دمار كامل. لم يجد شيئًا. كل ما يعرفه عن العالم الذي جاء منه لا ينطبق هنا على الإطلاق: لا الطرز المعمارية مألوفة، ولا المواد التي صُنعت منها الأبراج، ولا حتى طبيعة الهواء نفسه. شعر لوهلة بثقل الحقيقة يستقر فوق صدره أثقل من نقص الأكسجين ذاته: هو الآن وحيد تمامًا، في مكانٍ لا يملك عنه ولو معلومة واحدة يبني عليها قراره التالي.

لكنه رفض أن يسمح لهذا الشعور بالسيطرة عليه. فالجهل بالمكان لا يعني استحالة فهمه، بل يعني فقط أن عليه أن يبدأ من الصفر، خطوة بخطوة، ملاحظة بملاحظة، تمامًا كما تعلّم أن يفعل طوال حياته.

اتخذ قراره بسرعة، كعادته دائمًا حين تضيق الخيارات: التحرك أفضل من الانتظار.

قبل أن يخطو خطوته الأولى، توقف للحظة، ونظر مرة أخيرة إلى الكبسولة المحطمة التي أنقذته للتو، وإلى المدينة الصامتة الممتدة أمامه كقبرٍ لا نهاية له.

سأل نفسه سؤالًا واحدًا، سؤالًا سيظل يلاحقه لفصول طويلة قادمة:

إذا كانت حضارة بهذا الحجم قد وُجدت هنا حقًا...

فأين ذهب الجميع؟

2026/08/28 · 3 مشاهدة · 1272 كلمة
نادي الروايات - 2026