قال السائق بصوت هادئ وهو يشد لجام الخيل:

ـ "لقد وصلنا يا سيدي."

رفع يان مو رأسه قليلًا، ألقى نظرة جانبية بخفة نحو الساحة، عيناه لمعتا ببرود، ثم ابتسم ابتسامة صغيرة لا يعرفها أحد سواه، ابتسامة شخص يُعيد ذكريات مضت.

تمتم:

ـ "كم هذا جميل… كأنني أعود إلى الأيام الخوالي."

تحرّك ببطء، نزل من العربة، حذاؤه الثقيل ضرب أرض الساحة بحركة بطيئة لها وقع خاص. كان الهواء محمّلًا بالغبار، والجلبة تتصاعد من أصوات الحشود التي ملأت المقاعد المصفوفة حول الساحة.

اقترب أحد الحراس، قال بصوت منخفض:

ـ "سيدي، تشرّفت ساحتنا بقدومك."

لم يُجبه يان مو، فقط مرّ من أمامه كما لو كان الحارس مجرد ظلّ، ثم دخل بخطوات واثقة. كل مقعد كان مشغولًا، ولم يبق مكان فارغ تقريبًا. غير مقعد واحد أمام ساحه جلس بهدوء، أسند ذراعه على الحافة الخشبية، ثم رفع نظره إلى الحلبة.

كان القتال قد بدأ بالفعل. في الساحة، وقفت "ليو" من عشيرة "لو"، فتات متعجرفه ملامحه، عيناه تتقدان غرورًا، في مواجهة خصمه "لين هان" من عشيرة "هان". صمت يان مو، عيونه ثبتت على "لين"، وكأنه يعاينه بتمعّن شديد. ثم همس لنفسه:

ـ "ها هو الهدف الأول أمامي… على طبق من ذهب… ابن الشيخ يانغ. وذلك الشيخ يانغ… بسبب امتلاكه لمخطوطة العشيرة السرّية… إن تمكنت من وضع يدي عليها، فسأصبح أقوى مما أنا عليه الآن."

ارتفعت أصوات الجمهور فجأة، فقد بدأ الهجوم!

اندفع ليو للأمام بخطوة سريعة وثقيلة، ذراعه اندفعت كالمطرقة نحو صدر "لين".

لكن "لين هان" بالكاد تفادى الضربة، جسده انحنى جانبًا في اللحظة الأخيرة.

تشقلب على الأرض بمهارة، ثم استغل اندفاع خصمه ليرفع رجله عاليًا ويركل معدة ليو بقوة.

ارتجّ جسد ليو، وقع للخلف وهو يمسك ببطنه المتشنجة. الحشود تعالت بالهتاف والصفير، منهم من شجع ليو، ومنهم من صرخ باسم لين.

نهض لين، تنفّسه صار أثقل قليلًا، قبضته ارتجفت وهو يضغط على معدته، ثم أطلق ضحكة ساخرة.

قالت ليو "هه… يبدو أنك مجرد غِرّ ضعيف، تضربني ضربة وتظن نفسك مقاتلًا؟"

أجابه لين بصوت متماسك، لكن فيه شيء من الغضب المكتوم:

ـ "اصمتي أيتها الغبية… سأريك من هو الضعيف حقًا!"

صرخ، ومد يده فجأة إلى السيف المعلّق على جانبه. الجميع شهق بصوت واحد. استخدام السيوف ممنوع في المباريات الرسمية.

لكن ليو لم يهتم، استلّ السيف وأطلق صرخة حادّة وهو يندفع مرة أخرى.

ـ "سأمزقك نصفين!!"

ارتفعت همهمات الناس، وبدأ البعض ينهض من مقاعده. بعض الشيوخ الكبار ضربوا بأيديهم على الطاولات، والبعض الآخر اكتفى بالتنهّد وكأنهم ينتظرون النتيجة ببرود.

اصطدم السيف بحركة ليو، التي بالكاد استطاعت رفع يده واعتراض الضربة بذراعه العارية، ثم انحنت بسرعة والتفت حول خصمه. دفعه بكل قوته للخلف، حتى تراجع ليو بضعة أمتار، يتعثر في خطواته، وكاد يسقط.

العرق بدأ يتصبب من جبين لين، أما ليو فقد ازدادت عيناه حُمرة، وصار صوته يختلط بالزفير الثقيل.

الجميع في الساحة وقفوا مذهولين، حتى والد ليو، الجالس في المقاعد المخصّصة للشخصيات المهمة، لم يحرّك ساكنًا، فقط عيناه اتسعتا من الدهشة.

وبداو الجمهور من السخريه من لين هان ايهوا الحقير الغشاش.

خرج "لين هان" من الحلبة بخطوات بطيئة وثقيلة.

كانت أنفاسه مضطربة، وجهه يقطر عرقًا، وعيناه تتهرّبان من نظرات الحشد.

كل ضربة تلقّاها قبل قليل لم تكن أقوى من تلك الهزيمة النفسية التي سحقته أمام الجميع.

الجماهير كانت لا تزال تتحدث، أصواتهم تختلط بالضحكات الساخرة والتعليقات الجارحة:

ـ "كيف يخسر ابن الشيخ يانغ بهذه السهولة؟"

ـ "كنت أتوقع منه شيئًا أعظم."

ـ "لا يستحق حتى أن يُدعى ابن الشيخ يانغ."

كلمات الناس التصقت في أذنيه كطَرق متواصل على جدار ضعيف.

ضغط على أسنانه، قبض يده، لكنّه لم يستطع الرد… لم يستطع حتى رفع رأسه.

كل ما فعله هو أن غادر بخطوات مثقلة، والظل يبتلع هيبته شيئًا فشيئًا.

هناك… في زاوية شبه مظلمة من الساحة، جلس "يان مو".

عيناه تابعتاه وهو يبتعد، ابتسامة باهتة ارتسمت على محياه، كأن شيئًا ما بدأ ينضج في عقله.

وبهدوء، حين اقترب لين من الممر المؤدي إلى الخارج، رفع صوته فجأة، نبرته ثابتة كالصخر:

ـ "لقد كان من المفترض أن تفوز."

توقّف لين هان، جسده ارتجف دون وعي.

رفع رأسه ببطء، ليجد ذلك الرجل الغريب يحدّق به من بعيد.

لم يُجب، لكنه أدار وجهه قليلًا بفضول مختلط بالغضب.

واصل يان مو كلامه:

ـ "أنت ابن عشيرة هان… أنت من يستحق هذا الفوز… والهواء نفسه هنا يشهد بذلك."

التف لين هان تمامًا، وجهه صار أكثر قتامة، عينيه احمرّتا من الغضب والقهر.

اقترب ببطء، خطواته ثقيلة كمن يجرّ خيبته خلفه، ثم قال بصوت متقطّع:

ـ "وماذا تريد مني أنت؟ أنت أيضًا… لا أكثر من حُثالة. لكن… لا تقارن نفسك بي."

رفع يان مو يده بهدوء، إشارة إلى التمهّل.

ـ "على رسلك… أنا لا أهاجمك. أنا فقط… أبحث عن العدالة المطلقة. أنصر الضعيف، وأُعيد التوازن حين يختل."

ضحك لين هان بمرارة، ضحكة مليئة بالشك والسخرية:

ـ "عدالة؟ هه… منذ متى كان للعالم عدالة؟ إن كنت تبحث عنها، فلن تجدها هنا."

اقترب يان مو أكثر، صوته صار هامسًا، لكن كلماته حادة كالسيوف:

ـ "لكن والدك… يمتلك الكنز السري لعشيرتكم، أليس كذلك؟"

جحظت عينا لين، وتجمّد لثوانٍ، ثم قال:

ـ "ماذا؟! ومن أنت حتى تذكر ذلك؟"

تابع يان مو ببرود، كأنه يقرأ كتابًا مفتوحًا:

ـ "ذلك الكنز… تلك المخطوطة… هي لك بالحق. أنت أحق بها من غيرك. لو أنها كانت بين يديك الآن، ربما… لَمزّقت تلك الفتاة التي أذلّتك في الحلبة."

شعر لين بالدم يغلي في عروقه، قبض يده حتى سال الدم من كفه، ثم صرخ:

ـ "ماذا تقصد؟! لا تفهمني خطأ!"

ابتسم يان مو ابتسامة صغيرة، مالت شفتاه وكأنهما تخفيان شيئًا أكبر:

ـ "أقصد… أن عليك أن تحصل على الكنز. وإلا ستبقى مجرد ظلّ… ابن شيخ لا قيمة له."

ضحك لين هذه المرة بصوت عالٍ، ضحكة عصبية، كأنه فقد جزءًا من عقله:

ـ "أأنت مجنون؟! تريد مني أنا، الذي لا يعرف سوى الفنون القتالية، ولا أملك أي قوة خارقة… أن أهزم والدي؟ شيخ عشيرة هان؟!"

اقترب خطوة أخرى، حتى صارت المسافة بينهما قصيرة.

خفض صوته، لكن كلماته كانت كأنها سُمّ يتسرّب:

ـ "ليس عليك أن تهزمه وحدك… هناك طرق أخرى. خطط. خيانة. تحالفات. أنت لست بحاجة إلى القوة الجسدية فقط. لديك شيء أقوى… لديك الغضب، والإحباط، والسبب لتثور."

لين صمت، عيناه تشتعلان بالنار.

رفع رأسه أخيرًا وقال:

ـ "إذن… تقترح أن أخون والدي؟ أن أسرق ما يملكه؟"

أجابه يان مو بلا تردّد، وبنبرة وكأنها الحقيقة المطلقة:

ـ "بل أقترح أن تستعيد حقك. الكنز ليس له… إنه لك. وأنت وحدك من يقرر مصيرك."

سكت لين طويلًا، ثم زفر ببطء، وابتسم ابتسامة يائسة.

ـ "حسنًا… ربما أنا مجنون. لكن… لدي خطة. نعم… خطة واحدة فقط. وأنت وحدك… يمكنك تنفيذها."

توسّعت ابتسامة يان مو، وعيناه أضاءتا بوميض غامض.

مد يده ببطء نحو لين.

قال لين هان إذن… فلنسمع هذه الخطة."

2025/09/08 · 6 مشاهدة · 1040 كلمة
Around for low
نادي الروايات - 2026