كانت السماء تلك الليلة تتشح بسوادٍ لم تألفه مملكة دراغونيس من قبل. تكدست الغيوم فوق القصر الملكي، وانطلقت الرياح تعصف بالنوافذ الحجرية كأنها تنذر بمصيبةٍ وشيكة. دوّى الرعد في الأرجاء، ثم تبعته ومضة برقٍ خاطفة أضاءت الأبراج الشاهقة للحظة، قبل أن يعم الظلام من جديد.
في أعماق القصر، ساد اضطراب لم تشهده المملكة منذ أعوام.
كان الملك ألكسندر دراغونيس يقف خارج غرفة الولادة، يذرع الممر ذهابًا وإيابًا، بينما ارتسمت على ملامحه علامات القلق والعجز. قبض على مقبض سيفه بقوة حتى ابيضّت مفاصله، إلا أن قوة الملك لم تكن قادرة على مقارعة القدر.
اندفعت إحدى المعالجات خارج الغرفة، وقد غطى الإرهاق وجهها.
تمتمت بصوتٍ مرتجف:
"جلالتك... الوضع يزداد سوءًا."
تجمد ألكسندر في مكانه، ثم اندفع نحوها بخطوات سريعة.
"أخبريني بالحقيقة."
خفضت بصرها، وعجزت عن مواجهته.
"الملكة... لن تنجو إن استمرت الولادة."
ساد صمت ثقيل.
لم يكد يستوعب كلماتها حتى دفع باب الغرفة بعنف، متجاهلًا اعتراض الجميع.
كانت ماريستا تستلقي فوق الفراش الأبيض، وقد غطى العرق جبينها، بينما بدت ملامح الألم واضحة على وجهها الشاحب. وما إن وقع بصرها على ألكسندر حتى ارتسمت على شفتيها ابتسامة واهنة.
اقترب منها مسرعًا، وجثا إلى جوارها.
"سأنهي هذا كله."
هزت رأسها ببطء....
"كلا..."
قبض على يدها برفق، وكأنها قد تتحطم إن اشتد في إمساكها.
"لن أخسرك، أسمعتِ؟ لا أريد وريثًا... أريدكِ أنت."
أغمضت عينيها لثوانٍ، ثم همست بنبرة اختلط فيها الألم بالطمأنينة:
"كنت أعلم... منذ أشهر."
انعقد حاجباه.
"تعلمين ماذا؟"
رفعت بصرها إليه، وقد لمع في عينيها بريقٌ حزين!!!
"أن ولادة هذا الطفل... ستكون آخر ما أفعله في حياتي."
ارتجف جسده.
"ولماذا أخفيتِ ذلك عني؟"
تنهدت بصعوبة، ثم أجابت:
"لأنني أعرفك... لو أخبرتك، لما سمحت له أن يولد."
ساد الصمت بينهما، ولم يعد يسمع سوى هدير المطر خلف النوافذ.
ابتسمت ابتسامة صغيرة، وأردفت:
"إن كان ثمن حياته... حياتي، فلن أندم."
اهتزت شفتا ألكسندر، لكنه لم يجد جوابًا.
لأول مرة منذ اعتلى العرش، شعر بأنه رجل عاجز، لا ملكًا يهابه الجميع.
وفي اللحظة التالية، دوى صراخ الطفل داخل الغرفة..........
ساد السكون.
حملته إحدى القابلات بين ذراعيها، وقد اتسعت عيناها بدهشة.
"لقد... وُلد!"
امتدت ماريستا بيدٍ مرتجفة.
ناولتها القابلة الطفل بحذر.
احتضنته إلى صدرها، وتأملت ملامحه للمرة الأولى.
انهمرت دمعة دافئة على وجنتها.
ابتسمت.
"إدوارد..."
همست باسمه كأنها تحفظه في قلبها قبل أن يغادرها النبض.
اقترب ألكسندر منهما، وجلس إلى جوارها.
رفعت ماريستا بصرها إليه للمرة الأخيرة.
"احمه..."
ساد الصمت.
"...مهما حدث."
أومأ برأسه، بينما كانت دموعه تنهمر دون أن يشعر.
"أقسم بذلك."
تنفست ماريستا ببطء، ثم أغمضت عينيها.
مرت ثانية...
وثانية أخرى...
ولم تعد تفتحهما.
ظل ألكسندر يحدق في وجهها، كأنه ينتظر أن تبتسم مجددًا.
لكنها لم تتحرك.
ارتجفت أنامله وهو يلامس يدها.
كانت باردة.
همست إحدى الوصيفات وهي تبكي:
"جلالتك..."
لم يجبها.
ضم جسد ماريستا إليه بصمت، بينما كان الطفل الصغير يطلق أولى صرخاته في هذا العالم.
امتزجت صرخات المولود ببكاء الحاضرين، وكأن القصر بأسره يودع ملكته.
وفي الخارج، انشقّت السماء ببرقٍ هائل، أعقبه دويٌّ جعل جدران القصر تهتز.
رفع الجميع أبصارهم نحو النافذة.
هناك... فوق السحاب الأسود...
ظهر نجمٌ قرمزي لم يره أحد منذ قرون.
عندها فقط، شحب وجه كبير الكهنة، وتمتم بصوتٍ اختنق بالرعب:
"لقد عاد... لقد بدأت النبوءة."
أما إدوارد، ففتح عينيه للمرة الأولى...
وكانتا تحدقان مباشرةً نحو ذلك النجم
ظلَّ ألكسندر جامدًا في مكانه، كأن الزمن قد توقف داخل تلك الغرفة.
لم يعد يسمع بكاء الطفل، ولا ارتجاف الوصيفات، ولا هدير العاصفة في الخارج.
كل ما كان يراه... وجه ماريستا الساكن.
أغمض عينيه ببطء، ثم أسند جبينه إلى يدها الباردة.
خرجت من بين شفتيه همسة بالكاد سُمعت:
"لقد وعدتك... أن أحميك."
تكسرت الكلمات في حلقه، وأردف بصوت خافت:
"لكنني عجزت."
ساد الصمت.
ثم دوى صوت بكاء الرضيع مجددًا، فالتفت ألكسندر نحوه.
كانت القابلة تضمه إلى صدرها، بينما ارتسم الخوف على وجهها.
اقترب الملك بخطوات بطيئة، ومد يديه.
ناولته الطفل بصمت.
لأول مرة، حمل ألكسندر ابنه بين ذراعيه.
كان صغيرًا إلى حدٍ بدا معه كنسمةٍ هشة، إلا أن قبضته الدقيقة أطبقت على إصبع والده بقوةٍ غريبة.
اتسعت عينا الملك.
تمتم:
"إدوارد..."
ارتسمت ابتسامة باهتة على شفتيه، لكنها سرعان ما تلاشت وهو يلتفت إلى ماريستا.
لم يعد الفرح يجد مكانًا في قلبه.
وفي تلك اللحظة...
انطفأت جميع الشموع دفعةً واحدة.
غرقت الغرفة في ظلامٍ دامس.
تعالت شهقات الوصيفات.
وسُمعت خطوات مذعورة في أرجاء القصر.
لم يكد أحد ينبس بحرف حتى شقَّ البرق السماء، فأضاء المكان للحظة خاطفة.
وفي تلك الومضة...
خُيّل للحاضرين أنهم رأوا ظلًا هائلًا يمر فوق القصر.
اختفى كل شيء في أقل من رمشة عين.
ارتجفت إحدى المعالجات وهمست:
"ما... ما الذي كان ذلك؟"
لم يجبها أحد.
وبينما كان الجميع ينظر نحو النوافذ، انبعث وهج قرمزي خافت من يد الرضيع.
شهقت القابلة.
"جلالتك... يد الأمير!"
خفض ألكسندر بصره بسرعة.
كانت خطوط دقيقة، أشبه بنقوش قديمة، تتشكل على ظاهر كف إدوارد، متوهجة بلون الدم.
لم تدم سوى ثوانٍ...
ثم اختفت.
وكأنها لم تكن موجودة قط.
ساد صمت ثقيل.
تبادل الحاضرون نظراتٍ امتزج فيها الذهول بالخوف.
وقبل أن ينطق أحد، دوى طرقٌ عنيف على باب الغرفة.
اندفع قائد الحرس إلى الداخل، وقد بدت آثار المطر على درعه.
انحنى بسرعة وقال:
"مولاي... كبير الكهنة يطلب لقاءكم حالًا."
قطب ألكسندر حاجبيه.
"فليدخل."
بعد لحظات، ظهر شيخ تجاوزت السنون ملامحه، يتكئ على عصاه الخشبية.
كان وجهه شاحبًا على غير عادته.
ما إن وقع بصره على الطفل حتى اتسعت عيناه.
ارتجفت يده.
وتراجع خطوة إلى الخلف.
تمتم بصوتٍ خافت:
"مستحيل..."
اشتد نظر ألكسندر إليه.
"تكلم."
رفع الشيخ رأسه بصعوبة، ثم قال:
"لقد عاد النجم القرمزي... وظهرت العلامة في الليلة نفسها."
اشتدت ملامح الملك قسوة.
"أي علامة؟"
صمت الشيخ طويلًا، ثم أجاب:
"العلامة التي تحدثت عنها النبوءة المنسية."
ساد السكون في الغرفة.
ثم أردف بنبرة امتزج فيها الخوف باليقين:
"هذا الطفل... لن يغير مصير هذه المملكة فحسب."
رفع بصره نحو إدوارد.
"...بل سيغير مصير العالم بأسره."
وانتهت الليلة الأولى في حياة إدوارد دراغونيس، بينما كانت المملكة تجهل أن أعظم أسرارها قد وُلدت لتوها.