مرَّت ثلاثة أيام على وفاة الملكة ماريستا، غير أن أروقة قصر دراغونيس لم تستعد هدوءها.

كانت الأعلام السوداء ترفرف فوق الأبراج، بينما عمَّ الحداد أنحاء المملكة. لم يجرؤ أحد على رفع صوته، وكأن الحزن قد خيَّم على القصر بأسره.

وقف ألكسندر أمام النافذة المطلة على العاصمة، يحمل بين ذراعيه إدوارد النائم بسلام.

تنهد بعمق، ثم تمتم:

"دفعتِ حياتكِ ثمنًا لولادته... أقسم أنني لن أسمح لأحدٍ بأن يمسه بسوء."

قطع الصمت طرقٌ خافت على الباب.

"تفضل."

دخل كبير الكهنة بخطوات بطيئة، وانحنى احترامًا.

"جلالتك... لقد جمعتُ ما تبقى من السجلات القديمة."

استدار ألكسندر نحوه، وقد ارتسمت الجدية على وجهه.

"إذن أخبرني... ما حقيقة النبوءة؟"

اقترب الشيخ ووضع كتابًا ضخمًا فوق الطاولة.

كان غلافه مهترئًا، وقد نُقشت عليه رموزٌ لم يعد أحد يعرف معناها.

فتح صفحاته بحذر، ثم أشار إلى فقرةٍ كادت أحبارها تتلاشى.

همس بصوتٍ مهيب:

"عندما يشرق النجم القرمزي، ويولد وريث يحمل ختم السلالة الأولى... تستيقظ القوة التي نامت منذ آلاف السنين."

انعقد حاجبا ألكسندر.

"وما المقصود بالسلالة الأولى؟"

هزَّ الشيخ رأسه ببطء.

"لا أعلم... فقد ضاع معظم التاريخ مع سقوط الإمبراطورية القديمة."

ساد الصمت للحظات.

ثم أردف بنبرةٍ مثقلة بالقلق:

"لكن جزءًا من النبوءة ما زال محفوظًا."

رفع بصره نحو الملك.

"سيطارده الظلام منذ ولادته... وسيبحث عنه أعداء لم يولدوا في هذا العصر."

ساد الهدوء داخل القاعة.

وفجأة...

دخل أحد الفرسان مسرعًا، وقد ارتسم الذعر على وجهه.

"جلالتك!"

التفت الجميع نحوه.

انحنى الفارس وهو يلهث.

"لقد هوجمت إحدى القرى الشمالية."

قطب ألكسندر حاجبيه.

"ومن الفاعل؟"

ابتلع الفارس ريقه، ثم أجاب:

"لا أحد يعلم... لم ينجُ سوى رجلٍ واحد."

بعد دقائق، أُدخل الناجي إلى القاعة.

كانت ثيابه ممزقة، ووجهه شاحبًا كالموت.

ارتجف جسده، ثم سقط على ركبتيه.

همس بصعوبة:

"وحوش..."

ساد الصمت.

اقترب ألكسندر خطوة.

"أي وحوش؟"

رفع الرجل رأسه، وقد امتلأت عيناه بالرعب.

"لم تكن بشرًا... كانت مخلوقاتٍ سوداء، لا وجوه لها، ولا تصدر صوتًا... لكنها كانت تعرف أسماء ضحاياها."

تبادل الحاضرون نظراتٍ قلقة.

وأردف الرجل وهو يوشك على فقدان وعيه:

"وقبل أن تغادر... قالت عبارةً واحدة."

حبس الجميع أنفاسهم.

ارتجفت شفتاه وهو يردد:

"لقد وُلد الوريث..."

ثم أغلق عينيه، وسقط مغشيًا عليه.

ساد صمت ثقيل داخل القاعة.

أما ألكسندر، فشد قبضته حول مقبض سيفه، وحدق في ابنه الصغير النائم بين ذراعي المربية.

همس بصوتٍ لم يسمعه أحد:

"إذن... لقد بدأوا بالبحث عنك، يا إدوارد."

ظلَّ الصمت مخيمًا على القاعة، ولم يجرؤ أحد على التفوه بكلمة.

تقدَّم كبير الكهنة ببطء، ثم جثا إلى جانب الرجل المغمى عليه، واضعًا أصابعه على عنقه ليتأكد من نبضه.

تنهد بارتياح.

"لا يزال حيًّا... لكنه يعيش رعبًا لم أره في إنسانٍ قط."

أطرق ألكسندر برأسه لحظة، ثم رفع بصره نحو قادة الفرسان.

"أرسلوا فرقةً إلى القرية فورًا."

انحنى أحد القادة مردفًا:

"أوامركم، جلالتكم."

استدار الملك نحو النافذة، حيث كانت الأمطار لا تزال تنهمر بلا انقطاع.

لم يكن يخشاه شيء في حياته كما يخشى الآن أن تمتد يدٌ مجهولة إلى ابنه الوحيد.

همس دون أن يلتفت:

"ضاعفت الحراسة حول جناح الأمير."

أجابه قائد الحرس بحزم:

"لن يقترب منه أحد، ولو كلّفنا ذلك أرواحنا."

لكن كبير الكهنة لم يبدُ مطمئنًا.

ظل يحدق في الكتاب العتيق، ثم أخذ يقلب صفحاته بسرعة، كأن شيئًا ما استوقفه.

اتسعت عيناه فجأة.

تمتم بصوت خافت:

"وجدتها..."

التفت إليه ألكسندر على الفور.

"ماذا وجدت؟"

أشار الشيخ إلى سطرٍ كادت الحروف تتلاشى منه.

"هناك جزء آخر من النبوءة."

اقترب الملك، بينما بدأ الشيخ يقرأ ببطء:

"إذا بلغ الوريث عامه السادس عشر قبل أن يُكسر الختم... فسيفتح بابًا لم يُفتح منذ فجر التاريخ."

ساد الصمت.

عقد ألكسندر حاجبيه.

"أيُّ ختم؟ وأيُّ باب؟"

أغلق الشيخ الكتاب بحذر.

"لا أعلم، جلالتكم... فالصفحات التالية مفقودة."

ارتسم الضيق على وجه الملك.

"كلما اقتربنا من الحقيقة، ازداد الغموض."

وفي تلك اللحظة، دوى صوت صراخٍ في أحد الممرات.

اندفع الحراس إلى الخارج.

لم يتأخر ألكسندر، فاستلَّ سيفه ولحق بهم.

كانت إحدى الوصيفات ترتجف وهي تشير إلى نهاية الممر.

"هناك... رأيته بعيني!"

اقترب قائد الحرس وسألها:

"ماذا رأيتِ؟"

ابتلعت ريقها بصعوبة.

"رجلًا يرتدي عباءة سوداء... كان يقف أمام غرفة الأمير."

اشتدت ملامح ألكسندر.

"وأين هو الآن؟"

هزت رأسها وهي تبكي.

"اختفى... كأنه تبخر في الهواء."

لم ينتظر الملك أكثر.

فتح باب غرفة إدوارد بسرعة.

ساد الهدوء.

كان الرضيع نائمًا في مهده، يتنفس بهدوء، كأن شيئًا لم يحدث.

تنفس ألكسندر الصعداء، لكنه ما إن اقترب من المهد حتى لمح شيئًا صغيرًا بجواره.

ورقة سوداء.

رفعها بحذر.

لم يكن عليها سوى سطرٍ واحد، كُتب بحبرٍ أحمر قاتم:

"حين يكبر الوريث... سنعود لأخذه."

تجمدت ملامحه.

ثم أطبق يده على الورقة حتى تجعدت بين أصابعه.

أقسم في قرارة نفسه أنه لن يسمح لأي قوة، مهما بلغت، بأن تقترب من ابنه.

غير أنه لم يكن يعلم...

أن صاحب الرسالة لم يغادر القصر بعد.

ففي أعلى البرج الشرقي، وقف رجل مقنع يراقب النافذة التي ينام خلفها إدوارد.

ارتسمت على شفتيه ابتسامة باردة، ثم همس:

"نم هادئًا أيها الأمير الصغير... فما زال الوقت مبكرًا."

وما إن أنهى كلماته، حتى اختفى بين ظلال الليل، تاركًا خلفه شعورًا بأن الخطر قد دخل القصر بالفعل.

2026/07/01 · 3 مشاهدة · 784 كلمة
نادي الروايات - 2026