الرجل القصير لم يتزحزح.
عيناه الصغيرتان تثبّتان على جونا كمسمارين، لا خوف فيهما ولا ترحيب، فقط ذلك النوع من التقييم البارد الذي يفعله من اعتاد أن يقرر بسرعة إن كان الشخص أمامه تهديداً أم لا.
"من أين أتيت؟"
كرّر السؤال. هذه المرة بنبرة أقل صبراً.
جونا نظر إليه ثم نظر إلى من خلفه. العشرون أو الثلاثون شخصاً لا يزالون يحملون أسلحتهم، بعضهم يداه ترتجفان قليلاً وبعضهم يبدو أن هذا الموقف معتاد عليه. طفل صغير يطل من خلف ساق امرأة تمسك سكيناً بيدها مع أن وجهها أكثر خوفاً من وجه الطفل.
أخرج جونا نفساً بطيئاً.
"لا أعرف."
الرجل القصير رمش. مرة واحدة.
"لا تعرف."
"لا أعرف."
صمت قصير. ثم:
"اسمك؟"
"جونا."
"من أي معسكر؟"
"لا معسكر."
الرجل القصير حوّل نظره قليلاً نحو رجل آخر يقف على يمينه، رجل طويل ونحيل بندبة طويلة تشق حاجبه الأيسر حتى الخد. تبادلا نظرة لم يفهم جونا معناها. ثم عاد الرجل القصير إليه.
"وحدك؟"
"نعم."
"كيف نجوت وحدك في الخلاء؟"
توقف جونا لثانية.
"بصعوبة."
لم يضحك أحد. لكن شيئاً في تعبير الرجل القصير تغيّر بمقدار لا يُقاس. ليس ابتسامة، لكن ليس عدائية أيضاً. وضع يده على كتف الرجل الطويل وقال شيئاً بصوت منخفض لم يسمعه جونا. ثم نظر إليه مجدداً.
"اسمي كيرا. أنا من يقود هذا المعسكر." توقف. "ستدخل. لكن إن حاولت أي شيء فلن تخرج."
لم يكن تهديداً كلامياً. كان ملاحظة. حقيقة بسيطة يقولها شخص متعوّد على الوفاء بكلامه.
جونا أومأ.
"مفهوم."
المعسكر من الداخل كان أكثر فوضى مما بدا من الخارج.
الخيام مكتظة، بعضها فيه ثلاث أو أربع عائلات. الأرض بين الخيام مغطاة بأشياء متنوعة، أدوات محترقة نصفها، قطع معدنية مرتّبة بعناية كأنها تنتظر من يُكمل تجميعها، حبال مشدودة بين الأعمدة عليها ملابس بالية. النار في الوسط كبيرة وعليها إناء ضخم يغلي فيه شيء برائحة لا تُعرَّف بوضوح لكنها تجعل معدة جونا الفارغة تتقلص بشكل موجع.
الناس يراقبونه.
ليس بشكل خفي. صراحة تامة. أطفال يتوقفون عن اللعب. نساء تسحب أطفالها. رجال يمسكون أسلحتهم أكثر بقليل. هذا المعسكر لم يعتد الغرباء.
تبعه الرجل الطويل ذو الندبة على بعد خطوتين. لم يتكلم. فقط يتبعه. حارس أو مراقب أو ربما الاثنان.
قادهم كيرا إلى خيمة في طرف المعسكر، أكبر من غيرها بقليل وعليها علامات مرسومة بالفحم لم يفهم جونا معناها.
دخلوا.
كانت الخيمة شبه فارغة. بعض الخرائط المرسومة على قماش ممزق معلقة على الجدران. صندوق خشبي متصدع في الزاوية. وسادتان على الأرض.
"اجلس."
جلس جونا بقدمين متقاطعتين. كيرا جلس أمامه بنفس الطريقة. الرجل الطويل بقي واقفاً عند مدخل الخيمة. يده على شيء معدني معلق على حزامه.
نظر كيرا إليه طويلاً.
"عيناك."
"ماذا فيهما؟"
"لا يوجد فيهما خوف."
"يوجد خوف."
"لا يبدو."
"أعرف كيف أخفيه." قالها جونا ببرود، ثم أضاف بعد ثانية. "عادةً."
كيرا أمال رأسه قليلاً. "ريكو؟"
توقف جونا.
"ماذا؟"
"هل لديك ريكو؟"
الكلمة وقعت في أذنيه بشكل غريب. كأنه سمعها من قبل لكن في سياق لا يتذكره. لكن فهم معناها غريزياً، قوة، شيء خارق، شيء يسكن الجسد ويظهر في اللحظات التي تتخطى فيها الأشياء حدودها الطبيعية.
"لا أعرف."
رمش كيرا مرة أخرى. كان يبدو أن هذه عادته حين يواجه إجابة لم يتوقعها.
"لا تعرف إن كان لديك ريكو."
"لا أعرف الكثير عن نفسي."
"فقدان الذاكرة؟"
"نوع منه."
نظر كيرا إلى الرجل الطويل عند المدخل. ثم عاد إلى جونا.
"ماذا تتذكر؟"
"أنني كنت في مكان اسمه الأرض. وأنني كنت أقرأ." توقف. "ثم استيقظت هنا."
صمت طويل.
ثم تنهّد كيرا بطريقة تحمل أثقالاً قديمة.
"الأرض." كرّرها ببطء كأنه يتذوقها. "سمعت هذه الكلمة من قبل. مرة واحدة فقط. من رجل وجدناه في الخلاء قبل ثلاث سنوات."
جونا مال إلى الأمام بمقدار لا إرادي.
"وماذا حدث له؟"
نظر إليه كيرا بهدوء.
"مات بعد يومين. جرح عميق أصابه قبل أن نجده." توقف. "لكنه قبل أن يموت قال شيئاً واحداً فقط."
"ماذا قال؟"
نظر كيرا إلى النار الصغيرة في وسط الخيمة. ضوؤها يرقص على وجهه المتعب.
"قال إنهم قادمون. وإنه لا يكفي أحد لإيقافهم."
سكوت ثقيل وقع بين الاثنين.
ثم قام كيرا ومشى نحو مدخل الخيمة وقال دون أن يلتفت:
"ستأكل الليلة وتنام. غداً نتكلم." توقف عند المدخل. "ولا تحاول أن تغادر الليلة. الظلام هنا ليس فقط غياب الضوء."
خرج.
الرجل الطويل بقي عند المدخل. لم ينظر إلى جونا، لكن كل عضلة في جسده كانت تنظر.
جلس جونا وحده في نصف الظلام.
نظر إلى يديه مرة أخرى. تلك اليدان اللتان تحركتا وحدهما. تلك اللتان لا يعرف ماذا تخفيان بعد.
ومن بعيد خارج الخيمة، من اتجاه الخلاء الذي جاء منه، سمع صوتاً.
ليس صوت الكلب الغريب من قبل.
شيء آخر. أعمق. أبعد.
شيء يصرخ في الظلام بصوت لا يُشبه أي كائن يعرفه.
أغمض جونا عينيه.
وللمرة الأولى منذ استيقظ في الخراب، أدرك أن الخوف الذي يخفيه جيداً كان أكبر بكثير مما تخيّل.